العدد 73 - العدد 73- السنة السابعة، ذو القعدة 1413هـ، الموافق أيار 1993م

الدعوة إلى الإسلام (17)

التدرّج

والآن، وبعد استعراض: ماذا يعني التدرج، وماذا يشمل، وما هي مسوّغاته عند القائلين به، ننتقل إلى بيان الرأي الشرعي الصائب، وبالطريقة الشرعية في التفكير.

أقول الرأي الصائب ولم أقل الرأي الأقرب إلى الصواب؛ لأن فكرة التدرج هذه ليست من الشرع ولا يجوز نسبتها إلى الشرع. والمسألة لا تتعلق بالتدرج هل هو حكم شرعي أو لا بقدر ما يتعلق بطريقة تفكير لا يقرها الشرع بحال من الأحوال.

ذلك أن للإسلام طبيعته تختلف جذرياً عن غيره. فطبيعة النظام الإسلامي أنه قائم على اتباع الوحي حصراً. بينما تقوم طبيعة النظام الوضعي على الابتداع الإنساني والخبرات البشرية والتي تبقى مهما قويت قاصرة عن تحديد المعالجات الصحيحة لمشاكل الإنسان.

فالإسلام يقوم على الإيمان بالله الخالق المدبر. والمسلم ارتضى بإسلامه أن يكون مدبراً أمره بأمر الله سبحانه وتعالى لأن أمر التدبير لا يكون إلا للعليم الخبير، ولأن الإنسان ليس أهلاً للتشريع. وهذا الذي أدركه المسلم وأنقذ نفسه بالإيمان به وبالالتزام بحسبه عليه أن يدعو الناس إليه. فلا خلاص للبشرية إلا به. ومهما قويت ذهنية البشر، ونضجت خبراتهم فلن يصلوا بمداركهم العقلية إلى تنظيم شؤون حياتهم بأنفسهم. فهذه مسلّمة بديهية عند كل المسلمين يجب أن لا تغيب عن أذهانهم وأن لا يجعلوها موضع بحث بينهم، ويجب أن يجعلوها أساساً لدعوتهم. وهذا ما يميز دعوة الإسلام عن غيرها.

والمسلم عندما يتقيد بالشرع عليه أن يجعل أساس تقيده الإيمان بالله تعالى. وإلا فلن يقبل منه التزامه وعندما يدعو غيره إلى الإسلام عليه أن يجعل أساس دعوته الإيمان بالله وإلا فلن تقبل منه دعوته فالمسألة تتعلق بالإيمان أولاً، والالتزام الصحيح ثانياً.

وحتى يتغير المسلم ويغير الأنظمة تغييراً صحيحاً وسليماً يجب أن يهتم بالأساس الروحي: بإيجاده أولاً ومن ثم تغذيته. فيسهل بعدها الالتزام بغض النظر عن مطابقته لواقع الناس أو طباعهم أو أهوائهم أو عدم مطابقته. وعدم اعتماد المسلم على الأساس الروحي في الالتزام يوقعه في الإثم إن يؤدِ به إلى الكفر. وقيام الإسلام على الأساس الروحي أي الإيمان بالله لا يجعل هذا الحكم قريباً أو بعيداً إلا بقدر قربه أو بعده عن هذا الأساس.

والآن نأتي لنسأل من يقول بالتدرج: أين هو الأساس الروحي في هذه الدعوة. بل أين أمر الله فيه. وأين لجأ الرسول صلى الله عليه وسلم، مع مسيس الحاجة إليه سواء في مكة أم في المدينة؟

ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم لبني عامر بن صعصعة حين كان يطلب منهم النصرة «الأمر لله يضعه حيث يشاء» وذلك عندما طلبوا أن يكون الأمر فيهم من بعده مع شدة الحاجة عنده لوجود من ينصر الدعوة. ألم يكن في الإمكان إجابتهم إلى طلبهم ثم بعد أن يؤمنوا تتغير مطالبتهم؟ أم هي الدعوة الصادقة والأمر الرباني الذي جعله صادقاً فيما يقول من غير مداهنة ولا مساومة ليحيا من حيَّ عن بيّنة ويهلك من هلك عن بيّنة.

ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب عندما جاءه يطلب منه أن يخفف عنه وأن لا يحمّله من الأمر ما لا يطيق، ألم يقل له: «والله يا عماه لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه». وهذا النص من الرسول صلى الله عليه وسلم يفيد عدم قبوله بأدنى مساومة، وأعطى على ذلك أصدق مثل في دعوته. فلم يداهن ولم يهادن، ولم يساير، ولم يحاب، ولم يداج من بيدهم الأمور بل كانت دعوته صريحة جريئةَ، تبعث الفكر الصادق الذي يُدحض به الباطل ويجعله زهوقاً.

ألم يأمر الله سبحانه المسلمين أن يهاجروا من المكان الذي لا يستطيعون أن يقوموا فيه بما أوجبه عليهم إلى المكان الذي يستطيعون، وجعل المكوث فيه محرماً عليهم لقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ؟ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا…) وقد نقل ابن كثير الإجماع على تحريم الإقامة حيث لا يتمكّن المسلم من إقامة الدين.

ألم يبدأ الرسول صلى الله عليه وسلم دعوته بـ (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وبادأ بها قومه. وكانت كذلك هي آخر كلامه من غير أن تغيير. فهل دعا إلى أقلّ منها في بادئ الأمر ثم تدرج بها؟ أم أنها كانت أول دعوته وآخرها.

ألم يقاتل أبو بكر رضي الله عنه مانعي الزكاة. ولم يأخذ بالتمهل وتطييب الخاطر قائلاً قولته المشهورة: «والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه». مع أن وضع المسلمين كان يومها يشهد حركة ارتداد وتمرد واسعين.

هل عهد عن المسلمين الأوائل الذين حملوا الدعوة إلى الإسلام مثل هذا الفهم. وهل ساروا على منواله حين طبّقوا الإسلام على البلدان المفتوحة التي تحولت دارها من دار كفر إلى دار إسلام؟ لم يراعِ المسلمون الأوائل أوضاع أهل هاتيك البلاد الذين كانوا حديثي عهد بالإسلام. فلم يتركوهم يشربون الخمرة ريثما تألف نفوسهم عدم شربها أو عدم التعامل بالربا أو عدم معاقرة النساء… بل كانوا يدخلون في الإسلام كاملاً فيمتنعون عن الربا وعن الزنا وعن الخمر وعن كل ما حرمه الله عليهم وكانوا ينفذون الأحكام الشرعية المتعلقة بذمتهم سواء منها الفردية أم الجماعية، العينية أم الكفائية.

هل تناولت أمهات كتب الفقه الإسلامي هذا الموضوع. وهل ذكر فقهاؤنا المجتهدون الأوائل الموثوقون أدنى إشارة عن التدرج. ومعلوم أن فقهاءنا تناولوا بالتفصيل كليات الشريعة وجزئياتها؟

إن الشرع بكليته يدل على وجوب تحلّى الدعوة بالصدق واستقامة الطريق (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا * قَيِّمًا…) والله أخبرنا أن الكفار يودون أن نداهنهم ونسايرهم ونتنازل عن الحق، ونقبل بأرباع الحلول وأنصافها. بدءاً بالكفر لقوله تعالى: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ… ) وانتهاء بالأحكام لقوله تعالى: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ)، (فَلاَ تُطِعْ الْمُكَذِّبِينَ) وقد حذرَنا ربُنا من الركون إلى الظالمين بقوله: (وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ).

إن الدعوة الصادقة إلى الإيمان الصادق تجعل التزام المسلم كاملاً ولو كان حديث عهد بالإسلام أو بالالتزام. وما علينا كحملة دعوة إلا أن نغرس الإيمان في النفوس وأن نعتني به حتى يؤتي أكله على أطيب ما يكون التزاماً وتقوى. والدولة الإسلامية حين تقوم لن تقوم على أناس فارغين أو مثقلين بالأفكار الغربية. ولن تقوم على أناس لم تعمل الدعوة فيهم ولم تؤثر عليهم وتجعلهم يقبلونها. بل هي كما قلنا سابقاً، يجب أن تقوم على رأي عام منبثق عن وعي عام يتقبل فكرة الإسلام وفكرة الحكم به. ولا حاجة للجوء إلى فكرة التدرج بحجة تقريب النفوس من الإسلام. ولا حاجة للرضوخ لضعف الإنسان أو مسايرة الواقع لأن الله أمرنا أن نغير النفوس والواقع بالإسلام.

ولو عدنا إلى القرآن نستقرئ آياته لأدركنا أن الأمر فيه قطع وأن التدرج هو من الأفكار الدخيلة الغربية التي أدخلها من تَسَمّى بالعلم زوراً وبهتاناً.

لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه كلما نزلت آية بادروا بتنفيذها دون أدنى مهلة أو تأخير. وكان الحكم الذي ينزل يصبح واجب التطبيق بمجرد نزوله. وصار المسلمون بعد نزول قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ) مطالبين بتطبيق الإسلام كله مطالبة كلية. سواء منها ما يتعلق بالعقائد أو العبادات أو الأخلاق، أو المعاملات، وسواء أكانت هذه الأحكام تتعلق بناحية الحكم والاقتصاد أو الاجتماع أو السياسة الخارجية، في حالة السلم أو في حالة الحرب.

– وقوله تعالى: (وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) أي خذوا واعملوا بجميع ما آتاكم الرسول وانتهوا وابتعدوا عن كل ما نهاكم عنه. لأن (ما) في الآية من صيغ العموم فتشمل وجوب العمل بجميع الواجبات ووجوب الانتهاء والابتعاد عن جميع المنهيات. والطلب بالأخذ والانتهاء الوارد في الآية يفيد الوجوب بقرينة ما ورد في نهاية الآية من الأمر بالتقوى والوعيد بالعذاب الشديد لمن لم يعمل بهذه الآية.

– وقوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ).

– وقوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ).

– وقوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ).

في هذه الآيات جعل الله من لم يحكم بما أنزل الله كافراً أو ظالماً أو فاسقاً. ولأن (ما) الواردة هنا من صيغ العموم فتشمل جميع الأحكام الشرعية التي أنزلها الله أوامرَ كانت أم نواهي.

ومن كل ما تقدم يتضح بشكل قطعي لا لبس فيه أنه يجب على المسلمين جميعاً أفراداً وجماعات ودولة أن يطبقوا أحكام الإسلام كاملة دون تأخير أو تسويف أو تدريج. وأنه لا عذر لفرد أو جماعة أو دولة في عدم التطبيق.

والتطبيق بالتدريج يتناقض مع أحكام الإسلام كل المناقضة. ويجعل المطبّق لبعض الأحكام والتارك لبعضها آثماً عند الله فرداً كان أو جماعة أو دولة.

فالواجب يبقى واجباً يجب العمل به، والحرام يبقى حراماً يجب الابتعاد عنه. فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يقبل من وفد ثقيف أن يدع لهم صنمهم اللآت ثلاث سنين وأن يعفيهم من الصلاة على أن يدخلوا في الإسلام فلم يقبل منهم ذلك. وأبى عليهم كل الإباء، وأصر على هدم الصنم دون تأخير وعلى الالتزام بالصلاة دون تأخير.

والله قد جعل الحاكم الذي لا يطبق جميع أحكام الإسلام أو يطبق بعضها ويترك بعضها الآخر كافراً إن كان لا يعتقد بصلاحية الإسلام أو لا يعتقد بصلاحية بعض الأحكام التي ترك تطبيقها. وجعله ظالماً وفاسقاً إن كان لا يطبق جميع أحكام الإسلام، أو لا يطبق بعضها لكنه يعتقد بصلاحية الإسلام للتطبيق.

والرسول صلى الله عليه وسلم أوجب قتال الحاكم وإشهار السيف في وجهه إذا أظهر الكفر البواح الذي عندنا فيه من الله برهان. أي إذا حكم بأحكام الكفر التي لا شبهة أنها أحكام كفر، كثيرة كانت هذه الأحكام أم قليلة، لما ورد في حديث عبادة بن الصامت: «… وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان».

وعليه فلا تساهل ولا تدرج في تطبيق أحكام الإسلام. إذ لا فرق بين واجب وواجب ولا بين حرام وحرام، ولا بين حكم وآخر. فأحكام الله جميعاً سواء. ويجب أن تطبق وأن تنفذ دون تأخير أو تسويف أو تدريج. وإلا انطبق علينا قول الله تعالى: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ… ).

وليس هناك من عذر لأي مسلم في عدم تطبيق أي حكم شرعي حاكماً كان أو فرداً عادياً إلا إذا كانت هناك رخصة شرعية وردت في النصوص الشرعية. وعدم القدرة يعتبر رخصة شرعية في حالة العجز الحقيقي المحسوس (أو الراجح على الظن رجحاناً قوياً) أي حالة الاضطرار الحقيقي، مثل حالة المكره إكراهاً ملجئاً، أو مثل حالة عرض الرسول صلى الله عليه وسلم ثلث ثمار المدينة على قبيلة غطفان، أو مثل قبول الخليفة للتحكيم مع البغاة، أو مثل إباحة الميتة للمضطر الذي يخشى الهلاك.

إن إثبات عدم جواز التدرج ليس متعلقاً بكثرة الأدلة وإلا لأخذ منا ذلك الصفحات الطوال. لأن الشرع، كما قلنا، بكليته يرفض هذا المنحى، ويفرض طريقة ثابتة في التفكير تقوم أوّل ما تقوم على الأساس الروحي. لذلك يكفي التدليل على طريقة الإسلام الثابتة في أخذ الشرع وتطبيقه، ومن ثم الإتيان ببعض الأدلة للتوثيق. والذي لا يتعظ بالقليل فلن يتعظ بالقرآن كله. ومن عجيب الأمر أن من يقول بالتدرج أو المرحلية في العمل والدعوة والالتزام يقول إنه يجب أن لا تخرج المرحلية عن المبدئية أي عن أصول الإسلام وقواعده. وهل هناك خروج أكثر من هذا؟

ونحن، تُجاه ما نراه من هذا الطرح، نجد أن هذه الفكرة قد وجدت في رؤوس أصحابها، نتيجة لضغط الواقع، وللتفلت من هذا الضغط راحوا يتصيدون لها الأدلة تصيداً لتكون مبرراً ومسوّغاً لهم للدعوة بحسبها. إذاً: الفكرة وجدت أولاً ومن ثَمّ أوجدوا الدليل الشرعي الذي أوّلُوه بحيث يخدم هذه الفكرة. وهذه هي بداية الانحراف. وكنصيحة للخروج من هذا المنحى: يجب أن يخلع المسلمون القائمون على فكرة التدرج ثوب الضعف الذي يلبسونه، وأن يتصلوا بالشرع اتصال الواثق بربه المؤمن به إيماناً راسخاً بأنه هو الذي يدبِّرُ الأمر ويغيِّر الأوضاع، ويمنح النصر لمن يستحقه حتى يواجه بهذا الإيمان شدة الواقع وقساوة الأوضاع. فيستعلي بإيمانه ويجعله منطلق الدعوة ومحط رحالها. وسنرى أن ذلك كله سينعكس على المدعوين تقيداً والتزاماً قويماً. من غير ما حاجة إلى التدرج.

إن الدعوة إلى التدرج هي دعوة لغير الإسلام، وهذا حرام. وهذا يجعل غير المسلم، أو المسلم المقصِّر الذي يُدعى بناء على هذا الأساس معذوراً بعض الشيء في عدم قبول ما يعرض عليه عذراً يتحمل مسؤوليته الداعي لأنه لم يعرض عليه الإسلام، ولبعد طرحه عن الأساس الروحي بالله الخالق المدبِّر، والذي على أساسه يؤخذ الحكم الشرعي أو يترك. وهذا يجعل حجة الله على هؤلاء المسلمين الداعين قائمة يوم القيامة بدل أن تقوم حجتهم على غيرهم.

والدعوة إلى التدرج فيها تدخُّل وتحكُّم في التشريع حين تجيز للإنسان تطبيقاً مجزّأً بحجة أنه لا يقوى على التطبيق الكامل الفوري. ونحن أُمرنا أن لا نقدم بين يدي الله ورسوله ولا نؤخر. فالذي يعالج الإنسان هو ربه العليم الخبير الذي يعلم ما خلق. فكيف يسمح المسلم لنفسه حين الدعوة للتدرج بالتدخل في عملية التشريع هذه. بينما تنحصر مهمة الداعي في تنفيذ وتبليغ المعالجة وليس في وضعها.

والدعوة إلى التدرج تعطي الداعي وطريقة تفكير فاسدة يدعو الناس على أساسها. وهذه الطريقة التي سيحملها للآخرين إذا تأثر بها المدعو فإنها تفسد عنده طريقة التفكير التي يجب أن تتغير كما يجب أن تتغير الأفكار الخاطئة، علماً أن طريقة التفكير تأتي في المقدمة في عملية التغيير، إذ أنها تسبق في أهميتها تغيير الأفكار. ونحن لا نضمن تغير الأمة تغيراً موثوقاً حتى نغيِّر لها طريقة تفكيرها ولو بشكل عام. وستحل هذه الطريقة الفاسدة التي يفكر ويدعو بحسبها محل الطريقة الصحيحة.

بقيت لنا كلمة خاتمة وهي أن الأوضاع الحالية شهدت سقوط الفكر الاشتراكي الخَرِف الذي كان يقوم على الإلحاد. وتشهد ترنح الفكر الرأسمالي العَفِن الآيل إلى السقوط، بعد بيان فساده. وفي المقابل تشهد بداية صحوة إسلامية تعود بالمسلمين إلى الأصول حيث بدأت تباشير النصر ترفرف بأجنحتها، وأَماراتُ الخلافة الراشدة الموعودة تطل برأسها. ونبوءة الرسول صلى الله عليه وسلم بعود الإسلام إلى الحكم، وامتداد الخلافة إلى مشارق الأرض ومغاربها، في أكثر من حديث، تفرض نفسها.

نعم، لقد بدأ المارد الإسلامي بالاستيقاظ بعد طول سُبات. وقام ينفض عن نفسه مثل هذه الأفكار المخدرة التي أنامته ردحاً طويلاً من الزمن.

كل هذا، جعل الأنظمة الحالية، ومن ورائها دول الغرب الكافر، تحسِب لذلك ألف حساب، وتضع الخطط الطارئة لمواجهة هذه الظاهرة. فراحت تقبل اليوم ما لم تكن تقبله بالأمس، وهو أن يشاركها المسلمون في الحكم، وإن استدعى الأمر فهي مستعدة لإيصال الإسلام الذي تريد إلى الحكم قبل أن يسحب البساط من تحت رجليها ويأتي الإسلام الذي يريده الله. وراحت تسمي من يعمل للتغيير بأسماء شتى فتارة بالإرهابيين، وتارة بالمتطرفين، وتارة بالمتشددين، وتارة بالأصوليين… وتحاول أن تظهر أن التطرف والأصولية هي سمة عامة في هذا العصر، موجودة عند كل الشعوب، حتى لا تلتف الأنظار، بحسب ظنها، إلى التركيز على عودة الإسلام الصحيح بشكل خاص. وراحت تسمي من يعمل من خلالها بالمعتدلين، المتنورين، المنفتحين، الذين يعلمون من خلال أنظمتها وقوانينها، والذين يمارسون لعبة الديمقراطية وبعد التعهد بأن لا يعملوا على قلب الأنظمة القائمة. كل ذلك أملاً في إطالة عمرهم في الحكم وعمر أسيادهم في الاستعمار وحتى لا تطالها يد التغيير. وراحت تضرب من سمتهم بالأصوليين وتعتقلهم، وتشوه صورتهم. وراحت تهيئ الخطط لنقل المعركة بين المسلمين أنفسهم ليصدموا ببعضهم. وراحت تعدّ الأقلام المأجورة التي يقوم أصحابها، أصحابُ الشهرة المصطنعة، بتفنيد هذه الظاهرة، ظاهرة الأصولية ونقدها وتجريحها، وراحت. وراحت… .

ولكن المسلمين، والحمد لله، أظهروا وعياً لا بأس به، وتوجهاً ماضياً ضد الأوضاع السياسية التي راحوا يعتبروها أصل كل بلاد وجماع كل شر. فلم يلتفتوا ولم ينحرفوا عن هذه الرؤية لذلك بقيت أوضاع الأنظمة في حالة قلق وانتقال من خط دفاع إلى خط دفاع آخر. وبدأ الجميع يلمسون حالة التغيير هذه والتي أصبحت حالة عامة في المنطقة وعند كل المسلمين.

إن المنطقة كالعِقد، إذا انفرطت منه دولة واحدة انفرط عِقد الدول كلها. وإن حالة الوعي الجماهيرية هذه تجعل عملية التغيير آتية بلا ريب وذلك بفضل الله تعالى. ولن ينفع معها كيد ولا مكر. ذلك أن نفوس المسلمين تلتهب كالنار من شدة الأوضاع وقساوتها. وأنها تزداد تأججاً يوماً بعد يوم. فلا بد أن ينتشر لهيب انقلابها على هذه الأوضاع المزرية البعيدة عن الله كل البعد انتشاراً لا يعترف بحدود ولا أنظمة، ولن ينفع معها تدخل دول الغرب الكافر الذي بدت سوأته وبان عواره. وإن الأحداث التي تصب في مصلحة التغيير تتلاحق مسرعة. فبالأمس جاءت أميركا إلى المنطقة للمحافظة على مصالحها فداست على كرامات المسلمين وراحت تضرب بقسوة بالغة لتنال من إرادة الأمة. ولكن الجواب جاءها بعد عام واحد من الجزائر حيث قام المسلمون هناك يعبرون عن لسان حال الأمة جميعاً. فضاعت هيبة الغرب وعلى رأسه أميركا ولم ينفعهم إلقاء ملايين الأطنان من المتفجرات التي ألقتها على رؤوس المسلمين… .

ومع هذا نرى بعض المسلمين يسيرون بعكس التيار. فقد شمروا عن سواعدهم للتعامل مع هذه الأنظمة، الظالمة، السوداء، المترنحة، الآيلة إلى السقوط، بحجة العمل عن طريق التدرج للوصول. ألم يعلم هؤلاء أن الموضوع ليس وصولهم وإنما هو وصول الإسلام النقي الصافي. فهل يريد هؤلاء السقوط مع هذه الأنظمة أم الصعود في مراتب رضي الله سبحانه!

إن المطلوب من المسلمين اليوم، وخاصة هؤلاء الذين يمدون أيديهم إلى الأنظمة أن يعوا الواقع، وأن يعرضوا الدعوة نقية صافية. خاصة وأن النفوس أصبحت مهيأة للتغيير. وليعلموا أن أية مسايرة أو مهادنة ستمد في عمر الأنظمة التي يجب خلعها اليوم قبل الغد.

هذه هي طبيعة الإسلام، وهذه هي طبيعة الأمور وعلينا أن لا نعدّل فيها ولا نبدل بأي حال من الأحوال. يقول تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ)، ويقول تعالى: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا).

(يتبع)

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *