العدد 66 - السنة السادسة، ربيع الثاني 1413هـ، تشرين الأول 1992م

بارقة من أفق المدينة

للشاعر: يوسف إبراهيم

ألمجدُ أُغنيَةٌ على فمِ مُنشِدِ
.

والأرضُ مشرقةٌ بنور مُحمّدِ
.

والشمسُ خافضةُ الجبينِ مهابَةً
.

تفضي خشوعاً ي جلال المولِدِ
.

والقُبّةُ الزرقاءُ رُصِّع نحرُها
.

بنظامِ عِقدٍ كالجُمان منضَّدِ
.

وبطاحُ مكةَ تزدهي، فرمالها
.

من فضةٍ وصخورُها من عَسْجَدِ
.

أيُّ المشاعل في السماء تألّقْت
.

في جوف هذا الحالكِ المتلبِّد
.

أي الغمائم تحمل السُّقيا إلى
.

صحراءِ هذا العالَمِ الشاكي الصَّدي
.

أي البشائر تملأُ الدنيا، فما
.

في الكون غيرُ مُصفِّقٍ ومغرِّدِ
.

¯¯¯

وقفَ الزمانُ وقد ترجَلَ ركبُه
.

يستنبئُ التاريخَ عن صُحُف الغدِ
.

يا أيها التاريخُ ماذا تَلبَسُ الْـ
.

أيّامُ مِنْ حُلَلِ الفَخَارِ وترتدِي
.

ماذا من النبعِ العظيم تخط في
.

سِفرٍ على لوح الخلود مُخلَّدِ؟
.

ماذا تفجر من جوانب زمزم
.

من كوكب الفردوس عذب المَوْرِدِ؟
.

ماذا بأنحاءِ الجزيرةِ مِنْ صدى
.

هذا الأذانِ الصادحِ المتردّدِ؟
.

ماذا بمكة؟ قيل: فجرُ رسالةٍ
.

شمّاءَ قد لَطمتْ جبينَ الفرقدِ
.

ما عاد للشيطان فيها صولةٌ
.

وانهارَ باطنُ كيده المتمرّدِ
.

والجاهليةُ نُكِّستْ أوثانُها
.

واهتزَّ عابدُها أَمام المعبَدِ
.

وتوقّدَ المصباحُ في مِشكاتِه
.

والغارُ منتظرٌ كريمَ الموعِدِ
.

والوحيُ والروحُ الأمينُ يَزِفُّهُ الْـ
.

بُشْرى على قلب الأمينِ السيّدِ
.

والصبحُ أنّى سِرْتَ يزهو باسماً
.

جَذِلاً يُكحِّلُ كلَّ جَفْنَ أرمدِ
.

ونداءُ ربِ العرش يُحيي أنْفُسنا
.

موتى ويفتحُ كلَّ سمعٍ موصَدِ
.

والليلُ مُنهزِمُ الدُّجى يجتاحهُ
.

بزحوفة هذا الضياءُ السرمدي
.

¯¯¯

مالي أرى آفاقَ هذا النور قد
.

مُدّتْ لتكشفَ كلَّ داجٍ أَربدِ
.

وبطاحُ طَيْبَةَ ترقبُ المختارَ في
.

يومٍ على عرش الزمان مسوَّدِ
.

يومٌ يُطِلُّ به الأمين فشمسُهُ
.

بضيائها الهادي تروح وتغتدي
.

والنخلُ زاهي الطلْعِ، في سعفاته
.

طَرَبٌ وشوْقٌ، باسِمُ اللُّقْيانَدِي
.

والطيرُ بين مُرَفْرِفٍ ومُغَرّد
.

والروْضُ بين منوَّر وموَرَّدِ
.

وكتائبُ الأنصارِ صفاً واحداً
.

مُتعانقينَ، وكان غيرَ موحَّدِ
.

وَلّى بُعاثٌ واطمأنّ برَبْعِها
.

بالأمنِ كلُّ مروَّعٍ ومسهَّدِ
.

وأوى لظل الله كلُّ منغَّضٍ
.

هجرَ الشقاءَ، وثابَ كلُّ مشرَّدِ
.

ومُهاجرونَ إلى الجهاد تسابقوا
.

من كل فادٍ بالدماء ومُغْتَدي
.

ساحاتُ بدرٍ أشرقتْ بسيوفهمْ
.

بدمٍ تألقَ كالسراجِ الموقَدش
.

وترابُ أُحْدٍ ضَمَّ حمزةَ سيّدَ الـ
.

شُهداءِ لمّا نالَ أكرمَ مَشْهَدِ
.

ونسيبةٌ تغشى الوغى بمهندٍ
.

في الحرب ماضي الشفرتين مزرَّدِ
.

تحمي النبيَّ بصدرها وَبِحَدِّهِ
.

ضرباً وتَلْطِمُ كلَّ باغٍ معتدي
.

لما تَقَحَّمَ مُصعبٌ غمراتِها
.

خُضرَتْ يداه وعزمُه لم يُخضَدِ
.

ينقضُّ والسيفُ المجاهدُ في يدٍ
.

يُرْدي الفوارسَ واللواءُ على يدِ
.

يا للشهادةِ كم سما لمقامِها
.

مُتعجّلٌ، عن ركبها لم يَقْعُدِ
.

شوقاً رمى تَمَراته من كفّهِ
.

ومضى على الصهوات غيرَ موسَّدِ
.

كم من عَروسٍ غادرَ البيتَ الذي
.

ألفى به ذاتَ الوشاحِ الأغيدِ
.

ومضى لتغسله الملائكةُ التي
.

شهدتْ له في الخُلْدِ أرفعَ مقعدِ
.

وَفَمٍ خَبَتْ أنفاسُه ولهاتُه
.

ظمأى، وجرحٍ سالَ غيرَ مضمَّدِ
.

ليكون مِسْكاً والشهيد مُنَعَّمٌ
.

بعبيره المتضوِّعِ المتجدّدِ
.

وتتابعت أيامُها عِزّاً وما
.

فيهنَ غيرُ معظَّمٍ وممجَّدِ
.

فالفرسُ والرومانُ والظلمُ الذي
.

كادوهُ ديسَ بحافرٍ ومهنَّدِ
.

رهبانُ قيصرَ حُطمّتْ طلبانُهمْ
.

وانقادَ كلُّ مُعاندٍ ومعربدِ
.

والعرشُ والإيوانُ دُكَّ وأُخمدتْ
.

نارُ المجوسِ ومادَ صرحُ السَؤدَدِ
.

¯¯¯

يا جندَ خير المرسَلين وحزبَهُ
.

يا ذِروة الشرفِ الأعزِ الأَمْجَدِ
.

تَفْنى العصورُ ولم تزل عَزَماتكمْ
.

طوْداً رفيع الهام لم يتأوّدِ
.

يا من غرستمْ للشهادةِ جَنّةً
.

تُغني الوجودَ وكنزُها لم ينفَدِ
.

ورفعتمُ للسائرينَ منارةً
.

زهراءَ يُبصرُها الشريدُ فيهتدي
.

هلاّ أعرتمْ ليلَنا وَمْضاً مِنَ الـ
.

نورِ الذي أفقكمْ لم يُخْمَدِ
.

هلاّ بَعَثْتُمْ في العروق دماءَها
.

نَبْضاً فيسري في العظام الهُمَّدِ
.

هلاَ يعودُ النقْعُ من ميدانه
.

عِطْراً على سَنن الجهاد الأرشَدِ
.

هلاَ تعودَ اليقطةُ الكبرى أبيةً
.

لحسامنا الصّدِيءِ الذليل المغْمَدِ
.

ويثورُ غزمٌ مِنْ بطولةِ خالدٍ
.

في عزمنا الواهي الكليلِ المُقْعَدِ
.

¯¯¯

يا نفحةً مُدْنِيَّةَ البُشرى إلى
.

سعدٍ بأغلالِ الطغاة مصفَّدِ
.

طيري بأجنحةِ البُراق وأمطري
.

غيْثَ الإباء على قِباب المسجِدِ
.

مُدّي حبالَ العروة الوثقى إلى
.

هذا القطيع الخائر المستعبَدِ
.

يا صيحةَ الفاروقِ مَزّقَ صوتها
.

حُجُبَ الغيوبِ توقّدي وتردّدي
.

ليفوزَ ساريةٌ وينجوَ جيشُه
.

مِمّا أعدَّ له العدوُّ بمرصدِ
.

صَدَقوا فأَذْعَنَ كلُّ صعبٍ جامحٍ
.

طوعاً وذُلل كلُّ صخرٍ جلمدِ
.

للنصر عُبّدَ بالجهاد سبيلُهمْ
.

وسبيلنا للنصر غيرُ معبَّدِ
.

يا عصرَنا الذهبيّ أين حُماتهُ
.

من كلِّ حُرٍّ باسلٍ أو مُنْجِدِ
.

عصرٌ يجدِّدُ للعصورِ شبابَها
.

في كل قلبٍ ماثلٌ لم يُفقَدِ
.

يا أيها الأقصى أما في الأفق من
.

رَشَدٍ أما في الأرض من مسترشدِ؟
.

فغداً سينطلقُ الأذانُ، وأُمّتي
.

ستعودُ بعد هزيمةٍ وتَشرُّدِ
.

وتَرِفُّ أجنحةُ البُراقِ بأُفْقِهِ
.

ويُطِلُّ بالبشرى جبينُ محمّدِ r
.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *