العدد 66 - السنة السادسة، ربيع الثاني 1413هـ، تشرين الأول 1992م

نيكسون يكتب عن الإسلام والمسلمين

صدر حديثاً كتاب بعنوان «أميركا والفرصة التاريخية» للرئيس الأميركي السابق نيسكون، وقد ترجمه إلى العربية السفير السابق لإحدى الدول العربية الدكتور محمد زكريا اسماعيل وقد توزع الكتاب على سبعة فصول،وتركز الفصل الخامس على العالم الاسلامي، فقد جاء تحت عنوان «عالم الاسلام». وتبرز في هذا الفصل العقلية الأميركية التي تتحكم في العالم بشكل لا غموض فيه، وتبرز أيضاً طريقة تعامل ساسة أميركا مع العالم الاسلامي وكيف ينظرون إليه. وبدأت معالم الحقد والاستغلال والتلاعب بمصير الأمم واضحة برغم محاولات نيسكون إخفاءها وراء براقع الزيف والخداع، وبرزت أيضاً النظرة المتعالية تجاه المسلمين.

هذا الكتاب هو آخر ما صدر من كتب نيكسون ويحمل الرقم تسعة في إصداراته، وحينما تقرأ ما ورد فيه تشعر وكأنك تقرأ خطوطاً عريضة لسياسة أميركا الخارجية فيما يتعلق بالعالم الاسلامي، بل كأنت تقرأ برنامج عمل مُوجّه إلى  الأجهزة الأميركية السياسية والعسكرية والمخابراتية لتسير بحسبهز وها هي «الوعي» تنشر مقتطفات بالنص الحرفي من الكتاب لاطلاع قرائها على العقلية الاستعمارية القذرة التي تتحكم بالعالم هذه الأيام تحت اسم (النظام العالمي الجديد).

المسلمون في نظر عامة الأميركيين:

«يميل كثير من الأميركيين إلى تصور المسلمين على أنهم نمط واحد من الناس غير المتمدنين، غير النظيفين، المتوحشين، وغير العقلانيين، وعلى الغالب لا يلفت انتباهنا فيهم سوى أن بعض زعمائهم لهم الحظ السعيد في أنهم يحكمون أقاليم تحتوي في باطن أرضها على ثلثي الاحتياطات المؤكدة من النفط في العالم. ليس هنالك من شعب حتى ولا الصين الشعبية، له صورة سلبية في ضمير الأميركيين بالقدر الذي للعالم الإسلامي».

«إن بعض المراقبين ينبّهون إلى أن عالم الإسلام سوف يتحول إلى قوة جيوسياسية موحدة ومتعصبة وأنه بسكانه المتزايدي العدد وقوته المالية الكبيرة سوف يشكل تحدياً كبيراً، وأن الغرب سوف يضطر إلى عقد تحالف جديد مع موسكو لمواجهة عالم إسلامي خصم وعدواني. ويمضي أصحاب هذا الرأي فيقولون إن الإسلام والغرب نقيضان وأن المسلمين ينظرون إلى العالم على أنه معسكران لا يقبلان التصالح، دار الإسلام، ودار الحرب، وأن على قوى الإسلام أن تعمل لتحقق تفوقها على الآخرين. ويتنبأ أصحاب هذا الرأي بأن قوى الإسلام الأصولي الصاعدة سوف تنظم ثورة على امتداد العالم الإسلامي من إيران ودول أخرى، الأمر الذي يبرز الحاجة الملحة إلى سياسة احتواء شاملة يتفق عليها الغرب مع السوفيات».

الخصائص البارزة للعالم الإسلامي:

«هذا السيناريو الأسود لن يتحقق أبداً. إن العالم الإسلامي هو من الاتساع ومن التباين بحيث لا يمكن تصور انضوائه تحت قيادة واحدة. إن العديد من الناس يفترضون خطأ أن العالم الإسلامي يعني الشرق الأوسط. والواقع أن أكثر من 850 مليوناً من الناس ـ سدس سكان العالم ـ  يعيشون في سبعة وثلاثين بلداً من العالم الإسلامي. هذه الشعوب تنقسم إلى 190 مجموعة عرقية، وتتكلم مئات اللغات واللهجات وتتبع ثلاث طوائف دينية رئيسية: السنة، والشيعة، والشافعية(1)، وعشرات من الطوائف الأخرى الأقل شأناً. والعالم الإسلامي يغطي منطقة يبلغ طولها (10) آلاف ميل وتمتد من الغرب إلى يوغسلافيا ومن تركيا إلى باكستان ومن جمهوريات الاتحاد السوفياتي إلى إندونيسيا. ويزيد عدد المسلمين في الصين على عددهم في الجزيرة العربية، كما أن عددهم في إندونيسيا يزيد على عددهم في جميع بلاد الشرق الأوسط، والاتحاد السوفياتي سابقاً بملايين المسلمين الخمسين يعيشون يعيش فيه من المسلمين أكثر مما يعيش في أية دولة في الشرق الأوسط ما عدا تركيا. وإذا أخذنا بعين الاعتبار معدل الولادة الحالي فإنه سوف يكون في الاتحاد السوفياتي في القرن القادم من المسلمين أكثر مما فيه من الروس».

«هنالك عنصران مشتركان فقط في العالم الإسلامي: الدين الإسلامي، ومشاكل الاضطراب السياسي، والإسلام ليس ديناً فقط بل هو أيضاً الأساس لحضارة كبرى. ونحن نتحدث عن العالم الإسلامي ككيان واحد ليس لأن هنالك مركزاً سياسياً يوجه سياساته بل لأن الشعوب التي يتكون منها تتشارك في تيارات سياسية وثقافية مصدرها الحضارة الإسلامية. فالتحركات السياسية في مختلف بلاد العالم الإسلامي تجري وفقاً لإيقاع واحد بصرف النظر عن الفوارق بين هذه البلاد. هذه الوحدة في المعتقد وفي السياسة تغذي تضامناً غير متين ولكنه حقيقي: عندما يقع حدث خطير في جزء من العالم الإسلامي يُسمع له صدى أكيد في بقية الأجزاء».

«إن المناقشات في العالم الإسلامي جعلت منه مرجلاً للنزاع. ولو حاولنا وضع لائحة بهذه النزاعات لوجدنا أن المغرب ضد الجزائر، وليبيا ضد تشاد، والعالم العربي كله ضد إسرائيل والأردن ضد السعودية، والسعودية ضد دول الخليج الصغرى، والسعودية ضد اليمن، والعراق ضد سوريا، والعراق ضد الكويت السعودية، والعراق ضد إيران، ودول الخليج العربية ضد إيران، وباكستان ضد أفغانستان، والهند ضد باكستان وبنغلادش، وإندونيسيا ضد ماليزيا وغينية الجديدة. وبما أن العديد من البلاد هي تجمع اصطناعي لعدة شعوب أو مجموعات عرقية فإن النزاعات العرقية الداخلية الكامنة تغطي كل المنقطة. وهكذا فإن الكثير من دول العالم الإسلامي مرشحة لأن تكون لبنان في المستقبل».

«إن التيارات الديمغرافية والاقتصادية والسياسية في العالم الإسلامي تجعل تفجر النزاعات أمراً محتوماً. إن التفجّر السكاني العالمي يتمركز في العالم الإسلامي. فسكان بلاد الشرق الأوسط سوف يتضاعف عددهم عام (2010)، وفي الوقت نفسه سوف لا تنمو اقتصادات المنطقة بما يكفي لمنع هبوط مستوى المعيشة، وهكذا تتناقص قدرة الحكومات على درء المخاطر التي تهدد الاستقرار والسلم. وفي جهات عدة سوف تتضاءل الموارد الأساسية، كالماء مثلاً، مثيرة بذلك النزاعات وحتى الحروب للسيطرة على المتوفر منها. أما الحدود الوطنية التي اصطنع معظمها الاستعمار الأوروبي فهي محل اعترض متزايد سواء فيما بين الدول ذاتها أم من قبل الأقليات بداخل الدولة الواحدة. أما الأنظمة السياسية الهشة فمعظمها دكتاتوريات متسلطة أو ملكيات تقليدية تعتمد لبقائها في السلطة على احتكارها للقوة. والتحرر السياسي في هذه البلاد أدى في معظم الأحوال إلى التبعثر والتشظّي بدلاً من الديمقراطية».

«إن كل هذه النزاعات والمشاكل كشفت عن نفسها في أكثر المناطق تسلّحاً في العالم المتخلّف. ففي عام (1990) أنفقت بلاد العالم الإسلامي على التسلح ما يساوي 8% من ناتجها القومي، بينما أنفق العالم الغربي أقل من 5%، لقد أنفق العراق على التسلح أكثر من 8% من دخله القومي، وسورية 11% والعربية السعودية 17% ومصر 8% وباكستان 7%، والأخطر مما تقدم أن المنطقة أصبحت نقطة مركزية لانتشار أسلحة التدمير الشامل والصواريخ بعيدة المدى. إن بعض الدول مثل العراق وسورية وليبيا أصبحت قادرة على تصنيع الأسلحة الكيماوية. ومن بين كل خمس عشرة دولة في العالم النامي تسع منها جزء من العالم الإسلامي. وقطع كل من العراق وباكستان مسافة طويلة على طريق تصنيع الأسلحة النووية، كما أن الجزائر باشرت ببناء مشروع نووي. والمنطقتان الأكثر احتمالاً لتفجر نووي ـ إسرائيل ضد جيرانها العرب وباكستان ضد الهند ـ نجد أن واحداً من طرفي النزاع بلد من العالم الإسلامي».

«لقد زرت ثلاثة عشراً بلداً من اصل السبعة وثلاثين بلداً مسلماً خلال الثماني والثلاثين سنة الماضية: إندونيسيا، ماليزيا، باكستان، السودان، إيران، العربية السعودية، ليبيا، مصر، أفغانستان، المغرب، تونس، الأردن، سورية. زرت أيضاً من الجمهوريات السوفياتية المسلمة كازاخستان، وأوزبكستان، إن زعماء هذه البلاد وشعوبها فخورون بتراثهم، معظمهم قاوم الشيوعية بضراوة».

الحضارة الإسلامية:

«إن العديد من الأميركيين لا يعرفون أن العالم الإسلام له تراث غني، إنهم يتذكرون فقط أن المسلمين نشروا بسيوفهم الدين الإسلامي في آسيا وأفريقيا وحتى في أوروبا، وينظرون بفوقية إلى الحروب الدينية في المنطقة. إنهم يُغفلون واقع أن الإسلام لا ينادي بالإرهاب وأنه لم يمض أكثر من ثلاثة قرون على الحروب الدينية التي تورط فيها المسيحيون في أوروبا».

«عندما كانت أوروبا تتقهقر في العصور الوسطى كانت الحضارة الإسلامية تتمتع بعصرها الذهبي. لقد قدم العالم الإسلامي إسهاماً ضخماً في العلوم والطب والفلسفة. يقول: (ويل دورانت) في كتابه (عصر الإيمان): إن تقدماً أساسياً في جميع المجالات قد أنجز من قبل المسلمين في ذلك العصر. فابن سينا كان أكبر كاتب في الطب والرازي أكبر عالم طبيعة، والبيروني أكبر عالم جغرافيا، وابن الهيثم أكبر طبيب عيون وابن جابر أكبر عالم كيمياء، وابن رشد واحد من أكبر الفلاسفة. أما العلماء العرب فساعدوا في تطوير أسلوب البحث العلمي. وعندما أعلن (باكون) هذا الأسلوب في أوروبا خمسمائة سنة بعد ابن جابر كان مديناً بعلمه ذاك للعرب في أسبانيا الذين اقتبسوا المعرفة عن المسلمين في الشرق. وعندما أخذ كبار علماء النهضة الأوروبية يوسعون آفاق المعرفة العلمية إنما كانوا يفعلون ذلك أنهم كانوا يقفون على أكتاف عمالقة العالم الإسلامي».

«هذه الإنجازات تمثل ما كان عليه العالم الإسلامي في الماضي، وهي تشير أيضاً إلى ما يمكن أن يكون في المستقبل فيما لو توقفت فيه دورات الحرب والاضطراب السياسي. يجب علينا أن نتبنى سياسات من شأنها توجيه التطور التاريخي طويل الأمد للعالم الإسلامي في اتجاهات بناءة. وفي الوقت نفسه علينا أن نتصدى للمشاكل المستعجلة ـ مثل أمن الخليج والنزاع العربي الإسرائيلي ـ التي تهدد بإثارة المزيد من سفك الدماء. وما لم تنجح في مواجهة هذه التحديات فإن مهد الحضارة قد يصبح قبراً لها».

«إن العالم الإسلامي حضارة حيوية تفتش عن هويتها التاريخية ففي الخمسينات والستينات أفلت هذا العالم من قيود الاستعمار. وبعد ذلك جرّب الطرق الأيديولوجية المسدودة: عدم الانحياز، والوحدة العربية، والأصولية الرجعية. وفي التسعينات وما بعدها سوف تجدد هذه البلاد مسعاها لإيجاد مكان لها في العام. وتحتاج الولايات المتحدة إلى سياسة نشطة لتؤثر في هذا التطور بطرق بناءة».

«إن أكبر عقبة في طريق تطوير السياسة المناسبة كان الميل إلى جمع هذه البلاد كلها في فئة واحدة. وهنالك العديد من الأميركيين الذين تعبوا من تكرار الشعارات في الشوارع ضد الغرب من قبل المتعصبين حتى صاروا يميلون إلى اعتبار جميع الشعوب الإسلامية كأعداء لأميركا. إن الدين الإسلامي يشكل خيط توحيد يجمع سياسات هذه البلاد إلى بعضها البعض ولكنه لا يصنع منها كتلة واحدة متماسكة. إن سياسات كل بلد من العالم الإسلامي لا يفسرها الإسلام بقدر ما يفسرها كيف تفاعل الإسلام مع ثقافتها الوطنية وتقاليدها».

التيارات السياسية الرئيسية في العالم الإسلامي:

«إن الإسلام غير وحيد الاتجاه سياسياً. إن كل دين كبير قابل للعديد من التفاسير التي تؤيد العديد من المقاربات والاتجاهات السياسية، والإسلام قابل أيضاً لتفاسير عديدة وللتغيير بالتطور كما هو واضح من واقع أن شخصيات متباينة تماماً مثل الخميني وصدام حسين وأنور السادات وضياء الحق كانوا كلهم ينادون بالإسلام كسند لنظامهم».

«أن على صانعي السياسة الأميركيين الذين يعملون في العالم الإسلامي أن يعلموا أنهم إنما يعملون في منطقة تسودها النزاعات الأيدلوجية الشرسة والخصومات القومية. وحتى فيما بين الأصوليين تقوم تناقضات مذهبية حادة وأحياناً تقود إلى العنف. وفي لبنان الصغير كان الإرهابيون الأصوليون تجمعهم وحدة ضعيفة جداً، إذ كانت كل خلية في الواقع تختلف مع الخلايا الأخرى حول أمور مذهبية. على أننا يمكننا أن نوزع مختلف الحركات السياسية في العالم الإسلام في ثلاث تيارات فكرية رئيسية:

أ- الأصولية: نتذكر بألم الصور التي شاهدناها على شاشة التلفزيون: الرهائن الأميركيون وقد عصبت عيونهم يسيرون أمام سفارتنا في طهران، 241 من مشاة البحرية قتلوا بتفجير شاحنة ملغومة في مضاجعهم في بيروت، ووجوه الأميركيين التي بدت كالأشباح بعد خطفهم وأخذهم رهائن في جنوب لبنان. هذه الصور تلخص الهمجية السياسية للإسلاميين الأصوليين المتطرفين على الساحة العالمية. إنهم يتحركون بدافع من كراهية مطلقة للغرب وبتصميم على استعادة تفوق الحضارة الإسلامية عن طريق بعث الماضي. إنهم يعملون لفرض أحكام الشريعة، أي القانون القائم على القرآن الذي لا يعترف بفصل السياسة عن الدين. وبالرغم من أنهم يستلهمون الماضي كدليل لهم في المستقبل فإنهم غير محافظين بل ثوريون. وقبل أن يبنوا الجديد يريدون أن يهدموا القديم.

ب- الراديكالية: النظام الدكتاتوري وحكم الحزب الواحد، يقوم على الأيديولوجيات القومية بعضها مثل حكم القذافي.

جـ- الحداثة: إن هذا التيار هو الأهم، ولو أنه أقل ظهوراً بين التيارات السياسية الثلاثة. إنه يسعى لدمج بلاد العالم الإسلامي في العالم المعاصر اقتصادياً وسياسياً. والتسامح هو الطابع الذي يميز هذا التيار فلا يدين الشعوب الغربية على أنها غير مؤمنة بل يعتبرها من أهل الكتاب. وهنالك بعض الدول الإسلامية العصرية مثل تركيا وباكستان تنتهج النظام الديمقراطي. ودول أخرى مثل مصر وإندونيسيا تعتبر مجتمعاً مفتوحاً ولكنها لا ترقى إلى مستوى المنهج الديمقراطي الغربي. وفي هذا التيار يعتبر صندوق الاقتراع مصدراً للمشروعية السياسية».

«يجب علينا أن لا نساوي بين أعمال المتطرفين الإسلاميين وبين العقيدة الإسلامية. أن للأصوليين المتطرفين وجوداً ظاهرياً عريضاً ولكن التجاوب الشعبي معهم في الانتخابات ضئيل وبالرغم من أن أعدادهم قد اتسعت في الأردن والمغرب وتونس وماليزيا وباكستان والجزائر في السنوات الأخيرة فإنهم لم يتسلموا السلطة إلا في إيران حيث ساءت سمعتهم بسبب ما قاموا به خلال عقد من القتل والمذابح الحمقاء في الحرب الإيرانية العراقية. إن الأصوليين قادرون على تسيير المظاهرات الكبيرة في العالم الإسلامي ولكنهم لا يستطيعون الوصول إلى السلطة عن طريق صندوق الاقتراع. إن شعوب العالم الإسلامي مرشحة للثورة، إنها شعوب فتيّة، أكثر من 60% منهم تحت سن الخامسة والعشرين».

«يجب علينا أن نؤيد العصريين في العالم الإسلامي، لمصلحتهم ولمصلحتنا. إنهم بحاجة إلى أن يقدموا إلى شعوبهم بديلاً إيجابياً للأصولية المتطرفة والدنيوية الراديكالية. إن رفض العائلة الملكية في الكويت تبني إصلاحات ديمقراطية حقيقة بعد تحررها من صدام حسين مَثَلٌ على فقدان الحساسية لدى العديد من الحكام المستبدين غير المنتخبين في العالم الإسلامي. ونحن عند ئذ نؤيد حاكماً صديقاً غير ديمقراطي علينا أن نفهمه بصراحة إنّا لا نؤيد نظام حكم لا يُعطي شعبه صوتاً في إدارة شؤونه».

جوهر السياسة الأميركية في العالم الإسلامي:

«علينا أن نحدد برنامجنا السياسي، علينا أن ندرك تماماً من هم خصومنا ومن هم أصدقاؤنا وبالرغم من أن هذا القول يبدو بديهياً فإن صانعي السياسة الأميركية كثيراً ما كانوا ينقضون هذا المبدأ الأساسي. إن صفقة مبادلة السلاح بالرهائن مع النظام الأصولي المتطرف في طهران وبيع الأسلحة بمليارات الدولارات إلى الزعماء الراديكاليين في العراق يشكلان مثلين حديثين لكيفية نظر الولايات المتحدة إلى أعدائها اللدودين بنظارات وردية».

«إن حجر الزاوية في السياسة الأميركية القائمة على الارتباط التمييزي، يجب أن يكون الالتزام بالتعاون الاستراتيجي مع الأنظمة العصرية فقط وحصر علاقاتنا مع الأنظمة الأصولية والراديكالية المتطرفة بالتعاون التكتيكي. بما أن قيمنا ومصالحنا تتناقض مع قيم ومصالح الأصوليين والراديكاليين المتطرفين فإن علاقتنا لهم يجب أن لا تتجاوز متطلبات الوقت الراهن، يجب أن نتعاون معهم عندما تمكنهم قوتهم من أن يكون لهم صوت ودور في القضية، ولا ينبغي لنا أن ندخل معهم في شراكة واسعة الأفق. يجب علينا أن لا نعزل عزلاً كاملاً الأصوليين والراديكاليين من خلال المقاطعة التجارية والسياسية المشابهة لها. وفي حين أنه لا يجب علينا أن نقاطعهم تماماً فإنه يجب علينا في الوقت نفسه أن لا نقوي دعائم حكمهم. علينا أن نتبنى سياسة صارمة من التعاون القائم على مبدأ: واحدة بواحدة وحالة فحالة».

«من أجل التأثير على التطور التاريخي للعالم الإسلامي ليس علينا أن نبني سياسة إسلامية كبرى تقضي بتطبيق سياسة واحدة تجاه جميع هذه البلاد. وبدلاً من ذلك علينا أن نحدد نقاط ارتكاز رئيسية لوجودنا، وهنالك أربعة بلدان إسلامية تبرز كشركاء منطقيين لنا في تطبيق هذا النهج:

أ- تركيا. ب- باكستان. جـ- مصر. د- إندونيسيا، إن ما تقدم لا يعني أننا يجب أن نهمل علاقاتنا مع أنظمة إسلامية عصرية أخرى وصديقة للغرب فالملك الحسن واحد من أكثر الحكام المسلمين تنويراً، اتخذ سياسات تقدمية في المغرب وعمل بتعاون متين مع الولايات المتحدة في أمور استراتيجية، والمملكة السعودية هي الأخرى أقامت علاقات هامة مع الغرب بالرغم من نظامها الداخلي الاستبدادي».

«إن سياسة المشاركة الانتقائية سوف لا تعطي ثمارها على الفور، ولكن في مدى جيل واحد سيكون للولايات المتحدة تأثير عميق على التطور التاريخي للعالم الإسلامي».

«إن ذكريات عصر الاستعمار في الكثير من بلاد العالم الإسلامي تجعل التأثير الغربي مسألة حساسة ولذلك فإن علاقتنا الخاصة بشركائنا يجب أن لا تأخذ طابع علاقة التابع والمتبوع وعلينا أن لا نتعامل مع الزعماء العصريين كحاملي رسالتنا بل كشركاء متساوين، ذلك أن أقصر الطرق للقضاء عليهم يكون في إعطاء الانطباع أنهم ليسوا أكثر من ناطقين بلسان الغرب».

«عندما زرت الفلبين عام 1953 أعربت عن قلقي لمضيفي حول خطاب لعضو بارز في مجلس الشيوخ هاجم فيه السياسة الخارجية الأميركية. وقد أكد لي مضيفي آنذاك أن الشيخ المعني كان صديقاً لأميركا، وعندما قلت له أن له طريقة غريبة في إظهار هذه الصداقة، فرد عليّ بقوله: (إنك لا تدرك السياسة في الفلبين، إن أحسن وصفة للنجاح هنا هي أن تنادي بذهاب الأميركيين إلى الجحيم وتدعو الله في سِرّك أن يبقوا في الفلبين). وبالرغم من اللهجة الخطابية في مناقشاتها الداخلية فإن الفلبين بقيت صديقاً هاماً للولايات المتحدة منذ أن حصلت على استقلالها عام 1946».

«يجب علينا أن نقبل واقع أنه في بعض الأحيان لا يخدم مصالحنا أن يؤيد أصدقاؤنا في العالم الإسلامي مواقفنا حول قضايا بالغة الحساسية سياسياً في بلادهم. فعندما قصفنا بالقنابل ليبيا عام 1986م انتقاماً لهجوم إرهابي على جنودنا شجب عملنا العديد من الزعماء في المنطقة في العلن ولكنهم رحّبوا في السرّ. إن علينا أن نتجاهل الأمر عندما تضطر الظروف أصدقاءنا إلى إعطاء مجرد التأييد اللفظي لخصومنا».

«إن الأهمية الحيوية لبناء علاقة خاصة مع العالم الإسلامي برزت بوضوح أثناء حرب الخليج. لقد شاركت في التحالف الذي قادته الولايات المتحدة جيوش من ست دول إسلامية بما في ذلك باكستان ومصر والمغرب وحتى العناصر المعتدلة من الحد الأدنى عسكرياً إلا أنه كانت له قيمة هامة جداً من الناحية السياسية».

النفط وإسرائيل في السياسة الأميركية:

«إن مصالحنا المباشرة في الشرق الأوسط ـ النفط وإسرائيل ـ ليست دائماً على توافق تام. فمن جهة كان التزامنا تجاه إسرائيل يكلفنا أحياناً ثمناً باهظاً بالنسبة لإمكانية حصولنا على نفط الخليج الفارسي بأسعار السوق الحرة كما أثبت حظر النفط العربي اثر حرب 1973. ومن جهة ثانية كان التزامنا بأمن السعودية ودول الخليج يعقّد أحياناً علاقاتنا بإسرائيل.

إن مصالحنا تتطلب حسابات جيوبوليتيكية صعبة. ذلك أنه علينا أن نضمن سلامة إسرائيل وفي الوقت نفسه العمل مع الدول العربية المعتدلة لضمان أمن الخليج الفارسي.

إن التزامنا بأمن إسرائيل التزام عميق نحن وإسرائيل لسنا حلفاء شكليين بل نحن مرتبطون ببعضنا بشيء أقوى بكثير من قصاصة الورق، إنه التزام أخلاقي.

إن التزامنا بإسرائيل تابع من ميراث الحرب العالمية الثانية ومن مصلحتنا الأخلاقية والأيديولوجية في تأمين البقاء للديمقراطيات في حالة القتال دفاعاً عن الذات، لذلك فإنه لا يمكن لأي رئيس أو كونجرس أميركي أن يسمح بالقضاء على دولة إسرائيل» انتهى c

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *