العدد 66 - السنة السادسة، ربيع الثاني 1413هـ، تشرين الأول 1992م

«السحب والأمطار»

الله سبحانه لم ينزل القرآن الكريم ليدل الناس على العلوم التجريبية التي يستطيع الناس التوصل إليها عن طريق التجارب العملية كالفيزياء والكيمياء والطب والزراعة والصناعة… الخ بل أنزله ليكون المرشد للناس في عقيدتهم وعبادتهم وخُلُقهم ومعاملتهم وطعامهم ولباسهم. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن تأبير النخل: «أنتم أدرى بشؤون دنياكم».

ومع ذلك فإن ما تطرّق إليه القرآن الكريم في شأن العلوم على اختلاف أنواعها فيه من الاشارات والدلالات ما تقف العقول أمامه خاضعة مستسلمة ومقرة أنه من لدن حكيم عليم.

وفيما يلي مقال لفضيلة الدكتور كارم السيد غنيم في هذا الشأن خص به “الوعي”.

الحديث عن السحُب والأمطار حديث طويل لا تكفيه المساحة المطلوبة هنا، وإنما يبسط في فصول بل وفي كتب خاصة به، ولهذا رأينا أن يكون كلامنا الآن في هذا الموضوع كلاماً مركزاً لكي نسلط به الضوء على أخطر الجوانب التي تهم القارئ.

السحب في الجوّ نوعان: سحب طبقية (أي بساطية) Stratford Clouds وسحب ركامية Cumulatiform Clouds وسحب بيضاء ممطرة Cumulonimbus فالأولى تنمو أفقياً وتمتد كالبساط، وأما الثانية فتنمو رأسياً وترتفع طبقاتها فوق بعضها حتى تصبح شامخة كالجبال. ويتكون السحاب عندما يبرد الهواء تحت درجة الندى (dew point)، فتقل قدرته على حمل بخار الماء، فيتحول هذا البخار إلى نقط ماء أو بلورات ثلج، حسب درجة الحرارة هناك.

والهواء الجوي يبرد بعدة طرق، فهو إمّا يبرد تبريداً ذاتياً بمجرد انتشاره وتقليل الضغط الواقع عليه، وذلك إذا صعد الهواء إلى أعالي الجو فيقل ضغطه وتنخفض درجة حرارته وتقل قدرته على حمل بخار الماء، فتتكون بعد ذلك السحابة. وقد تنخفض درجة حرارة الهواء بفعل الإشعاع الحراري أثناء الليل، فترى في الصباح الباكر ضباباً. وقد يبرد أيضاً بالمزج أي خلط هواء ساخن رطب بهواء بارد جاف، بحيث تكون درجة الخليط تحت نقطة الندى، فيتم التكاثف على هيئة ضباب.

السحب الطبقية (أي البساطية): عندما يتقابل تياران هوائيان متضادا الاتجاه ولهما درجتا حرارة مختلفتان، يتكثف بخار الماء وتتكون سحابة غالباً ما تكون على هيئة طبقة رقيقة يعلوها تيار الهواء الساخن، أما التيار البارد فأسفلها (ويسير التياران في اتجاهين متضادين).

السحب الركامية: هي أهم أنواع السحب، وهي المعبر عنها باللغة العربية بلفظي «الركام»، «العِهْن». تنشأ هذه السحب، بصعود تيارات هوائية إلى أعلى، فإذا كانت محملة ببخار الماء فإن الضغط الواقع عليه هناك يقل فيتمدد الهواء وتنخفض درجة حرارته، ويتكثف بخار الماء في شكل قطرات دقيقة. تتراكم كتل هذا السحاب فوق بعضها رأسياً عبر 15 ـ 20 كم، وهناك قد تكون درجة الحرارة 60 أو 70 درجة مئوية تحت الصفر، ولذلك يتكون (البَرَد) في أعالي السحب.

السحب البيضاء: وهي أعلى طبقة (أو طبقات) في النوع الركامي السابق ذكره، حيث تتكون على ارتفاعات قد تصل 20 كلم، فيكون البَرَد حينئذ على شكل بلورات جليدية صغيرة مصفوفاً مع بعضه على هيئة سحابة رقيقة ينفذ ضوء الشمس من خلالها دون أن تمتص منه إلا القليل.

السحب الممطرة: هي قليلة إذا قورنت بالسحب غير الممطرة في جو الأرض، وهي التي يعبَّر عنها بالفظ العرب (المُزْن)، وهي كثيفة قاتمة ليس لها شكل معين، حوافها مهلهلة، ينهمر منها المطر أو الثلج بشكل مستمر.

ولما كانت السحب الركامية هي أهم أنواع السحب (فمنها تتولد السحب البيضاء وأيضاً السحب الممطرة، وفيها يحدث البرق والرعد والصواعق وغير ذلك)، فإننا نخصها ببعض التفصيل على النحو التالي:

أثبتت التصوير الجوي للسحب أن هذا النوع الركامي يبدأ تكوينه بعدة خلايا (نُتَف)، بسيطة، تدفعها الرياح فتتجمع كل اثنتيْن أو أكثر مع بعضها، وتتراكم فوق بعضها ويرتفع تراكمها حتى تصل أحياناً (45000) قدم وبذلك تكون القمة باردة جداً، فيتكون فيها البَرَد، ولا يتكون الرد إلا في هذا النوع من السحب. تتألف السحابة من ثلاث طبقات هي: أ- المنطقة العليا: عبارة عن بلورات من الثلج الناصع البياض. ب- المنطقة الوسطى: خليط من نقط الماء فوق البرد وبلورات الثلج المتساقطة من أعلى بفعل الجاذبية الأرضية. جـ- المنطقة السفلى: نقط من الماء أو بلورات من الثلج على أهبة الاستعداد للسقوط إلى الأرض، لونها معتم غير منفذ للضوء.

نأتي الآن إلى بعض النصوص القرآنية (وليس كلها لضيق المساحة هنا) التي عالجت موضوع السُّحُب والمطر، ونذكر منها ما يلي:

  • (ألْم ترَ أنَّ اللهَ يُزْجي سَحاباً ثُمَّ يؤلّفُ بينهُ ثُمّ يجعله ركاماً، فترى الوَدْقَ يخرجُ منْ خِلالهِ، ويُنزّلُ مِنَ السماءِ منْ جبالٍ فيها منْ بردٍ فيصيبُ به مَنْ يشاءُ ويصْرِفهُ عمَّن يشاء، يكادُ سنا برقهِ يذْهب بالأبصار)(سورة النور 43).

  • (اللهُ الذي يرسلُ الرياحَ فيثيرُ سَحاباً فيبسُطُهُ في السماء كيفَ يشاءُ ويجعلُه كِسَفاً فترى الوَدْقَ يخرجُ منْ خلالِه، فإذا أصابَ به من يشاءُ مِن عبادِه إذا هم يستبشرون)(سورة الروم 48).

  • (أفرأيتمُ الماءَ الذي تشربون * أأنتمْ أنزلتموهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نحنُ المُنْزِلون* لوْ نشاءُ جعلناهُ أجاجاً فلولا تشكرون)  (سورة الواقعة 68 و69 و70).

  • (إنّ في خَلْق السماواتِ والأرضِ واختلافِ الليلِ والنهارِ والفُلْكِ التي تَجْري في البحر بما ينفعُ الناسَ وما أنزلَ اللهُ مِنَ السماءِ منْ ماءٍ فأحيا به الأرضَ بعدَ موتِها وبَثَّ فيها منْ كل دابةٍ وتصريفِ الرياحِ والسَّحابِ المُسَخَّرِ بين السماءِ والأرضِ لآياتٍ لقومٍ يعقلون)(سورة البقرة 164).

يوضح النص الأول أن الله سبحانه يسوق (أي يزجى) قِطَعَ السحاب برفق نحو بعضها ثم يتم التجاذب بينها (أي يؤلّف) نظراً لاختلاف شحناتها الكهربية. وهكذا فإن الفعل «يؤلف» يشير إلى التجاذب الكهربي بين السحب المختلفة الشحنة فيؤدي هذا إلى تكوين السحابة الركامية. وأما كيف تتراكم الشحنات المتشابهة مع بعضها في مكان واحد، فغير معروف على وجه الدقة حتى الآن، فقد تكون السحابة الركامية مثلاً موجبة الشحنة عند القمة، ثم سالبة الشحنة عند وسطها، ثم موجبة الشحنة عند قاعدتها، ثم تولد هذه الشحنة شحنة أخرى تأثيرية سالبة تحتها. وبذلك فإن الفعل «يؤلف» المذكور في الآية القرآنية يفيد التأليف بين السحاب ـ ضمن إفادته الأخرى ـ من حيث الشحنات الكهربائية، أي تجميع الشحنات المتشابهة والمختلفة داخل السحابة الركامية الواحدة.والجملة القرآنية (ثم يجعله ركاماً) تعني أن الله يهيئ الظروف لتراكم قطع السحب فوق بعضها، فتصبح (ركاماً)، ويشبه ذلك الجبال، ولذلك جاء في نفس الآية القرآنية قول الله:      (وينزّل من السماء من جبال فيها من برد) فالسحب الركامية ضخمة وعالية ومتراكبة أي متراكمة في أحجام الجبال.

ومعنى (فترى الودق يخرج من خلاله) أي المطر ذا القطرات الكبيرة الحجم تهبط من الفتوق التي تحدث بالتراكم من هذه الجبال، أي الجبال السحبية. وأما «البَرَد» الذي جاء ذكره في الجملة التالية (وينزل من السماء من جبال فيها من برد) فقد تكلمنا عن نشأته، والآن نعطي فكرة عن حجم حبيباته وآثاره المدمرة. يسقط البرد على شكل حبيبات ثلجية كروية، تتكون من طبقات شفافة ومعتمة، وتشبه البصلة، يصل وزن الواحدة (واحد وثلث) باوند ومحيطها 17 بوصة. وقد حدث أن سقط البرد في نبراسكافي يوليو سنة 1928، وسقط في كنساس في سبتمبر سنة 1970 وبلغ وزن حبة البرد حينذاك 1,67 باوند. وحبات البرد حين تسقط تسبب خسائر اقتصادية خطيرة أحياناً، فمثلاً تضررت الولايات المتحدة الأميركية في فترة من الفترات بما قيمته 300 مليون دولار بسبب سقوط البرد على المحاصيل والبلاد عامة.

وهكذا يتبين من هذه الجزئية الواردة في الآية القرآنية (وينزل من السماء من جبال فيها من بَرَد) كيف سبق القرآن العلم الحديث بإشارته إلى أن النوع الركامي هو الوحيد الذي منه «البَرَد»… ولعل ما هبط على فرنسا سنة 1788م من «برد» وكان يشغل 4 مليون متر مكعب ليدل دلالة واضحة على دقة اختيار القرآن الكريم لكلمة «من» قبل كلمة «برد»، فمن مكونات هذه السحب يكون البرد، ومن البَرَد تهبط كميات وليس كل البرَدَ الذي تحتويه السحب… وأوجه أخرى من أوجه الإعجاز العلمي الواردة في هذه الآية القرآنية.

والجزء الذي ورد في نفس الآية القرآنية بعد الجزء السابق مباشرة هو (يصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء) أي أن الله سبحانه يصيب بهذا البرد من يشاء ويبعده عن من يشاء، وبالتالي فتأثير البرد محلي وليس عالمياً، وحتى قد يكون في البلد الواحد حقلٌ يسقط عليه البرد وحقلٌ آخر لا يسقط عليه. والبرد لا يمكن أن يتنبأ العلم الحديث بموعد سقوطه بدقة تامة.

والجزء الأخير من الآية يتحدث عن (البرق)، وهو ينشأ كشرارة في الجو نتيجة التفريغ الكهربي السريع بين سحابتين مشحونتين مختلفتين، فإذا حدث هذا التفريغ بين سحابة وبين جسم موجود على سطح الأرض (كجبل أو شجرة مثلاً) سمى الناتج عن هذا التماس (صاعقة). وعند حدوث التفريغ الكهربي يرتفع فرق الجهد لدرجة تجعل الهواء موصلاً للكهرباء لأن ذراته قد تأيَّنت، فتمر الشرارة ويحدث البرق في زمن قليل قد لا يتعدى جزءاً من الثانية. ويصاحب (الرعد) (البرق)، وذلك لأن درجة حرارة شرارة البرق تصل إلى أكثر من 1000 درجة مئوية، فيسخن الهواء ويتمدد وتحدث الفرقعة المدوية. وإذا نظر الإنسان في وجه البرق الشديد الضياء فإنه لا بد وأن يصاب العمى المؤقت، لذلك قال الله في نفس الآية القرآنية (يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار).

والنص القرآني الثاني يشير إلى تكوين السحب البساطية، وكيف أنها (كِسَفاً) أي طبقة، رقيقة فوق طبقة رقيقة، أي كتلة أفقية تنمو دائماً أفقياً وليست رأسياً (كما هو الحال في السحب الركامية)، وأما النص الثالث فهو يشير إلى السحب الممطرة باللفظ (المُزْن)، وكيف أن الله أنزل الماء الصالح للشرب (للإنسان والحيوان والنبات) من هذه السحب الممطرة، وأنه قادرة على جعله مِلْحاً بدل أن يجعله عَذْباً فُراتاً.

ونصل في النهاية إلى النص القرآني الأخير، وهو نص كبير جامع شامل لعدة أمور كونية هامة، وفي آخر هذا النص تظهر الحكمة من إرادة الله وهي أن الله خلق وقدّر وأحكم شأن كل الظواهر والأشياء المذكورة لكي يتفكر الإنسان فيها ويتدبر عظمة الخالق. والآن نسير مع هذا النص سيراً سريعاً لنفهم المقصود من كل جزئية فيه:

(1) (إن في خلق السموات والأرض) أي في إبداعهما وإبداع الدقة والأحكام فيهما. والسموات والأرض هما الكون كله عموماً بما فيه من أجرام فلطية وليس المدلول اللفظي للكلمات فقط، وذكرهما يدل أيضاً على ما بينهما من مخلوقات. (2) (واختلاف الليل والنهار) أي حدوثهما وتعاقبهما وعدم تساوي مدّتهما يومياً. ويدل هذا ضمناً على دوران الأرض حول محورها أمام الشمس. ولا شك أن طول كل منهما يختلف في المكان الواحد من فصل إلى آخر، كما يختلف طول كل منهما في الفصل الواحد من فصل إلى آخر، كما يختلف طول كل منهما في الفصل الواحد حسب خط عرض المكان. (3) (والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس) وهذا فيه إنعام من الله على الإنسان، أن خلق لخدمته ظاهرة الطفو في الماء، ومنها البحر، ليركب الإنسان السفن ويتنقل من هنا وهناك ويدير حركة التجارة البرية وغير ذلك من شؤون الحياة. (4) (وما أنزل الله من السماء من ماء) هو المطر، والمطر هو المصدر الأساسي لماء الأرض، وهو ـ في الأحوال الطبيعية العادية ـ عذب فرات صالح للشرب. (5) (فأحيا به الأرض بعد موتها) وإحياء التربة هو إنباتها للنبات، فيظهر لها رونق وجمال ونضرة وتدب الحياة فيها وعليها. (6) (وبث فيها من كل دابة) فلفظة (بث) تعني فرق ونشر ووزع، والدابة هي كل ما يدب على الأرض، وأغلب ما يستعمل اللفظ في اللغة العربية يستعمل لحيوانات الركوب والإجمال… (7) (وتصريف الرياح) يعني توجيهها وتسييرها وتوزيعها بإرادة الله ومشيئته ـ وقد شرحنا ذلك في مواضع أخرى من الفصل الحالي ـ. (8) (والسحاب المسخّر بين السماء والأرض) أي السحب التي تسير وَفْقَ إرادة الله، فهي مسخرة في نشأتها وفي حركتها وفي وجهتها تبعاً لما يريد الله. فالسحاب لو بقى معلقاً في الهواء لكثر وتعاظمت أحجامه ومساحاته وحجب ضوء الشمس عن المخلوقات، وفي هذا ضرر شديد. كما أنه لو دام وتكاثر أيضاً لاستمر هطول الأمطار وغرقت الأرض، وفي هذا أيضاً ضرر بالمخلوقات شديد. ولكن الله يسوق الرياح فتحرك السحاب وتقوده إلى حيث يشاء وينزل منه المطر حيث يشاء ووقتما يريد.

ونهاية المطاف (لآياتٍ لقوم يعقلون) وهذه هي النهاية التي أرادها الله من إيراد كل هذه الأعمال والظواهر والانعامات التي أنعم بها على البشر، فهذه الآيات أو إبداع المصنوعات لم تكن موجودة من قبل ثم وجدت، وبذلك دلت على وجود الخالق الموثر وعلى كونه قادراً… وهذه الظواهر والأحدث وقعت على أحكم الوجوه وأقها فدلت بذلك على علم الصانع… وحدوثُها في وقت دون آخر وفي مكان دون آخر يدل على إرادة الصانع… وحدوثها في اتساق وانتظام دون ظهور الفساد يدل على وحدانية الصانع… وما يعقِل هذه الأمورَ إلا أناس تجردوا من الهوى والزيغ الفكري، وأعملوا عقولهم في تلك الأمور، وعند ئذ لا بد أن يوقنوا بالله واحداً وخالقاً وقديراً وعليماً وحكيماً، إنه الإله الذي خلق كل شيء في الوجود وهو قائم على أمور كل ما خلق… سبحانه وتعالى.

دكتور كارم السيد غنيم

أستاذ بكلية العلوم جامعة الأزهر

سكرتير عام جمعية الإعجاز العلمي للقرآن والسنة ـ مصر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *