العدد 66 - السنة السادسة، ربيع الثاني 1413هـ، تشرين الأول 1992م

في بلاد القفقاز: النارتحت الرماد

تطلق كلمة «القفقاز الكبير» ويقصد بها كل المنطقة الواقعة بين البحرين: الأسود وقزوين، وتطلق كلمة القفقاز (وأحياناً شمال القفقاز) ويقصد بها المناطق الإسلامية الواقعة تحت سيطرة روسيا الاتحادية والمحاذية لجمهوريتي أذربيجان وجورجيا.

إن كون القفقاز بشماله وجنوبه، بشرقه وغربه منطقة إسلامية وجزءً لا يتجزأ من بلاد المسلمين مسألة لا خلاف فيها، وكونه بكل مناطقه عائداً إلى جسم العالم الإسلامي ودولة الخلافة مسألة يشهد بها أهل القفقاز وتشير إليها النهاية المحتملة للصراعات التي بدأت فيه. فأكثرية سكان القفقاز من المسلمين، وهناك أقلية نصرانية تتركز في جمهوريتي أرمينيا وجورجيا. رئيس أرمينيا بيتروسيان يعرب عن تخوفه بقوله إن أرمينيا تقع على حدود ثلاث جمهوريات إسلامية (يقصد أذربيجان وتركيا وإيران). وجورجيا متنفسها الوحيد مائة وثلاثون كيلو متراً على البحر الأسود، وهو محاصر بالمسلمين شمالاً وجنوباً.

أهل القفقاز، بصفة عامة، رجال حرب شرسون بعيدون عن الليونة، يميلون إلى الحرب لا إلى السلام، اشتُهروا أثناء النظام الشيوعي وما زالوا بميلهم إلى اللانظام، وكثرةُ القوميات هي أول ما يتبادر إلى الذهن عند ذكر القفقاز. أشهر بلاد القفقاز ترتيباً حسب عدد السكان  أذبيجان 7,1 مليون، جورجيا 4,2 مليون (باستثناء الجمهوريات والمناطق ذوات الحكم الذاتي والتي تسعى للاستقلال الآن)، أرمينيا 3,3 مليون، داغستان 2 مليون، جمهوريتا الشيشان والانغوش 1,5 مليون، القبردين والبلقار 0,8 مليون، وأسيتي الشمالية 0,7 مليون (داخل روسيا) وأسيتي الجنوبية 0,15 مليون (داخل جورجيا)، الابخاز 0,6 مليون، الكراكييف والشركس 0,5 مليون، الأدجار 0,4، وهذه الأسماء هي فقط للبلاد التي كانت جمهوريات أو مناطق حكم ذاتي حسب تقسيمات موسكو، معظمها قد أخذت طريقها إلى الاستقلال عن روسيا الاتحادية وجورجيا.

أذربيجان وداغستان والشيشان والانغوش قوميات كل أفرادها يعتنقون الإسلام، القبردين والبلقار والابخاز والشركس قوميات معظم أفرادها من المسلمين، وقومية أسيتي يكثر فيهم المسلمون ولكن الغالبية نصارى، أما في أرمينيا وجورجيا فأعداد المسلمين قليلة والغالبية العظمى نصارى.

يشتهر الأرمن والجورجيون بأنهم شعوب شغيلة، وتشتهر أذربيجان بالنفط والأراضي الخصبة. ومن المؤسف أن ينتج عن رحيل الأرمن عن أذربيجان عقب اشتعال الحرب في أعالي كاراباخ فراغ في مجالات استخراج النفط والكفاءات العملية في الجامعات. ولكن أيضاً من المستحسن تذكّر الأعداد غير القليلة من الأرمن التي كانت تسكن أذربيجان وبالذات العاصمة باكو والتي كان لها الدور الرئيسي في نشاط الحركة العمالية «الأذربيجان» والتي بها تسربت الأفكار الماركسية إلى بلاد المسلمين وقت الحكم الروسي القيصري واشتهار باكو بقوة الماركسيين فيها بالنسبة إلى كل المدن الإسلامية الأخرى الخاضعة لروسيا.

أما أذربيجان وتوجهها السياسي، فبعد استقالة موطاليبوف والانتخابات التي أتت بزعيم الجبهة الشعبية أبي الغاز الكبي، أخذت أذربيجان تتجه نحو تركيا وتبعد عن روسيا، فخرجت من ما يسمى بأسرة الدول المستقلة وأصدرت عملتها، وتُبدل الآن حروفها إلى اللاتينية (تتريك)، وحماسيهم لقتال أرمينيا ليس بكبير، وهذا لا لسبب إلى للانشغال بالأحوال الاقتصادية. ومن المؤسف جداً وجود بذور لإمكانية اللعب على حبل النزاع الأذربيجاني ـ الإيراني. وعلى لسان الكثيرين، خاصة القوميين في باكو، أن عشرين مليون أذربيجاني مقطوعون عنهم (يقصدون في إيران) وهذه البذور ليست بسيطة، لدرجة أن الرئيس الحالي يسمي جمهوريته علناً: أذربيجان الشمالية، وهذه البذور تنمو لأن غالبية سكان أذربيجان من الشيعة. وفي قضية أعالي كاراباخ يتهم الأذريون إيران بمساعدة الأرمن بالغذاء والأدوية والنفط، وهذا غير مستبعد لأن خروج أذربيجان قوية في قضية أعالي كاراباخ تتخوف منه إيران بسببوجود المقاطعات الأذربيجانية فيها من ناحية وللتأثير التركي على حكومة باكو الذي يمكن أن تستخدمه تركيا سعياً منها لزيادة ضعف إيران بالذات في التأثير على جمهوريات آسيا الوسطى من ناحية ثانية.

أما عن الحركة الإسلامية في أذربيجان فالشيعة أسرع من السُنة في العودة إلى الالتزام بالإسلام ولكن للأسف فهي بصورة عامة غير قوية إذا ما قيست بجارتها داغستان أو بجمهوريات آسيا الوسطى، ولكن الأمل يبشر بالخير فمناطقها الشمالية سُنية ومحاذية للداغستان التي يكثُر فيها المخلصون والعلماء والذين يؤثّرون فعلاً على السكان الأذريين السنُة. وفوارق السنة والشيعة ظاهرة فقط عند الملتزمين أما عامة الناس فيسألون فقط: مسلم أم كافر؟

الروح العدائية لروسيا في أذربيجان قد خفت بعد أن أخذت استقلالها، وروسيا موقفها الرسمي الظاهر من حرب أعالي كاراباخ غير منحاز، ويُفسّر بحاجتها لاستمرار الحصول على النفط الرخيص  من أذربيجان. وإعلان الانحياز إلى أرمينيا النصرانية ضد أذربيجان يؤدي إلى إثارة المسلمين داخل روسيا نفسها ضدها.

أما أرمينيا ففقيرة اقتصادياً، والأرمن حاقدون على الإسلام والمسلمين، وهم في القفقاز كالموارنة في لبنان. ويشتد حقدهم على المسلم إذا كان تركياً، وهذا مرتبط بمذابح يدعون أنهم تعرضوا لها على يد الجيش العثماني في بداية هذا القرن. أقول هذا حتى يُتصور أنه يمكنهم الاستعانة بروسيا أو أميركا لحمايتهم أكثر من إمكانية محاولتهم بناء علاقات طبيعية مع المسلمين، وهذا مؤثر في معادلة الارتباطات السياسية، على عكس الجورجيين النصارى الذين يمكنهم بناء علاقات طبيعة مع المسلمين. وأرمينيا ربما تتفق مصالحها مع إقامة علاقات ودية مع بعض جيرانها المسلمين ولكن مثل هذه الاتفاقات مرحلية، ومستبعدة جداً مع تركيا بالذات. وتصريحات المسؤولين الأرمن تدل على الشعور بثقل غرابة جسمها في المنطقة.

أما داغستان فهي ما زالت حتى الآن داخل روسيا الاتحادية واستقلالها سيحدث أفظع الأثر على موسكو لأنه سيُفقد روسيا أكثر من نصف ما تبقى لها من سواحل على بحر قزوين من ناحية وسيفقدها حدودها مع أذربيجان من ناحية أخرى. وكلمة (داغستان) معناها: بلاد الجبال، وهو على عكس غيرها من جاراتها ليس تسمية دالة على القومية، ففيها تسكن أكثر من ثلاثين قومية ولكل قومية لغة أو أكثر، ولغة التفاهم بين مثقفيها زمن روسيا القيصرية كانت العربية، وهي آخذة الآن في العودة بعد فترة الحكم الشيوعي الذي حارب كل شيء يشير إلى الإسلام. العامل المؤثر على حياة الناس هناك هو فقط الإسلام. ويبدو أن روسيا على وعيٍ بذلك، وأخذت تزج بالمقربين منها إلى حلقات علماء المسلمين، فمثلاً في مدينة خاسافيورت يوجد عالم مخلص مشهور جداً، له قوة سياسية في الداغستان، ولكن من حوله يؤثرون فيه. ويمكن تصور تأثير دعوة هذا العالم للاستقلال عن روسيا. إن بقاءها داخل روسيا مسألة وقتية واستقلالها عن روسيا مسألة حتمية، والممتاز في الداغستان أن علماءها يؤثرون في باقي المسلمين في القفقاز وبالذات جيرانهم الأذربيجان والشيشان.

وأما جمهورية جورجيا فإن ما يحدث فيها الآن يؤثر تأثيراً في إشعال فتيل الانفصال في القفقاز، فبعد انتصار الانقلابيين في العاصمة تفليسي على أنصار الرئيس زفياد جمسخوردية «المنتخَب»،ولجوء الرئيس المخلوع إلى غرب البلاد واستقراره مع أنصاره المسلحين في مدنية زوغديدي وصلت جورجيا إلى حافة التقسيم. ومما زاد الطين بلّة تأييد روسيا لجماعة الحكم الجديدة في تفليسي، مما حمل الرئيس السابق لجورجيا وأنصاره على التجروء على روسيا والعمل ضدها، وزاد في إيقاد النار وصول إدوارد شيفاردنادزه وزير خارجية الاتحاد السوفياتي السابق الجورجي الأصل إلى جورجيا رئيساً للمجلس الحكومي وتقويته للنظام الجديد بحصوله على الاعتراف الدولي له، عندها ضاق الخناق على الرئيس السابق وأصبح يعمل على زيادة إشعال الانفصالية في أسيتي الجنوبية وإيجاد الظروف لاستقلال جمهورية أبخازية عن جورجيا، مما سيحقق به إضعاف حكومة تفليسي بهذه المشاكل وإشعال القفقاز كله بها، واتصال جهات أجنبية به لتحريضه على ذلك أمر غير مستبعد فهو عدو لروسيا ومحتاج للمعونة، وهذا ظرف مناسب لمن له مصالح في إضعاف روسيا.

وفوراً على أثر بداية الحرب في ابخازية والتي بدأت طريقها إلى الاستقلال بإعلان عدم سريان الدستور الجورجي على أراضيها، ثم الاستقلال الكامل، ودخول قوات شيفارنادزة إليها، عندها عقدت الجمهوريات ذات الحكم الذاتي في وروسيا الاتحادية في القفقاز مؤتمر الشعوب الجبلية وأعلنت منه أنها لن تترك أبخازية بلا مساعدة، وبدأ المئات من المتطوعين، ومعظمهم من المسلمين،بالوصول وقتال الجيش الجورجي، وعندها جُنّ جنون روسيا ويلتسن الذي أخذ يلمس واقع تفكك الجمهوريات القفقازية عن روسيا وأعلن أنه سيحصن الحدود ويمنع المتطوعين وينسق مع شيفارنادزه لحل قضية أبخازية، وهنا بيت القصيد في أن ما يمكن أن تؤول إليه الأحداث هو الانفصال الكامل للمسلمين في شمال القفقاز وبناءهم لجمهوريات صغيرة تنتظر فرج الله لضمها لدولة الخلافة.

ولتوضيح ذلك هاك بعض الحقائق:

الروس وإن كانوا يسكنون في كثير من مناطق المسلمين وبخاصة المدن إلا أن ذلك عامل ضعف لروسيا وليس عامل قوة، فهم أجبن من أن يمكن تنظيمهم في عمل ضد السكان المحليين لقلة عددهم النسبية، ولشدة خوفهم من بأس أهل القفقاز وخاصة المسلمين، فأهل القفقاز ليسوا كمولدوفيا على حدود رومانيا، ولعل أبسط ما يدل على هذه الحقيقة شعور الروس بأنهم غرباء هناك، وبداية موجة هجرتهم إلى روسيا وخاصة من بلاد الشيشان، وكونهم عامل ضعف يعني أن روسيا تخاف من بأس المسلمين عليهم إن هي بدأت عملاً عسكرياً ضد إحدى مناطق القفقاز. ويُدلل على عمق التناقض بين الأوروبيين من الروس والأوكرانيين من جهة وبين سكان القفقاز مسلميهم ومسيحييهم من جهة أخرى ما قام به سكان مدنية يالطا ذات الغالبية الروسية والأوكرانية في شبه جزيرة القرم بإخراج كل من سموهم قومية قفقازية بالقوة وجُرح أثناء ذلك العشرات ـ كان ذلك أول شهر 8 ـ بغض النظر عن سبب ذلك حيث اتهموهم بالمسؤولية عن أعمال العنف والسرقة هناك.

وأما عن إمكانية أن تحصن روسيا حدودها مع جورجيا، فهذا هُراء لسببين: الأول هو الاستعداد التام عند أهل شمال القفقاز (وأكثر دقة عند المسلمين) لحرب الروس، فحرب من هذا النوع ستنهك روسيا، فالمسلمون مسلحون: وبلاد مثل الشيشان فيها مصانع عسكرية حتى الدبابات، والدولة فيها تسيطر عليها لا الروس، وروسيا لا تخفي تخوفها من حروب فدائية ضد الجيش الروسي، وعندما أعلنت جمهورية الشيشان والانغوش استقلالها سارع يلتسن بفرض حالة الطورائ هناك ووقف المسلمون بكل شجاعة استعداداً للحرب، وبدأ المستشارون السياسيون ليلتسن علناً يتحدثون للتلفزيون ويستعيدون ذكريات الشيخ شاميل في أواخر القرن التاسع عشر الذي قاد ثورة إسلامية وتعاظم نشاطها في بلاد الداغستان والشيشان خاصة وأرهقت روسيا القيصرية أيما إرهاق، وبعدها سارع البرلمان الروسي بإسقاط قرار يلتسن عن الطوارئ. والسبب الثاني أن الجندي الروسي لا يؤمن بأي هدف تضعه حكومته، ويداه ترجفان عندما يحمل البندقية، فكيف إذا كان ذلك أمام حرب فدائية في القفقاز؟ وعليه فلن تتمكن روسيا من تحصين الحدود.

وأما القول بأن اتصالات واجتماعات يلتسن مع شيفاردنادزه ستؤدي إلى إخماد أبخازية. وإيجاد الهدوء في شمال القفقاز، فهذا لو تمكنوا من إحرازه، فالهدوء الذي يليه في شمال القفقاز هدوء مؤقت وقضية أبخازية إن هي إلا مناسبة للمسلمين لإثبات انفصالهم عن روسيا، وفي حال إطفائها فسيلجأ المسلمون إلى إيجاد مبررات أخرى أو استغلال مناسبات عارضة لإثبات استقلالهم، وما من شك أن الرائد والقائد في شمال القفقاز هم الشيشان، وها هو رئيسهم جوهر دودايف الآن في زيارة إلى السعودية والكويت ويعقد معهم الاتفاقيات لا لأمر إلا تحدياً لموسكو.

بقيت مسألة وهي هل لتركيا تأثير في القفقاز؟

نعم تركيا يمكنها أن تؤثر على الأذربيجان وربما جمهورية الادجار ذات الحكم الذاتي داخل جورجيا ولا يوجد لها أي حظ للتأثير في شمال القفقاز بصورة مباشرة.

ملاحظات أو أقوال نسيت الإشارة إليها:

=أحد أسباب حقد المسلمين على الروس أيضاً كون ستالين هجّرهم من ديارهم إلى سيبيريا بعد الحرب العالمية الثانية بحجة هتلر ومن هؤلاء الشيشان والشركس والانغوش وذكريات تلك الأيام حيّة فيهم وعلى لسان كل كبار السن خاصة.

=صرح أحد البرلمانيين في اسيتي الجنوبية وهو نصراني حيث قال إن الاسيتينيين قد عاشوا بسعادة زمن الحكم الإسلامي على عكس اليوم (الحكم الروسي).

= عند رحيل موطاليبوف رئيس أذربيجان ـ السكرتير العام للحزب الشيوعي سابقاً في أذربيجان قالت معلقة أميركية دُعيت إلى التلفزيون الروسي ـ ما يحدث في أذربيجان يخيفنا لأن قدوم غير موطاليبوف (ذي الاتجاه الروسي) يقضي على حياد المسلمين في الاتحاد السوفياتي سابقاً بالنسبة للغرب ويعمل على توسيع العالم الإسلامي.

= ما قتله عن ظروف استقلال ابخازية عن جورجيا لا يعني فقط تأثير عامل الرئيس الجورجي المخلوع، بل يجب الإشارة إلى العامل الذاتي أولاً واستغلال الابخاز للحرب الأهلية في جورجيا كظرف مناسب لإعلان الاستقلال c

طشقند ـ أبو نبيل

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *