العدد 66 - السنة السادسة، ربيع الثاني 1413هـ، تشرين الأول 1992م

ارتكاب الخيانة

يقول قادمون من الأرض الفلسطينية المحتلة، أو المتصلون بمن فيها أنهم يتخوفون من مذابح شنيعة ستجلِّلُ بالدم التوقيعَ على الاتفاق المنتظر إبرامه بين الكيان الصهيوني والمفاوضين الفلسطينيين، الذين يتظللون مباركةَ منظمة التحرير، وتحريضَ قيادتها لإنجاز ما لا بد من إنجازه في أسرع وقت ممكن، وقبل أن يتعاظم الرفض فيستحيل تمرير الموافقة على العرض الإسرائيلي المهين.

ويقول هؤلاء القادمون: إن الأكثرية الساحقة من الفلسطينيين تشعر أنها قد استُغفلتْ، وأنها قد سُلبتْ حقوقها وأرضَها، عن طريق إيهامها بأن «التنازلات الصغيرة» ضرورة للحصول على «المكاسب الكبيرة» وأنها قد سكتت عن التنازلات مكرهة على أمل أن تأتي النتائج محققة للحدّ الأدنى من الطموح الفلسطيني إلى البقاء في الأرض مع قدرة من الحكم الذاتي القابل للتطور، بحيث يتم الربط الفعلي بين الأرض والسكان بمن فيهم أهل الشتات.

ويضيف هؤلاء قائلين: إن سياق التنازلات عبر جولات المفاوضات قد انتهى إلى تذويب فلسطين، وإلى تحوّل أهلها إلى تجمعات بشرية بلا هوية ولا قضية، بحيث يمكن التعامل معهم وكأنهم جالية أجنبية لها حق «التمتع» بجنسية أخرى. ولكن بغير أن يترتب على ذلك أية حقوق في الأرض، بحيث يستحيل تحولها مستقبلاً إلى «مشروع دولة».

ويروي بعض العائدين من تونس وقائع جرت في الاجتماع الأخير «للمجلس الثوري لحركة فتح» هناك فيقولون: إن ياسر عرفات قد افتتح الاجتماع بخطاب فخم العبارة عن التمسك بالحقوق الوطنية، ومنها الأرض، مشيرً إلى مسلك الوفد المفاوض باعتباره جزءاً من التكتيك الضروري لتحقيق الهدف السامي. فلما جاء دور «أبو مازن ـ محمود عباس» وهو المشرف الفعلي على المفاوضات قال بوضوح مطلق: «من واجبنا ألا نكذب عليكم، وأن نصارحكم بالحقيقة… والحقيقة أننا إنما نحاول فقط تحسين صورة النتائج التي نعرف أنها غير مرضية، وأنها تكاد تكون في مستوى الخيانة الوطنية، ولكنها أقصى ما أمكننا الحصول عليه. إن السقف واطئ أصلاً، ونحن نفاوض تحت هذا السطح المفروض، وليست لدينا القدرة على رفعه، لذا فنحن نحاول فقط ألا ينزل أكثر فنغطس تحته، لكن علينا أن نتخلص من الأوهام، وأن نكون واقعيين، فما سوف نتوصل إليه سيكون مرفوضاً ولا بد لنا مع ذلك أن ندافع عنه».

وفي الراوية أن عرفات قد اهتاج وتوجه إلى «أبو مازن» يسأله باستنكار: هل تتهمني بالكذب؟! هل تشكك في وطنيتي؟!

ورد «أبو مازن» لا أتهمك يا أخ أبو عمار، لكن علينا أن نصارح هؤلاء الجالسين هنا، فهم القيادة، وما قلتُه أنت ليس صحيحاً، والصحيح أننا سنتنازل عن كثير مما كنا نعتبره جوهرياً، فلماذا المغالطة، أو المخادعة، أو التمويه؟! لنتحمل مسؤوليتنا ولنواجه الناس بالحقيقة فهذا أقصى ما استطعنا تحصيله والسلام..»

جريدة السفير البيروتية 30/09/92    

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *