العدد 66 - السنة السادسة، ربيع الثاني 1413هـ، تشرين الأول 1992م

الإسلام يفرض على مسلمي العالم القتال إلى جانب اخوانهم وليس المساعدة بالمال فقط

(وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان)

أيها المسلمون:

مأساة المسلمين في البوسنة ـ الهرسك تزداد فظاعة وسوءاً يوماً بعد يوم، وفي كل يوم جديد تتكشف الأخبار عن مدى فظاعة الصرب ووحشيتهم ضد مسلمي البوسنة ـ الهرسك، وفظاعة ما يقومون به من تقتيل، وتدمير، وتهجير، وهتك للأعراض. قد قتلوا من المسلمين عشرات الآلاف، وآخر أخبار فظائعهم وقتلهم لمائتي مسلم من الذين كانوا معتقلين عندهم، قطعوا رؤوسهم، ورموا جثثهم في مياه النهر. وكذلك هتكهم لأعراض المسلمات حتى البنات الصغيرات منهن، زيادة في النكاية بالمسلمين، وقد جمعوا أعداداً كثيرة من بنات المسلمين ونسائهم، ووضعوهن تحت تصرف المقاتلين من الصرب لهتك أعراضهن، ودوام الزنا بهن، وقضاء شهواتهم منهن. كما أنهم استولوا على 70% من أراضي البوسنة وطردوا المسلمين منها مع أن الصرب يبلغ عددهم في البوسنة 30% والمسلمون أكثر من 50% بينما الكروات 17% وقد حازوا ما يقارب الـ 20% من أرض البوسنة ولم يبق للمسلمين إلا 10 من الأرض تقريباً.

وكل هذا يحصل على مرأى ومسمع من دول العالم الكافر أميركا وأوروبا، وعلى مرأى ومسمع من المسلمين وحكامهم في البلاد العربية والإسلامية دون أن يحركوا ساكناً لإيقاف هذه المجزرة الرهيبة، والوحشية الفظيعة، تاركين الصرب في اعتدائهم ووحشيتهم ليجهزوا على مسلمي البوسنة حتى لا تقوم دولة للمسلمين في أوروبا، لأن اسم الإسلام والمسلمين صار الفزاعة التي ترعب الكفار في الدول الغربية. وقد استبدلته أميركا بفزاعة الشيوعية، بعد أن تفكك الاتحاد السوفياتي، وقضي على الحكم الشيوعي.

وكأن حقوق الإنسان التي تتغنى بها أميركا دجلاً، والتي اتخذتها ذريعة كاذبة لفرض هيمنتها على منطقة الخليج وغيرها، ولتدمير العراق لا تنطبق على مسلمي البوسنة، وكأن يما يقوم به الصرب الكفار المجرمون من تقتيل وتدمير وتهجير وهتك أعراض للمسلمين لا تشمله أكذوبة حقوق الإنسان. لأن استمرار حرب يوغسلافيا بين الصرب والمسلمين في البوسنة سيبقى مُربكاً للدول الأوروبية، وعاملاً مؤثراً لانتقال الصراعات العرقية والمذهبية والدينية إلى دول أوروبا نفسها، حتى تبقى أوروبا منشغلة بنفسها ومشاكلها، وحتى تبقى هذه الحرب عاملاً في زعزعة استقرارها، وعدم تحقيق وحدتها، ويقاد نار الخلافات بينها حتى لا تتفرغ لتناطح أميركا وتزاحمها لتشاركها في رسم السياسة الدولية، ولتنهي تفردها في الموقف الدولي، وفي رسم السياسة الدولية.

ودول أوروبا الكافرة ساكتون سكوتاً تآمرياً على ما يقوم به الصرب الكفار من فظائع وحشية ضد مسلمي البوسنة، لأنهم لا يطيقون أن توجد للمسلمين دولة في أوروبا ولو كانت علمانية لئلا تتحول إلى خطر عليهم، باعتبار أنهم من المسلمين، وباعتبار أن الإسلام أصبح محركاً سياسياً قوياً للمسلمين لإعادة دولة الخلافة، وإعادة الإسلام إلى الدولة والحكم والمجتمع، وللقضاء على الحضارة الغربية، وعلى كل نفوذ للغرب في أي بلد من بلدان المسلمين. ولذلك عندما ذهب ميتران إلى البوسنة حذر المسلمين فيها من إقامة «جمهورية إسلامية» حسب تعبيرهم وبيّن لهم أن فرنسا ودول أوروبا لن تسمح لهم بإقامة «جمهورية إسلامية». لذلك فإن دول الغرب الكفار تعتبر أن الصرب بمثابة مخلب قط لهم في ضرب مسلمي البوسنة، للحيلولة دون إقامة جمهورية إسلامية فيها. والصرب يعلنون بكل صراحة أنهم يقاتلون مسلمي البوسنة حتى يدفعوا خطر الإسلام عن أوروبا، وأنهم يقاتلون دفاعاً عن أوروبا ضد الإسلام والمسلمين. والله سبحانه وتعالى يقول: (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردّوكم عن دينكم أن استطاعوا) ويقول: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم).

وواقع ما هو حاصل في البوسنة ـ الهرسك هذه الأيام كواقع ما حصل في الأندلس لما تكالبت وتآمرت دول الكفر لطرد المسلمين منها، وكواقع تكالبهم وتآمرهم لإقامة كيان لليهود في فلسطين ليكون موقعاً متقدماً لهم وخنجراً في قلب بلاد المسلمين حتى يبقى نفوذهم مهيمناً عليها، وحتى يحولوا دون عودة الخلافة، ودون توحدها في دولة واحدة تقضي على هيمنتهم ونفوذهم فيها، وحتى لا تعود إلى مطاردتهم إلى عقر دارهم كما حصل بعد هزيمتهم في الحروب الصليبية حاملة إليهم الإسلام لتقضي على حضارتهم ولتخضعهم لحكم الإسلام وإن لم يسلموا، كما حصل أيام الخلافة العثمانية التي استمرت في إخضاعهم لحكم الإسلام قرابة خمسمائة عام.

لذلك فالخطب جلل، والأمر فظيع. وهذا يوجب على المسلمين أن يهبّوا لنصرة مسلمي البوسنة ومساعدتهم بالسلاح والرجال والعتاد والمال والمؤن لإنقاذهم من وحشية الصرب، ودفعهم عنهم، ومن تآمر دول الكفر عليهم. فالمسلمون جميعاً أمة واحدة، وكرجل واحد كما روى مسلم في صحيحه عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون كرجل واحد إذا اشتكى عينه اشتكى كله، وإن اشتكى رأسه اشتكى كله» كما روى مسلم عن سالم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه» وفي رواية أخرى عن أبي هريرة «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله» والخذلان هو ترك الإعانة والنصرة ومعناه إذا استعان به في دفع ظالم ونحوه لزمه إعانته ونصرته. كما أنه لا يجوز أن يسلمه لأعدائه الكفار.

لذلك فإن الحكم الشرعي يوجب على المسلمين جميعاً نصرة مسلمي البوسنة وإعانتهم، وتخليصهم، ودفع الصرب عنهم، وإعادة مدنهم وقراهم إليهم وطرد الصرب منها. والله سبحانه وتعالى يقول: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) ويقول: (وقاتلوا الذين يقاتلونكم) ويقول: (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان) فقعود المسلمين عن نصرة مسلمي البوسنة إثم كبير، وسكوتهم عن تقاعس حكامهم عن نصرة مسلمي البوسنة إثم كبير أيضاً زيادة عن سكوتهم على تطبيقهم لأنظمة الكفر عليهم. لذلك يجب عليهم أن يضغطوا على هؤلاء الحكام ليرغموهم على القيام بنصرة مسلمي البوسنة، وتخليصهم من محنتهم، ورد كيد الصرب والكفار الذين يتآمرون معهم ضد المسلمين إلى نحورهم. وفقهاءُ المسلمين من السلف الصالح يعتبرون أن اعتداء الكفار على أي بلد من بلاد المسلمين، أو على المسلمين أو على أعراضهم، أو خشيتهم من استئصال الكفار لقطر من أقطار المسلمين يوجب على المسلمين التصدي لهؤلاء الكفار، ودفع عدوانهم، وهذا واجب على المسلمين جميعاً، الأقرب فالأقرب حتى لو لم يندفع الأعداء الكفار إلا بجميع المسلمين صار دفع الكفار واجباً عليهم جميعاً.

فأين أنتم أيها المسلمون من هذا الواجب، وأين حكام المسلمين من القيام بهذا الواجب. أين تركيا وهي دولة لها علاقات وارتباطات تاريخية بالبوسنة ومسلميها، أم أنها تكتفي بقتل الأكراد عن مقاتلة الصرب، أم تكتفي بأن تكون قاعدة لطائرات أميركا وبريطانيا وفرنسا لضرب بلاد المسلمين وفرض هيمنة أميركا على بلادهم بدل أن ترسل طائراتها لضرب الصرب المعتدين؟!!!! وأين حكومة إيران التي تسمي نفسها «جمهورية إسلامية» أم أنها اكتفت بإثارة حماية الجزر التي احتلها الشاه في الخليج عن حماية ونصرة مسلمي البوسنة، لتوجد المبرر لأميركا وحلفائها لإبقاء وجودهم العسكري بشكل دائم في الخليج باعتباره بؤرة توتر دائم لكونه كنز النفط في العالم، حتى يكون تحت هيمنة أميركا بشكل دائم، وحتى تحول دون اشتعال نار الحريق فيه؟!!! وأين حكومة مصر وأين أزهرها، أم أنها اكتفت بملاحقة وقتل المسلمين الذين يعملون لإعادة الحكم بالإسلام، عن نصرة مسلمي البوسنة، ومقاتلة الصرب المعتدين؟!

وأين حكام الحجاز ونجد وأين حكام الكويت، فما بالهم لا يتقدمون لنصرة مسلمي البوسنة بالسلاح والمال، مال النفط الذي هو ملكية عامة للمسلمين، أم أنهم اكتفوا عن نصرة مسلمي البوسنة بالمال بما أنفقوه من عشرات البلايين من الدولارات على إحضار أميركا وجيشها وجيوش حلفائها لمنطقة الخليج لفرض هيمنتها عليها وعلى النفط فيها، ولضرب العراق وتدميره ليحافظوا على عروشهم، بل إنهم لم يكتفوا بذلك بالإنفاق بل لبوا طلب أميركا وبريطانيا بما فرضتا عليهم من شراء أسلحة لم تعد لجيشيهم حاجة بها، إذ فرضت أميركا على فهد شراء سبعين طائرة بخمسة مليارات دولارات ليساهم بتحسين الوضع الاقتصادي الأميركي المنهار كما يساعد بوش في معركته الانتخابية، كما فرضت عليه بريطانيا شراء طائرات ترنادو ومعدات بملياري دولار، وكذلك فرضتا على جابر شراء أسلحة منهما بمليارات الدولارات، ولم يكتف جابر بذلك، بل دفعه الولاء لأميركا وبريطانيا بالمبادرة بتبرع بعشرة ملايين دولار لمنكوبي إعصار اندروا في أميركا، وبمليون جنيه إسترليني لحديقة الحيوان في لندن!

وهل تُرى اكتفى فهد كذلك عن نصرة مسلمي البوسنة بالمال والسلاح بما أنفقه على بناء يخته الملكي الذي لا نظير له في العالم، والذي بلغت تكاليف صنعه خمسة عشرة بليون دولار أي خمسة عشر ألف مليون دولار.

وعلى كل هذا البذل فإنهما لم يدفعهما الواجب كما لم يدفع حكام المسلمين لمد يد العون والمساعدة بشكل مجزٍ لمسلمي البوسنة ولا لمنكوبيهم، ولا لإنقاذ أطفالهم الذين فقدوا الآباء والأمهات بلد أن يأخذهم كفار أوروبا من الألمان وغيرهم لإيوائهم وتنصيرهم، أو لتربيتهم وفق مفاهيم الحضارة الغربية الكافرة ليباعدوا بينهم وبين الإسلام والمسلمين.

كما أنهم لم يحركهم منظر موت الجوع وهو يحصد بمنجله يومياً المئات، بل الآلاف من أبناء الصومال الجياع لإنقاذ هؤلاء الجياع من الموت الذي أناخ بساحتهم.

أيها المسلمون:

إنكم أصبحتم أضيع من الأيتام على مأدبة اللئام، لا من قلة في المال ولا من قلة في الرجال، وإنما لكونكم ابتعدتم عن سرّ قوتكم، وقوام حياتكم ومصدر عزتكم التي بها أعزكم الله ورفع شأنكم، ولكونكم أصبحتم دون راع يرعى شؤونكم، ويجمع شملكم، ويوحد بلادكم، فهنتم في عيون أعدائكم وطمع فيكم الطامعون، مع أنكم كنتم خير أمة أخرجت للناس، وأعز أمة وأقوى أمة على مدى أكثر من ثلاثة عشر قرناً من الزمان، وبلغت سعة دولتكم وقوتها ما لم تبلغه دولة من قبل. وإنكم أهل لأن تعودوا كما كنتم. فما عليكم إلا أن توجدوا الراعي الذي يرعاكم وفق أمر الله، وأن تعودوا لما أعزكم الله به ورفع شأنكم، وعندها ستفرضون وجودكم على الدنيا ويحسب لكم ألف حساب من أعدائكم الكفار، وتنتهي هذه الضيعة للمسلمين، كما ينتهي هذا الاستخفاف بهم من أعدائهم الكفار. فهيا إلى ما فيه إنقاذكم وحياتكم.

(يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم)

26 من ربيع الأول سنة 1413هـ

23/09/1992م

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *