العدد 74 - العدد 74- السنة السابعة، ذو الحجة 1413هـ، الموافق حزيران 1993م

مبدأ كيلنتون: الدبلوماسية الوقائية

 هناك تخبط كبير في سياسة كلينتون وحكومته في ميادين متعددة، وقد برز هذا بشكل واضح في موقفه من مشكلة البوسنة ـ الهرسك. وقد أدلى بتصريح من أغرب التصريحات التي يمكن أن تصدر عن رئيس أميركي، قال: «عندما أدركت أن الصرب البوسنيين رفضوا الاقتراح، ومعه إمكانية وضع حد للمأساة، شعرت بالأسى فعلاً لأني لا أريد أن أصرف وقتاً أطول مما هو ضروري على هذا الموضوع، وذلك لأن ما انتخبت من أجله هو مساعدة أميركا على الاهتمام بمشاكلها».

وقد سبق هذا التصريح تخبط كبير: من رفض مشروع (فانس ـ أوين) بحجة أنه غير عادلة بالنسبة للمسلمين إلى القبول به. من القول إن الوقت حان كي يتحرك المجتمع الدولي في اتجاه الحسم إلى التذرع بالرفض الأوروبي للخطة الأميركية. من رفض إرسال قوات برية أميركية إلى الموافقة على ذلك في مقدونيا. من اعتبار أن واشنطن بلورت برنامج رد إلى الاستنجاد بباريس ولندن طلباً للأفكار. من وصف الوضع بأنه «اعتداء» إلى الحديث عن «حرب أهلية معقدة»…

وهذا التخبط في السياسة الأميركية ليس مقتصراً على مشكلة البوسنة ـ الهرسك وحدها بل هو ينسحب على السياسة الأميركية في أكثر مسائلها. ففي 02/06/93 أدلى وزير خارجية أميركا كريستوفر بتصريح يبرر هذا التخبط جاء فيه أن الإدارة الجديدة واجهت لدى تسلمها السلطة سلسلة من الأزمات الصعبة وأشار إلى «أن إسرائيل كانت على شفير المعاقبة (في مجلس الأمن) بسبب أزمة المبعدين» ناهيك عن الصعوبات التي واجهتها روسيا والمشكلة في هاييتي وإمكانية اضطراب العلاقات مع الصين «وكان العراق يشكل مشكلة خطيرة لدى وصولنا إلى السلطة».

                                                            بيتر تارنوف وكيل وزير الخارجية

وكان مسؤول كبير في الخارجية الأميركية صرح في 25/05/93 بتصريحات تشير إلى تغييرات جذرية في السياسة الخارجية الأميركية وقد لفتت أنظار المراقبين في العالم. وقد علق وزير الخارجية عليها تعليقات من التخبط أيضاً.

تصريحات هذا المسؤول وما تبعها من تصريحات وزير الخارجية تدل على أن الإدارة الأميركية أجرت مراجعة في سياستها وبلورت مواقف محددة، وهذه المواقف أطلق عليها وزير الخارجية اسم «مبدأ كلينتون» ووصفها بـ «الدبلوماسية الوقائية». وشرح أسس المواقف الجديدة بقوله: «نحن دولة كبرى ولكن على الدولة الكبرى أن تقرر ما هي الحالات التي يجب أن تتصرف فيها بمفردها والحالات المطلوب التصرف فيها بشكل متعدد». وقال: «لن نتمكن من البقاء طويلاً قوة كبرى إذا كان علينا أن نؤدي كل الواجبات بمفردنا».

وكان المسؤول الكبير في الخارجية قال في 25/05/93 بانتهاج توجهات جديدة في السياسة الخارجية تختلف عن الماضي لجهة محدوديتها بسبب عدم توفر الأموال، وقال: «إن الأولوية هي لمصالحنا الاقتصادية» وقال: «ببساطة لست لدينا الفعالية وليس لدينا النفوذ والرغبة في استعمال القوة العسكرية، وليس لدينا المال لتحقيق أي نتائج إيجابية قريباً» فيما يتعلق بالبوسنة.

ولاحظ أن إحدى المشاكل الرئيسية لفترة ما بعد انتهاء الحرب الباردة تكمن في كيفية التعاطي مع الدول ذات الوزن المتوسط مثل العراق وإيران وليبيا. وقال إن تراجع القوة الأميركية زاد الأمور تعقيداً. وقال إنه سيكون على الرئيس كلينتون اتخاذ قرارات في كل حالة بمفردها. وفي معرض شرحه لمبدأ كلينتون قال كريستوفر: «إذا تعرضنا للتهديد… وإذا كانت مصالحنا القومية على المحك» نرد بشكل منفرد، وكرر: «إن هناك أولويات في المصالح فإذا تعرضت مصالحنا الاستراتيجية للخطر سنتصرف وحدنا إذا كان ذلك ضرورياً» واعترف بأن الولايات المتحدة غير قادرة على مواجهة كل المشاكل الدولية بمفردها «وعلينا أن نحافظ على قوتنا لاستعمالها في الحالات التي تتعرض فيها مصالحنا الحيوية العميقة للخطر». أما بالنسبة إلى المسائل الإنسانية مثل البوسنة «فهناك حاجة إلى رد متعدد الأطراف». وأضاف وارن كريستوفر أن كلينتون قرر عدم ممارسة الضغط على الحلفاء الأوروبيين لفرض رأي إدارته، ولم يهدد بفرط التحالف إذا لم يتجاوب أعضاؤه مع سياسته تجاه البوسنة استناداً إلى مبدأين: أولهما أن ليس في مصلحة الولايات المتحدة إرسال قوات برية إلى هناك بهدف حفظ السلام. والثاني ضرورة معالجة المشاكل على أساس مشاركة متعددة الأطراف.

هذا هو مبدأ كلينتون. والسبب في وضعه  هو الضعف والعجز الذي أحست به إدارة كلينتون. وهذا الضعف والتراجع عند الإدارة الأميركية سيُطْمِع الدول الكبرى الأخرى وعلى رأسها الأوروبية للتمرد على أميركا ومحاولة إيجاد العراقيل في وجهها لإعادتها إلى دولة كبرى بدل أن تكون الدولة العملاقة الوحيدة في العالم.

الأميركيون أنفسهم بدأ يظهر عليهم الندم لأنهم أسقطوا بوش وجاءوا بكلينتون، ولكن لن ينفعهم ندمهم الآن، وقد أثبت الشعب الأميركي أنه لا يعرف قيمة الرجال، وهذا ليس مديحاً منّا ببوش لأنه هو العدو الأخطر بالنسبة للعالم الإسلامي وبالنسبة للعالم كله، ولكنه كان الرجل الأنسب بالنسبة للشعب الأميركي الذي يسعى لالتهام ثروات العالم.

إن ضعف الإدارة الأميركية ينعش الأمل في بروز قوى كبرى تقف بوجهها وتنافسها. وهذا ينعش الأمل في البلاد الإسلامية وبلاد العالم الثالث في أن تستطيع أن تتحرك وتعمل لتحرير نفسها من ربعة الهيمنة الأميركية والهيمنة الغربية.

وبالنسبة للمسلمين فإن عقيدتهم تفرض عليهم العمل ليل نهار كي يحرروا أنفسهم وبلادهم من هيمنة الاستعمار والكفر وكي يحرروا العالم أجمع، سواء كانت الإدارة الأميركية ضعيفة أو قوية، وسواء كان العالم يُحكَم برأس واحد أو برؤوس عدة.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *