العدد 65 - السنة السادسة، ربيع الأول 1413هـ، أيلول 1992م

توضيح يتعلق بجواب طلب النصرة الوارد في العدد 63

أوجد جواب السؤال المنشور في مجلة الوعي العدد 63 الصادر في شهر محرم الماضي المتعلق بحكم طلب النصرة لحامل الدعوة من كافر أو فاسق التباساً في الفهم عند البعض، إذ فهم هذا البعض من مضمون الجواب أنه يجوز لحامل الدعوة أن يطلب النصرة من دولة كافرة كأميركا أو بريطانيا أو فرنسا أو غيرها من دول الكفر الطامعة والمستعمرة لتوصيله إلى أخذ السلطة، وتسلم الحكم والدولة. وهذا فهم في غير محله، وهو فهم غير صحيح، وهو يتناقض مع ما سبق نشره في المجلة عشرات المرات من بيان حرمة الاستعانة بأميركا وبريطانيا وفرنسا، ووجوب تخليص جميع بلاد المسلمين من نفوذ هذه الدول، والقضاء على جميع مصالحها فيها.

والحكم الشرعي لا يجيز طلب الحماية للدعوة، وطلب النصرة لتوصيلها إلى الحكم والسلطان من أميركا أو بريطانيا أو فرنسا أو روسيا أو غيرها من الدول الكافرة والمستعمرة والتي لها مطامع في بلاد المسلمين. ذلك أن هذه الدول الكافرة وعلى رأسها أميركا وبريطانيا وفرنسا هي عدوة للإسلام والمسلمين، وهدمت الخلافة الإسلامية وأبعدت الإسلام عن الحكم، ومزقت بلاد المسلمين، وهي تعمل بكل ما أوتيت من قوة للحيلولة دون عودة الخلافة، ودون عودة الإسلام إلى الحكم.

وهذه الدول الكافرة ليست كقبائل العرب المشركة التي طلب منها النبي صلى الله عليه وسلم أن تحميه حتى يبلغ عن الله ما أرسله به، وأن تنصره ليوجد لهذه الدعوة دولة وكياناً يحميها ويحملها للناس. فتلك القبائل عندما طلب الرسول منها الحماية والنصرة لم تكن معلنة الحرب على المسلمين ولا العداوة للإسلام، ولم تكن عملت وتعمل على استئصال الإسلام، والقضاء على دعوته مثل هذه الدول الكافرة أميركا وبريطانيا وفرنسا.

والرسول صلى الله عليه وسلم عندما كان يعرض نفسه على قبائل العرب لم يكن يطلب من هذه القبائل الحماية له ولدعوته، والنصرة له ليقيم لهذه الدعوة دولة وكياناً إلا بعد أن يطلب من هذه القبائل الإيمان به والتصديق أنه نبي مرسل من عند الله برسالة الإسلام إلى البشر. فكان يطلب أولاً الإيمان والتصديق ثم بعد ذلك يطلب الحماية والنصرة، ولم يَردْ مطلقاً أنه كان يقتصر على طلب الحماية والنصرة من أية قبيلة، كما أنه لم يكن يبدأ أي قبيلة عَرض نفسه عليها بطلب الحماية والنصرة، وإنما كان يبدأ بطلب الإيمان والتصديق ثم بعد ذلك يطلب الحماية والنصرة.

أنه وإن وردت روايات تقول أنه صلى الله عليه وسلم قد طَلَبَ من بعض القبائل أن يحموه وأن ينصروه حتى لو لم يؤمنوا به فإنه قبل أن يطلب منهم ذلك كان يطلب منهم أن يؤمنوا به وأن يصدقوهن كما روى ابن كثير في السيرة قال: قال موسى بن عقبة عن الزهري: «فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك السنين يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم، ويكلم كل شريف قوم لا يسألهم مع ذلك إلا أن يمنعوه ويؤوه، ويقول: لا أكره أحداً منكم على شيء فمن رضي منكم بالذي أدعو إليه فذلك، ومن كره فلم أكرهه، إنما أريد أن تحرزوني فيما يراد لي من القتل حتى أبلغ رسالة ربي، وحتى يقضي الله لي ولمن صحبني بما شاء».

فهذه الرواية تفيد أنه يقبل حمايتهم ونصرتهم ولو لم يؤمنوا به، ولو بقوا على شركهم.

أما اليوم فحامل الدعوة الذي يطلب من أميركا أو بريطانيا أو فرنسا أو روسيا أن تحميه وأن تنصره لتوصله إلى تسلم الحكم والسلطة فإنه يطلب المستحيل لأن هذه الدول أعدى أعداء الإسلام، وهي التي هدمت دولته، وأبعدته عن الحكم، وتعمل للحيلولة دون عودته إلى الحكم والسلطان.

ومن سيطلب منها أن تنصره لإيصاله إلى الحكم والسلطان وهو الضعيف الملتجئ إليها سوف لا يكون في وضع يجعله يطلب منها أن تؤمن بالإسلام وأن تتخلى عن المبدأ الرأسمالي الكفار، بل سيتذلل لها لينال رضاها، ويتلقى التوجيه منها، أو يساومها على أن يكون عميلاً لها ينفذ سياستها ويعمل على تحقيق مصالحها. وهذا يتناقض مع سير الرسول صلى الله عليه وسلم في طلبه النصرة من القبائل، إذ كان طلب النصرة مسبوقاً بطلب الإيمان والتصديق بشكل دائم. والمساومة ضرب للدعوة التي يريد إيصالها إلى الحكم ليضعها موضع التطبيق، وخيانة لها.

وهذه الدول لا يمكن أن تمد يد المساعدة لدولة أو حزب أو جماعة إلا مقابل تحقيق مصالح لها، فهي لا تؤمن إلا بالنفعية ولا قيمة عندها لغير القيمة المادية فالقيمة الروحية، والقيمة الخلقية، والقيمة الإنسانية لا أثر لها في حياتها، ولا تكترث بها إلا بما تحقق بها من منافع.

مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما كان يطلب من القبائل الحماية والنصرة لم يكن يساوم هذه القبائل على منافع، بل كان يرفض كل الرفض أن تكون النصرة مقابل منفعة أو ثمن، ولذلك عندما كان يطلب أن ينصروه وأن يحملوه إلى ديارهم إنما كان يهدف إلى إقامة كيان بينهم يكون هو قائده ورئيسه وصاحب الأمر والنهي فيه دون أن يكون لهم من الأمر شيء. ولهذا لما قال له رجل من بني عامر بن صعصعة لما عرض نفسه عليهم: «أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: الأمر لله يضعه حيث يشاء» وكذلك أجاب الأنصار في بيعة العقبة الثانية عندما سألوه قائلين: «ما لنا إن بايعناك يا رسول الله؟ قائلاً: الجنة».

لذلك فأية مساومة مقابل طلب النصرة لا تجوز وهي تكون على حساب الدعوة، وتتناقض مع سير الرسول صلى الله عليه وسلم في طلب النصرة من القبائل، كما تتناقض مع الحكم الشرعي لأنها تجعل للكافر سبيلاً على المسلمين.

وبذلك يتضح أنه لا يجوز لحامل الدعوة اليوم أن يطلب النصرة من أميركا أو بريطانيا أو فرنسا أو روسيا أو غيرها ممن هو على شاكلتها لإيصاله إلى السلطة والحكم .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *