العدد 67 - السنة السادسة، جمادى الأولى 1413هـ، تشرين الثاني 1992م

«الحواجز البحرية»

د. كارم السيد غنيم

حينما يكون الإنسان على متن الطارئة وينظر إلى الأسفل فوق مصبّات الأنهار وفتحات الخلجان يرى منظراً عجيباً، إنه يرى امتداد مصب النهر أو الخليج في شكل لسان ممتد في مياه البحر أو المحيط، قد يطول ليبلغ عشرات أو مئات الأمتار… وتبدو أطراف اللسان وكأنها حاجز بين البحرين، الخليج والمحيط، أو النهر والبحر….

ويتغير وضوح هذا الحاجز تبعاً للمكان وللزمان، فهو واضح بين ماء النهر وماء البحر أكثر من وضوحه بين مائي بحرين. وكذلك فهو واضح إذا كان البحر هادئاً، فإذا اضطرب وارتفعت أمواجه فإن وضح هذا الحاجز يقل، وتصعب رؤيته. أما مكان الحاجز وشكله، فإنهما يتوقفان على كمية وسرعة الماء المنصبة في البحر أو الخارجة من الخليج، فإذا زادت كمية الماء وارتفعت سرعته بعد الحاجز عن منطقة المصب وأصبح شكله دائرياً، وأما إذا قلت كمية الماء وانخفضت سرعته، فإن هذا الحاجز يقترب من منطقة المصب ويقل انحناء سطحه…

توصل العمل الحديث، بعد الملاحظات والدراسات، إلى أن تدفق مياه الأنهار أو الخلجان في البحار يتم عبر فتحة الخليج أو نقطة المصب، فتدخل مياه الخليج أو النهر إلى البحر وتصنع في مائهن كما تصنع الطائرات النفاثة في الهواء الجوي، خطاً من الدخان، ولكنه ي الماء يكون خطاً أو شريطاً من المياه. وكما أنه في الطائرة النفاثة يكون خط العادم المندفع خلفها متميزاً عن الهواء المحيط به، ومرئياً بوضوح، فإن تيار الماء النهري المتدفق من مصب النهر أو ماء الخليج الذي يدخل البحر (أو المحيط) يكون على الهيئة التي يظهر بها عادم النفاثة، وهذا مثال لتقريب فهم اختلاط الماءين مع عدم امتزاجهما.

كما توصلت البحوث الحديثة أيضاً إلى أن عذوبة ماء النهر المتدفق عند مصبه في البحر تقل كلما ابتعد التيار المتدفق عن نقطة المصب، يعني تزداد ملوحته حتى تساوي ملوحة ماء البحر في النهاية، وعلى العكس من ذلك، فإن ماء الخليج (وهو أكثر ملوحة من ماء البحر أو المحيط) يتدفق من فتحته مع البحر بتيار تقل ملوحته تدريجياً حتى تتساوى مع ملوحة البحر أو المحيط في النهاية.

وعندما تقل سرعة تدفق ماء النهر في ماء البحر (عن قيمة حرجة) فإن جزءً من ماء النهر (الأقل كثافة) يطفو على سطح البحر، ويختلط الجزء الآخر بماء البحر في منطقة المصب. ويحدث العكس في حالة تدفق ماء الخليج (الأكثر كثافة وملوحة) في ماء المحيط (الأقل ملوحة). يعني هذا أن ماء الخليج أثقل من ماء المحيط، لذلك يرسب جزء من التيار المائي المتدفق منه إلى الأسفل حتى يقترب من القاع، بينما يختلط الجزء الآخر بماء المحيط.

ومن الملاحظ أن تيار الماء المتدفق من مصب النهر في البحر، أو من فتحة الخليج مع البحر أو المحيط، يزيح الصخور التي تعترض طريقه، ويقذف بها بعيداً عن منطقة المصب والاختلاط. وبذلك تكون منطقة المصب أو الاختلاط ذات خصائص مختلفة عن غيرها من المناطق، سواء في لون الماء أو نوعيات الكائنات الحية (كالطحالب والنباتات المائية مثلاً) التي تنمو فيها… والناظر في هذه المنطقة يرى وكأن «برزخاً» يحيط بها ويفصلها عما عداها من مناطق البحر أو النهر. فقاع البحر في هذه المنطقة تكسوه عادة رمال أو طمي باختلاف قاع البحر في المناطق القريبة الأخرى التي قد تكسوها الصخور أو الطحالب.

ولتفصيل بعض جوانب الموضوع تشير الدراسات الحديثة في علوم البحار إلى أن منحدر الكثافة في أي وسط مائي يمثل «حاجزاً أو مستقراً» أمام عملية مزج المياه التي تعلوه بالمياه التي توجد أسفل منه. وتبدو علاقة ذلك بالجاذبية الأرضية علاقة مستقرة أيضاً، لأن طاقة هائلة لا بدّ من بذلها لتحريك كتلة مائية من الأعلى إلى الأسفل أو بالعكس. وثبت أن هذا الحاجز المستقر موجود فعلاً بين طبقات المياه التي تتباين صفاتها الطبيعية والكيميائية كلما ازدادت في العمق… وتختلف هذه الطبقات في درجات حرارتها، ونسب الأملاح الذائبة فيها، وبالتالي تتباين كثافاتها وتختلف درجات حموضتها وتركيز الأكسجين فيها… وكل هذا يعد من الأسباب التي تجعل صفاتها الفيزيائية والكيميائية مختلفة عن بعضها. ويستمر هذا «الحاجز» أو «البرزخ»يفصل بين هذه الطبقات (أو الأنواع) المختلفة من المياه رأسياً وأفقياً، ويتم هذا بوجود مياه ذات صفات وسيطة تفصل بين كل نوعين متجاورين من المياه دون أن تسمح لهما بالامتزاج التام.

وبعد هذه المعلومات في علوم البحار، نتجه إلى القرآن الكريم لنقرأ فيه آيات تشير بوضوح وجلاء إلى كل ما توصلت إليه البحوث والدراسات الحديثة في الموضوع، ولسوف نورد بعض هذه النصوص القرآنية ونعقب على كل منها تعقيباً موجزاً.

  • (مَرَجَ البحرين يلتقيان @بينهما بَرْزَخٌ لا يبغيان) (سورة الرحمن 19 و20).

  • (وهو الذي مَرَجَ البحرين هذا عَذْبٌ فُراتٌ وهذا مِلْحٌ أُجاج وجعل بينهما برزخاً وحِجْراً مَحجوراً)

ورد في كلا النصين القرآنيين فعل «مرج»، وهو يعني الاختلاط بغير امتزاج تام، فإذا اختلط شخص وسط مجموعة من الناس، فهو اختلط معهم ولم يمتزج بهم أو يذوب في أجسادهم ومن هنا جاء التعبير عن المراعي أحياناً بلفظ «المروج»، يعني الأماكن النباتية الخضراء التي ترعى فيها الدواب وتختلط مع بعضها ولكنها في آخر النهار تنفصل ويذهب كل مع صاحبه.

كما ورد في كلا النصين أيضاً لفظة «البحرين»، مثنى ومفردهما «بحر». والبحر في اللغة العربية اسم يطلق على كل من البحر المعروف وكذلك النهر، ورغم اختلاف كثافتيهما ودرجتي ملوحتيهما.

وتعني الآية (19) في النص الأول أن الله سبحانه شاءت إرادته أن تختلط مياه البحرين وتتجاور وتتماسّ سطوحهما دون أن يمتزجا امتزاجاً كاملاً، وذلك لوجود الشيء الذي ذكرته الآية (20) في نفس النص، وهو «البرزخ». فالبرزخ هو الحاجز الفاصل بين الماء والماء، أي بين ماء النهر وماء البحر، أو ماء البحر وماء البحر الآخر. وهناك من معاني «البرزخ» في اللغة العربية ذلك الفاصل بين الموت والبعث بعدهن فالبرزخ هو الحاجز الذي يمنع عودة الميت إلى الحياة، ويظل هكذا حتى تشاء إرادة الله بحدوث بعث الناس جميعاً إيذاناً بيوم القيامة وكذلك فإن وجود «برزخ» بين أنواع المياه يمنع عودة ماء النهر إلى النهر مرة أخرى بعد نزوله في منطقة المصب.

وفي آخر النص الثاني نقرأ وجود «حِجْر مَحْجور» بين كتل الماء أو بين أنواعها، ويفهم من هذا وجود حاجز حجري عند مصاب الأنهار بالذات، لأن سرعة تدفق ماء النهر في البحر أكثر بكثير من سرعة تدفق ماء الخليج فيه… ثم إن عمق الماء عند باب الخليج يكون أكثر من عمق الماء عند مصب النهر، ومن ثم لا نرى الحاجز الحجري الذي يكون واضحاً في حالة مصب النهر. ومن هنا إن «الحِجْرَ المحجور» ذكره الله في الآية التي ذكر فيها البحر العذب (يعني النهر) والبحر المِلْحَ (وهو أي بحر معروف بملوحته).

بقي لنا في ختام هذا الموضوع أن نضرب أمثلة لهذه الظاهرة البحرية، ففي الخليج العربي تندفع الأنهار الجوفية العذبة قرب دولة البحرين ودولة قطر في مياه الخليج الملحة دون أن يختلط أحدهما بالآخر… وعند ملتقى نهرَي الكنج والجامونا في مدينة (الله أباد) يتحد ماء النهرين مع بقاء غشاء التمدد السطحي فاصلاً بينهما طوال مسيرتيهما… وكذلك عند تدفق مياه نهر النيل في البحر المتوسط، يبدو خط من الماء الحول ويشق طريقه بوضوح وسط مياه البحر المالحة دون أن يختلط بها…

وهكذا يبدو واضحاً مدى الإعجاز الذي تحتويه هاتان الآيتان القرآنيتان، إعجاز علمي جاءتا به قبل 14 قرناً من الزمان، ولم يتوصل العلماء إلى معرفة جوانبه ـ أو بعض جوانبه ـ إلا في عشرات السنين القليلة الماضية. وكما نقول دائماً، إن هذا لدليل واضح كل صاحب عقل حر وفكر محايد دون ضاغط أو هاجس يفسد عليه نقاء التفكير، يقتنع بما لا يدع مجالاً للشك في أن القرآن الكريم كلام الله الذي نزل على خاتم رسله وهو محمد صلى الله عليه وسلم، الذي عاش في بيئة صحراوية لا علاقة لها بالسواحل أو حياة البحار، فيكون ما جاء به هو من عند الله وليس من وضعه أو تأليفه، إن هو الوحي الذي نزل عليه وأُمِر بإبلاغه للناس، وقد بلّغه صلى الله عليه وآله وسلم وأمرنا بإبلاغة لكافة شعوب العالم.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *