العدد 74 - العدد 74- السنة السابعة، ذو الحجة 1413هـ، الموافق حزيران 1993م

النظام الدولي الجديد (10) نظام عالمي، أم بلطجة أميركية؟

بقلم: محمد موسى

اعتمد بعض المحللين الظرف الذي أعلن فيه عن النظام العالمي مرآة يستجلون بها هيكله وطريقة تشغيله، فقالوا بأن الولايات المتحدة ستتخذ من الأمم المتحدة أداة لتنفيذ النظام العالمي على غرار ما حصل في حرب الخليج. ليس هذا الرأي المستهجن على ما فيه من بساطة. كان خروج الاتحاد السوفياتي على النظام الدولي، وانشطار العالم إلى عالمين قد شل دور المؤسسات السياسية في الأمم المتحدة، لذلك فإن عودة التحام العالمين في عالم واحد يدفع باتجاه هذا الرأي. ويرى أهل هذا الرأي أنه سيجري إعادة الاعتبار للأمم المتحدة وتفعيل دورها لأن القضايا الدولية سترد إليها فتنظر فيها وتصرفها كما تريد أميركا على غرار ما حصل في حرب الخليج، أي أن تصرفها أميركا على هواها من خلال الأمم المتحدة.

ويدعم هذا الرأي أن أميركا، بعد نجاحها في ابتزاز مجلس الأمن في حرب الخليج، شرعت تفكر في تفعيل دور المنظمة الدولية في التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء لتجعلها أشبه ما تكون بالدولة العالمية. وتعطي التصريحات المتفرقة للسكرتير العام للمنظمة الدولية، بطرس بطرس غالي، صورة عما تريده أميركا. فقد طالب غالي في تقريره للمنظمة في آب 92 بمسؤولية حاسمة للمنظمة الدولية في السياسة الاقتصادية والاجتماعية للدول، وقال في برنامجه «أن التهديد للسلام متعدد، وأنه في سبيل مواجهته يتوجب على شعوب العالم أن تعترف أن زمن السيادة المطلقة والخاصة بالدول قد ولّى». كما طالب بأن تحدد الدول الأعضاء القوات التي ستكون مستعدة لتخصيصها للمنظمة الدولية كجزء من قوات انتشار سريع. وفي مقابلة مع صحيفة الغارديان البريطانية قال غالي بأن من الأسباب الملّحة لإجراء إصلاحات عميقة في المنظمة الدولية هو «الطلب في أن تنهمك الأمم المتحدة في عمليات السلاح الشاملة، وليس مجرد إرسال قوات الفصل بين المتخاصمين، فتتدخل في جميع مراحل عملية التسوية، وفي بناء الحكومة، وفي إعادة تأهيل البلد، وفي إعادة آلاف آلاف اللاجئين، وفي إعادة بناء الجسور وطرق السير السريع، وفي إعداد الكوادر السياسية».

وهذه التصريحات، وإن ركزّت على الجانب الإنساني، فإنها تعني انتقال المنظمة من دور الرقابة والفصل بين المتخاصمين بطلب من أطراف النزاع أو موافقتهم، إلى فرض السلام، بل وفي منع النزاع قبل حصوله، أي أن تقوم بما يسمى بالديبلوماسية الوقائية، فتقضم من سيادة الدولة.

وفي هذا الرأي بعض الصحة وليس كلها. فالأمم المتحدة لا تكرس انفراد أميركا في القضايا الدولية المعني بالنظام العالمي الجديد. لأنها تشرك معها غيرها. فقد صممت لتضمن تفرق أميركا وليس انفرادها. لأنها صُمِّمتْ لتتقاسم الدول الخمس الكبرى تصريف شؤون العالم كعائلة دولية واحدة.

وكانت الولايات المتحدة تأمل أن توجد بتفوقها عند ئذ آلية تؤثر بها على قرارات الدول الكبرى الأخرى لصالحها، مما يضمن لها تفوقاً في إدارة العالم وتصريف شؤونه. لذلك كان من الطبيعي، بعد اتفاق الوفاق بين أميركا والاتحاد السوفياتي، أن تعمد الدولتان على عزل القضايا الدولية عن الأمم المتحدة وبخاصة مجلس الأمن فتنظرا فيها في لقاءات ثنائية على مستوى القمة أو مستويات أدنى. حتى لا تشركاً فيها بريطانيا وفرنسا وإن حدث ورفعت دولة ما قضية ما إلى مجلس الأمن على غير رغبه من الدولتين، عطلتا البت فيها لتنظرا فيها خارجة إن رغبتا بحلها أو بإعطاء رأي فيها.

وبالإضافة إلى أن الأمم المتحدة لا تحقق لأميركا الانفراد، فإن تسرّب الضعف لأدوات هيمنة أميركا يضعف من آلية أميركا لفرض تفوقها وإن أمكنها ابتزاز مواقف أحياناً. والنظام العالمي الجديد معني بالانفراد وليس بابتزاز في قضايا متفرقة ولا حتى بالتفوق. ويبيّن التاريخ أن الحروب الكبرى تنشب بسبب صراع الدول الكبرى وأطماعها. فهي لا تكاد تتفق على شيء، ولا تكاد تتفق حتى تختلف من جديد. واختلاف مصالح الدول الكبرى في مجلس الأمن يجعل من المستحيل أن تتفق على دور له. ومع أن مؤتمر قمة الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن المنعقد مع نهاية شهر يناير سنة 92 رأى ضرورة تنشيط دور الأمم المتحدة واتباع سياسة الأمن الجماعة، فإن طروحات بطرس غالي تمثل طموحات يصعب تحقيقها إن كان ذلك وارداً أصلاً. وتوجهات بطرس غالي هذه جعلت منه هدفاً لانتقادات عالمية، وبخاصة من وسائل الإعلام البريطانية.

وحقيقة ما حصل في مجلس الأمن في أزمة الخليج أنه لم يكن انسجاماً بين دولة ولا هيمنة أميركية، وإنما كان ابتزازاً أميركياً. وقد بدا الابتزاز واضحاًُ للعالم. ويكون الابتزاز في قضية أو قضايا لظروف معينة، ولا يكون هيمنة على دور. يقول كلود جوليان رئيس التحرير السابق لصحيفة لوموند ديبلوماتيك «أن الدول الصناعة والديمقراطية تغرق أكثر فأكثر كل سنة في منافساتها الاقتصادية، تلك المنافسات التي تمنعها من الاستمرار في قيادة عمل مشترك لخدمة الاستقرار والحق والعدل. لم يكن الحلف الهش سنة 91 ـ 92 الموجه ضد العراق إلا سراباً خادعاً ودليلاً كاذباً وأخيراً على تماسك مصطنع. ويجب التذكير بما جرى في مجلس الأمن، لقد اشتريت موافقة كل من موسكو وبكين بوعود مغرية (فتح اعتمادات وعقود تجارية) بينما كانتا تجران أقدامهما جراً).

وما حدث في مجلس الأمن سبق وحدث في نظام النقد الدولي. كانت الولايات المتحدة بنت نظام النقد الدولي على عين بصيرة ليضمن هيمنتها وليس تفوقها. ولما أخذ هذا النظام يعمل في الستينات ضد مصالحها أخذت تبتزه. ولم يمنع انهياره إلا ارتباط اقتصاد الدول الصناعة بالاقتصاد الأميركي، وقيام عملاتها على الدولار، وامتلاء خزائنها به كاحتياطي رئيس. لذلك أخذت الدول الأوروبية تصعّد من الوحدة الاقتصادية والنقدية لتقف في وجه ابتزاز أميركا وبلطجتها. وإذا استمرت أميركا في ابتزاز النظام السياسي الدولي واتخاذ مجلس الأمن أداة فإنها ستدفع بالأمم المتحدة إلى التفسخ.

كان العامل الحاسم في حرب الخليج أن أميركا كانت مصممة على خوضها بمفردها وفي جميع الظروف والحالات، فالشرعة الدولية كانت إلى جانبها، وكانت قادرة على حسم الحرب بمفردها. ومع كل التوافق الظاهري بين أعضاء الحلف، فإن الحلف كان قد وصل إلى نقطة حرجة في وقت من الأوقات. فقد صرّح قائد القوات البريطانية في تلك الحرب أن تقدم القوات الأميركية باتجاه بغداد كان سيؤدي إلى انهيار الحلف. لذلك فإن الظروف التي تهيأت لأميركا في حرب الخليج لا تتهيأ لها في كل قضية أخرى. فبالرغم من حقد الإدارات الأميركية المتعاقبة على العقيد القذافي فإنه لم يتهيأ لأميركا إلا فرض حد أدنى من العقوبات ضد ليبيا، كما أن أميركا فشلت في تمرير قرار في الجمعية العمومية في دورتها سنة 92 يدعو إلى تشديد الحصار الاقتصادي ضد كوبا ليكون دولياً بدل أن يكون أميركياً.

لم يتوقف الابتزاز الأميركي عند استصدار القرارات من مجلس الأمن الدولي، فقد جرى تجاوزها بشكل صارخ وواسع عندما قامت القوات الأميركية بتدمير البنية التحتية الاقتصادية والصناعية في العراق. واحتلال ثلث الأراضي العراقية. كان القرار 687 معلماً بارزاً في تاريخ الأمم المتحدة. لقد تجاوز هذا القرار المسألة الكويتية ليفرض على بغداد التدمير الكامل لمنشآت التعليم والأبحاث والتصنيع الخاصة بجميع الأسلحة غير التقليدية، ونص على الإشراف الدولي غير المحدد بمدة على العراق، وعلى الإبقاء على الحصار الاقتصادي لمدة غير محددة. يقول بول ماري دولاغورس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة باريس، ورئيس تحرير نشرة الدفاع الوطني الفرنسي «أن دلالة هذه الترتيبات هي في أنها لم توضع لها مدة محددة، وهذا يعطي عملياً الولايات المتحدة الفرصة لفرضها للمدة التي تريدها واضعة الفيتو على كل اقتراح لرفعها… والمقصود هو إيجاد وصاية دائمة على العراق اقتصادياً وعسكرياً. والحفاظ على فرض الحصار هو الإدارة الفعالة لفرض هذه الوصاية. وستكون نتيجة هذا الفرض وضع القيود الصارمة على إمكانية بناء البلد، وباختصار، لإبقائه عند أدنى مستوى ممكن من التطور والنشاط».

وأهم من هذا على أهميته، إخراج منطقة في شمال العراق من سيادة الدولة العراقية لتكون ملاذاً آمناً للأكراد، وتحديد منطقة في جنوبه يحظر فيها تحليق الطيران العراقي، باسم القضايا الإنسانية. ويتعارض هذا التصرف مع الفقرة السابعة من المادة الثانية من ميثاق المنظمة الدولية التي تحظر على المنظمة التدخل في الشؤون الداخلية للدول والانتقاص من سيادتها إلا ما استثناه الفصل السابع من أن التدخل جائز فقط في حال تهديد الأمن والسلم العالميين. ولم ينص الفصل السابع على استثناء القضايا الإنسانية.

من الطبيعي أن يؤدي انحدار الولايات المتحدة إلى ضعف آليتها في فرض هيمنتها وحتى تفوقها على الدول الأخرى. ومن مظاهر هذا الضعف أن الدول الصناعية السبع وعدت دول الكومونولث الروسي بمساعدات قدرها 24 مليار دولار بكفالة صندوق النقد الدولي، منها ستة مليارات لتثبيت سعر الروبل بينما يدفع المبلغ المتبقي وقدره 18 مليار دولار ثلاث سنوات. ونصيب الولايات المتحدة من هذه المساعدات خمسة مليارات دولار يدفع معظمها منحاً ثمناً لمبيعات أميركية من الحبوب لهذه الدول. هذا بينما كانت الولايات المتحدة قدمت للدول الأوروبية مساعدات بموجب خطة مارشال تقدر بمبلغ 80 مليار دولار، وكانت تدفع نفقات لحلف الأطلسي مبلغ مئة مليار دولار سنوياً (بسعر الدولار اليوم)، وأن ألمانيا تضخ اليوم في ألمانيا الشرقية مئة مليار دولار سنوياً مما يعني أن روسيا بحاجة إلى ما يزيد عن 1500 مليار دولار لإصلاح شأنها. وليس بمقدور الولايات المتحدة أن تزيد من مساعداتها لروسيا بشكل كاف حتى لو أرادت ذلك.

ظهرت إلى جانب دعوة بطرس غالي لتفعيل دور الأمم المتحدة دعوات عالمية واسعة لإصلاح الأمم المتحدة فقد أوجد الابتزاز الذي انتزعت به أميركا قرارات من مجلس الأمن الدولي في أزمة الخليج والأزمة الليبية هلعاً عالمياً وتشنجات دولية على جميع المستويات، وصفت مجلس الأمن بأنه تجاوز صلاحياته، وأنه لم يعد دولياً وإنما أصبح أميركياً. يقول البروفيسور جيرود دو لابراديل من جامعة باريس اكس نانترز في صحيفة لوموند ديبلوماتيك «أظهرت أزمة الخليج أن مجلس الأمن لم يعد عملياً جهازاً لمجتمع دولي، وإنما أخذ يصبح أداة للسياسة الأميركية. وقد أكدت الأزمة الليبية هذه الظاهرة عندما طلب مجلس الأمن أن تقوم دولة بتسليم رعاياها لمحاكمتهم أمام القضاء الأميركي. ونظراً لأن شعوب العالم لم توكل الولايات المتحدة حكم العالم، فإن الانجراف في هذا الاتجاه يعرض الأمم المتحدة والشرعية الدولية للخطر. وهذا ما يجعل غياب محكمة العدل الدولية أمراً يؤسف له. بالفعل فإن إشرافاً قضائياً على شرعية قرارات مجلس الأمن يمكن أن يجعل المجلس يحترم الحق».

أما جوناثان إيال، رئيس قسم الدراسات في المعهد الملكي البريطاني للخدمات المتحدة فيقول في صحيفة الغارديان ويكلي: «يجري وراء الكواليس منذ شهور نزاع حاد حول اقتسام تكاليف عمليات الأمم المتحدة. وعوضاً عن أن تساهم مالياً، عرضت الولايات المتحدة أن تضع معداتها العسكرية المنشورة حول العالم تحت تصرف الأمم المتحدة. وفي جميع الأحوال فإن أحداً لا يستطيع الموافقة على آلية دفع كهذه، لذلك فلم ينجز إلا القليل. ويحاول السكرتير العام منذ ما يزيد عن عام أن يفتتح نقاشاً طويلاً وواسعاً حول مستقبل عمليات المنظمة الدولية لحفظ السلام، ولكن لم تصله أية إجابة باستثناء كلمات لطيفة. وتدلل عملية حفظ السلاح في يوغوسلافيا أن فكرة الأمم المتحدة للأمن الجماعة بحاجة إلى إعادة تمحيص». وقد دفعت هذه اللجنة الدولية بطرس غالي نفسه ليعلن مع بداية شهر كانون أول سنة 92 أن المجتمع الدولي تنقصه الإرادة السياسية لدفع تكاليف عمليات حفظ السلام.

ويرى فريق آخر أن الولايات المتحدة ستعتمد القوة العسكرية لفرض النظام العالمي الجديد، وأنها ستمارس دور الشرطي العالمي لفرض الأمن والنظام الأميركيين في العالم. ويستمد هذا الفريق رأيه أيضاً من الظرف الذي أعلن فيه عن النظام، ومن كيفية الرد على ما سمي بأول تحدٍ لهذا النظام، ومن الوثيقتين المذكورتين. وهم يرون أن زوال الاتحاد السوفياتي ترك الولايات المتحدة دولة عملاقة وحيدة على المسرح الدولي. ومن هنا جعل قادة بعض الدول من أنفسهم أبواقاً تدعو العالم للامتثال للنظام العالمي الجديد، وتحذره من الخروج عليه كما حذرت نملة النمل من سيلمان وجنوده.

وفي هذا الرأي بعض الصحة وليس كلها. كانت الولايات المتحدة أخذت تمارس دور الشرطي العالمي منذ نشوب الحرب الكورية سنة 1950، أي في أوج الحرب الباردة عندما مدت دورها العالمي من أوروبا إلى المشرق فأقامت الأحلاف الجماعية والمعاهدات الثنائية التي كانت تضفي الشرعية على تدخل أميركا في الشؤون الداخلية لأطراف الأحلاف والمعاهدات، ونشرت قواتها في كل زاوية من زوايا المعمورة باسم محاربة الشيوعية في كل مكان. ثم بيّنت حرب فيتنام أن قدرات أميركا وطاقاتها لا تكفي لتحمّل أعباء الدور العالمي ودور الشرطي العامي. فتخلّت عن دور الشرطي العالمي وأبقت على الدور العالمي والمصالح والارتباطات العالمية بعد أن ابتدع نيكسون استراتيجية تحمل أطرافاً دولية وإقليمية جزءاً كيراً من أعباء وتكاليف دور أميركا العالمي. كانت أميركا في ذلك الوقت تجمع بين القوتين العسكرية والاقتصادية، ولم تستطع مع ذلك تحمل أعباء الدور العالمي وممارسة دور الشرطي العالمي. لذلك فإن من غير الوارد إطلاقاً أن تعود الولايات المتحدة، وهي على ما هي عليه من إنهاك، لممارسة دور الشرطي العالمي. وقد رأيناها في حرب الخليج تفرض على دول أخرى دفع نفقات تلك الحرب وزيادة.

وما تجدر الإشارة إليه في هذا الشأن هو أن الاتحاد السوفياتي لم يكن يلجم القوة العسكرية الأميركية أو يعوق حركتها على المسرح الدولي خارج المعسكر الاشتراكي قبل انهياره، فقد كانت الولايات المتحدة تقوم بدور الشرطي العالمي في أوج الحرب الباردة. كما أعطى اتفاق الوفاق الولايات المتحدة حق وراثة الإمبراطوريات الأوروبية باستثناء مناطق محددة في أفريقيا يجري التنافس السلمي عليها بين الدولتين. وما كنا نراه من تواجد سوفياتي هش خارج تلك المنطقة إنما كان عملاً سياسياً من أميركا جرّت فيه الاتحاد السوفياتي للتوسع بعيداً عن مجاله الحيوي بغية زيادة إنهاكه. لهذا لا يرد أن يقال أن انهيار الاتحاد السوفياتي سيطلق القوة الأميركية من عقالها لتطأ بأقدامها مشارق الأرض ومغاربها. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن القول بانفراد أميركا عسكرياً قول غير دقيق. كان العالم ثنائي القطبية عسكرياً، قطباه الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.ولم يؤد انهيار الاتحاد السوفياتي كإمبراطورية إلى تدمير قوته العسكرية، وإنما أصبحت ملكاً لروسيا التي ورثت قوة الاتحاد السوفياتي العسكرية والاقتصادية. لذلك كان من الطبيعي أن يبقى العالم ثنائي القطبية عسكرياً. قطباه الولايات المتحدة وروسيا وان احتفظت الولايات المتحدة بتفوق كما كان حالها أيام الاتحاد السوفياتي. ونجد هذه القطبية واضحة في اتفاق الرئيسين بوش ويلتسن على تخفيض مخزون الدولتين من الرؤوس النووية الاستراتيجية ليصح مخزون الولايات المتحدة منها سنة 2003 فقط 3500 رأس، بينما يصبح مخزون روسيا 3000 رأس.

يضاف إلى هذا أن الشعب الأميركي أطاح بالرئيس بوش من أوج عليائه بسبب تركيزه على المسرح الخارجي، وأتى الرئيس كلينتون تجسيدا ًللشعار الذي اجتاح الشارع الأميركي «أميركا أولاً». لقد كان نجاح كلينتون نتيجة لتفاعلات واسعة في الشعب الأميركي ولم يكن بناء على تبادل للأدوار بين الحزبين كما كان الحال في بريطانيا. في بريطانيا كان الحزب الرئيسي، حزب المحافظين، يتبادل الأدوار مع حزب الأحرار، ثم مع حزب العمال فيما بعد، حسب مقتضيات المرحلة. ومن أمثلة ذلك أنه ما أن أشرفت الحرب العالمية الثانية على نهايتها حتى خرج حزب المحافظين وعلى رأسه تشرشل الذي قاد بريطانيا إلى النصر، لتحل محله في الحكم حكومة عمالية برئاسة أتلي. كان ذلك التغيير من مقتضيات المرحلة وليس تنكراً من الشعب البريطاني لتشرشل وحزبه. لقد دمرت الحرب الكثير من الاقتصاد البريطاني وأوجدت إخلالات اجتماعية. كان هذا الوضع يقتضي وجود حكومة تضع البرامج الاجتماعية على رأس أولوياتها. ولما كان حزب العمال هو الذي يتبنى هذه السياسيات كان من الطبيعي أن يتنحى حزب المحافظين ويفسح الطريق لحزب العمال. أما في أميركا فإن الأمور تسير على هذا المنوال حيث لا يتبادل الحزبان الأدوار. أن شعار «أميركا أولاً» الذي أسقط بوش هو في عمق واتساع الشعار الذي ساد الشارع الأميركي في وقت سابق «لا فيتنام بعد اليوم».

هذا ولا تستطيع الولايات المتحدة أن تفرض هيمنتها العالمية بقوتها السياسية لأن الضعف تسرّب إلى هذه الإدارة كما تسرّب إلى غيرها من الأدوات. وقد رأينا ضعف قدرة أميركا في التأثير في قرارات دول مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا واليابان. ولا يتوقف الضعف عند هذا الحد، وإنما يتعداه إلى الضعف في التأثير في قرارات دول صغرى. فقد ضغطت الولايات المتحدة على الأردن بأساليب شتى ليضع مراقبين دوليين على حدوده مع العراق، لكن الأردن أصر على الرفض. وتضغط الولايات المتحدة منذ ما يزيد عن سنة ونصف على دول الخليج لتنفيذ إعلان دمشق، ولكن بعض دول الخليج لا زالت ترفض. كما أن نصف الدول العربية خرجت على السرب الأميركي في حرب الخليج. يقول البروفيسور زيسمان، من جامعة بيركلي عن ضعف النفوذ الأميركي «أدّى فقد القيادة في الصناعة إلى تآكل النفوذ الأميركي في الخارج. ولذلك فإن أميركا ستشرب من الكأس المرّ التي كانت تسقيها للآخرين».

وما جاء في وثيقة البنتاغون الأولى من أن على أميركا أن تؤكد الحفاظ على الانفراد بمركز الدولة العملاقة، والحيلولة دون أن يعرّض أحد هذا المركز للخطر، ومن أنه يجب على أميركا أن تحافظ على تفوّقها العسكري لدرع المنافسين المحتملين عن أن يأملوا في لعب دور إقليمي أو عالمي أكبر، فيه الكثير من الهراء بالرغم من أن الوثيقة لم تحدد أدوار الأطراف الأخرى إقليمياً أو عالمياً، ولم تضع لها خطوطاً حمراء محددة. لقد شبّت تلك الدول عن الطوق، وحازت من الأسلحة النووية ما يحقق لها الردع. وهي إن لم تحقق التوازن الكمّي فقد حققت توازن الرعب. ولا تستطيع الولايات المتحدة أن تفرض على تلك الدول إعدام ترساناتها النووية أو تحديد سقوفها إلا أن تدخل معها في مفاوضات لتحديد الأسلحة النووية أو تخفيضها، وهو ما سمّي بمفاوضات سالت وستارت. والدخول في مثل هذه المفاوضات يعني إما أن تخفّض الولايات المتحدة من سقف ترسانتها، أو أن ترفع تلك الدول النووية من سقف تراسانتها، فتقف جميع الدول النووية الكبرى على صعيد واحد أو أصعدة متقاربة. أما ما تملكه الولايات المتحدة فهو أن تردع دولاً غير نووية عن الدخول إلى النادي النووي.

ويجب أن لا يغيب عن البال أن عدم ممارسة الولايات المتحدة لدور الشرطي العالمي لا يعني عدم استعمال القوة العسكرية مطلقاً. فالولايات المتحدة ستستعمل القوة العسكرية في حالات منتقاة وستستعملها دفاعاً عن مصالحها الحيوية وفي مقدمتها مركزها الدولي، وجوهر نظامها الدولي، ومجالها الحيوي.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *