العدد 65 - السنة السادسة، ربيع الأول 1413هـ، أيلول 1992م

هل المتطرفون هم السبب؟

عندما بدأ المسلمون يدركون أن لا خلاص لهم ولا وسيلة للتحرر مما هم فيه سوى العودة إلى حظيرة الإسلام وأخذوا يعدّون العدة لذلك عَظُمَ ذلك على أعداء هذه الأمة من استعمار أو حكام عملاء. وأخذوا يشنون حرباً لا هوادة فيها على الإسلام وعلى دعاة الإسلام، فعمدوا إلى تشويه الإسلام والطعن بدُعاته ووصفهم بالمفسدين تارة و(بالمتطرفين) تارة أخرى وأنهم لا يتورعون عن أي عمل إذا كان من شأنه أن يوصلهم إلى مآربهم الذاتية باسم الإسلام أو بأي اسم آخر ولم يقفوا عند هذا الحد بل حاولوا طمس فكرة الإسلام. فأخذوا يحرضون علماء السلاطين من أجل إصدار فتاوى تضليلية ضد هؤلاء (المتطرفين) وأن الإسلام منهم برئ. ودعوة الناس كذلك إلى الابتعاد عنهم وعدم الاختلاط بهم وعدم الذهاب إلى المساجد حتى لا يتأثروا بما يدعون إليه.

كل هذا كان له ردة فعل عنيفة عند الناس فالكثير من الناس صدّقوا مثل هذا الكلام وصدّقوا أن دُعاة الإسلام هم (متطرفون) وأنهم السبب المباشر في كل ما يحدث في كثير من الأقطار الإسلامية مثل الجزائر ومصر وتونس وغيرها. حتى غدا الناس ينفرون من الإسلام السياسي وبذلك حقق الحكام العملاء والعلماء الأُجراء ما كانوا يحلمون به من إبعاد فكرة دولة إسلامية أو استئناف حياة إسلامية وتطبيق الإسلام في الحياة والدولة والمجتمع عن الأذهان. إذاً هكذا خططوا وهكذا نفّذوا. لذلك كان لا بدّ من كلمة تقال للمسلمين عامة لمعرفة مدى خُبث هؤلاء الحكام وأعوانهم وكيف صرفوا ألفاظ التطرف والمتطرفين عن دلالتها الحقيقية. فكانت الحركات الإسلامية حركات متطرفة، وأما الحركات التي تحمل الفكر الغربي فهي صرعات معتدلة!!

فالاعتدال في الشرع هو الالتزام بالأحكام الشرعية والاستقامة عليها. وأما التطرف فليس له أي دلالة شريعة وليس له سوى دلالة لغوية. وإذا أردنا أن نستعملها في الشرع قلنا إن التطرف هو مجاوزة الحدود التي وضعها الشرع أي مخالفة أحكام الإسلام. فالذي يزيد في عدد ركعات الفرائض أو يطوف عشرة أشواط حول الكعبة هو المتطرف.

وأما من يتقيد بأحكام الإسلام ويقف عند حدود الله ولا يتجاوزا فهو المعتدل.

· ثم هل الصحيح هو أن (المتطرفين) هم السبب فيما يحدث في الجزائر ومصر وتونس وغيرها؟! إن هذا الكلام لا يمت إلى الصواب بصلة. (فالمتطرفون) في الجزائر ليسوا هم السبب فيما آل إليه الوضع هناك. والدليل على ذلك أن الشعب الجزائري بغالبيته العظمى يريد الإسلام، بل و متعطش لأن يرى الإسلام مطبقاً في الحياة والدولة والمجتمع بعدما قاسى وعانى أشد المعاناة من أثر الاحتلال الفرنسي. والدليل على أن الشعب الجزائري يريد الإسلام هو نتائج الانتخابات الأخيرة حيث فاز (المتطرفون) بغالبية الأصوات. ولكن عندما حال النظام دون ذلك وقام بإلغاء نتائج الانتخابات الأخيرة حيث فاز (المتطرفون) بغالبية الأصوات. ولكن عندما حال النظام دون ذلك وقام بإلغاء نتائج الانتخابات خوفاً من فوز ساحق (للمتطرفين) وحال بين الشعب وبين رغبته في تطبيق الشريعة حدثت الاضطرابات.

إذاً من هو السبب فيما يحدث في الجزائر؟ ثم لماذا يسمح النظام للأحزاب القائمة على أساس غير مبدأ الإسلام بالعمل سراً وجهراً دون ملاحقة أو تضييق، بينما الحركات التي تعمل من أجل إقامة دولة إسلامية تمنع من ذلك.

· وأما الأحداث التي حصلت في مصر والتي ذهب ضحيتها الكثير الكثير فلم يكن سببها (المتطرفون) أيضاً. بل سببها هو النظام الفرعوني المسلط على رقاب الناس في مصر. فلقد بات واضحاً أن الحركات الإسلامية التي تعي فكرتها وطريقتها وهدفها جيداً والتي لا تسمح لأي ظرف أو أي كائن أن يحيدها عمّا تؤمن به تلجأ الدولة أو النظام إلى ترويض هذه الحركات أو احتوائها تحت مظلته، فإن استطاع احتواءها كان بها وغن لم يستطع فإن هذا النظام يكشف اللثام عن وجهه الأغبر وتبدأ سياسة القتل والسجن والتعذيب والتضييق.

ولما قام الصرب في البوسنة والهرسك بقتل المسلمين وإراقة دمائهم لم نرَ من حكامنا سوى بعض التحفظ ثم ولّوا وجوههم شطر البيت الأبيض يشكون إليه بثهم وحزنهم على المسلمين في البوسنة وكأنهم لا يعلمون أن البيت الأبيض لا يحرك ساكناً ولو تم القضاء على كل المسلمين من على وجه هذه الأرض □

أبو هشام ـ قبرص

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *