العدد 65 - السنة السادسة، ربيع الأول 1413هـ، أيلول 1992م

أميركا واعادة صياغة العالم

 أميركا الآن وجدت نفسها منفردة بالهيمنة على العالم، وهي تحس أنها بحاجة إلى ثروات العالم لإشباع نهمها وضمان الاحتياطي لاستهلاكها وإسرافها.

حين انتهت الحرب العالمية الثانية سنة 1954 وحصل مؤتمر يالطا وتمت صياغة العالم وتقسيمه إلى مناطق انتداب ونفوذ واستعمار لم تكن أميركا قد فتحت شهيتها على الاستعمار بالشكل الكامل ولم تكن لديها الخطط العالمية لذلك. أما الآن فقد انفتحت شهيتها على آخرها ووضعت الخطط وصار عندها الإمكانات لفرض سيطرتها، وها هي قد باشرت بالتنفيذ.

التحديات أو الأخطار في نظر أميركا الآن هي من أنواعٍ ثلاثة: خطر عسكري وخطر اقتصادي وخطر مبدئي (أيديولوجي). أميركا تعمل على احتواء هذه الأخطار، وحين عمل على إعادة صياغة العالم فإنها تضع نصب أعينها إلغاء هذه الأخطار وجعلها سلاحاً لها وليس عليها.

1- الخطر العسكري: على أميركا والدول الغربية ما زالت روسيا هي مصدره. رغم انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفياتي والوضع الاقتصادي السيئ لروسيا فإن روسيا ما زالت تشكل خطراً عسكرياً حقيقياً على دول الغرب. الجيوش الأسلحة التي كان يملكها الاتحاد انتقلت إلى ملكية روسيا، وهي تملك الترسانات الضخمة من الأسلحة النووية والتقليدية وتملك المصانع  وتملك الجيوش المدربة، وما زالت تملك نفسية العداء للغرب ولأميركا بالذات. ولذلك لن يهدأ لأميركا بال إلا بعد أن تقضي على الخطر العسكري الروسي. أي أن أميركا لا يهمها الآن أن تتحول روسيا إلى الديمقراطية أو إلى الاقتصاد حر أو إلى حقوق الإنسان وحرية الرأي. مثل هذه الأمور تستخدمها أميركا كعناوين براقة خادعة تخفي وراءها أهدافها الحقيقية، ولا ينخدع بهذه الشعارات إلا السذّج.

غرض أميركا من روسيا الآن مزدوج: غرض قصير المدى (سريع) وغرض متوسط المدى.

أما الأول (السريع) فإن أميركا تريد أن تجعل من روسيا وخطرها العسكري فزّاعة لدول أوروبا كي لا يعملوا على إلغاء حلف الأطلسي وكي تبقى أميركا تفرد جنح حمايتها وهيمنتها على أوروبا. وفي الحقيقية فإن روسيا فزاعة بالفعل وليس بالوهم فقط.

وأما الغرض الثاني (متوسط المدى) فإن أميركا تخطط لخلع أنياب روسيا وتحويلها إلى مستعمرة أميركية. وهذا يقتضي إزالة الأسلحة النووية وذات الدمار الشامل منها (ولن ندخل الآن في تخمين كيفية تنفيذ ذلك). ويقتضي تفكيك دولة روسيا الاتحادية إلى طويلات صغيرة على أسس عرقية أو جغرافية أو غيرها. ويقتضي إشعال الفتن والحروب بينها كي يدمّر بعضها بعضاً وترتمي في النهاية في أحضان أميركا طالبة المساعدة.

2- وأما الخطر الاقتصادي على أميركا فإنه يكمن في دول أوروبا الغربية واليابان. هذه الدول تشكل المنافس الاقتصادي لأميركا.

الدول الاستعمارية، وخاصة أميركا، تعودت شعوبها على الاستهلاك الكبير والتبذير مما جعلها دولاً مدينة رغم ضخامة مداخيلها. وليس من السهل أن تجعل شعباً يغيّر عاداته التي تأصلت فيه. ولذلك تندفع هذه الدول للتنافس على الاستعمار والتصادم مع بعضها لتأمين متطلبات شعوبها وإشباع نهمها.

حرب الخليج التي دخلتها أميركا تحت عنوان تحرير الكويت وإرجاعها إلى أهلها كانت في الحقيقة حرباً على النفط. نفط الخليج لم يكن بيد أميركا كما تريد إذ أن دول الخليج وشيوخه كانوا تابعين منذ زمن بعيد للإنجليز. فاستطاعت أميركا بخبثها توريط صدام حسين باحتلال الكويت وأخذت ذريعة لتحتل الخليج وتعقد مع دوله اتفاقات حماية لتجعل نفطه بيدها. علماً أن دول أوروبا الغربية واليابان تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج. وبذلك تصبح هذه الدول المنافسة لأميركا تحت رحمة أميركا من ناحية الإمداد بالطاقة.

وأميركا تعمل أن تفشل الوحدة الأوروبية المتوقع بدؤها مع بداية سنة 1993، وهي تسعى لإبقاء التناحر والتنافس بين هذه الدول كي لا يتفقوا على منافستها.

ومن مصلحة أميركا تجريد الدول الخمس الكبرى من «حق النقض» في مجلس الأمن، وتتنازل هي عن هذا الحق من أجل حرمان الآخرين منه. ذلك أن أميركا تستطيع أن تؤمن أكثرية في مجلس الأمن لأي قرار تريده فإذا قامت دولة باستعمال حق النقض فإنها تفسد على أميركا قرارها. وقد لاحظنا أن دولتين (إيران وسوريا) طالبتا في جاكرتا في مؤتمر ول عدم الانحياز، طالبتا بإلغاء هذا الامتياز للدول الخمس.

وقد بدأت أميركا بإعادة خلط الأوراق في العالم من أجل أن تعيد الفرز والصياغة من جديد بشكل يؤمن مصالحها ونفوذها في أكثر أنحاء العالم. هذا سيكون على حساب الدول الاستعمارية لأخرى المنافسة لأميركا وعلى حساب الدول التي يجري تفكيكها وإعادة صياغتها على أسس جديدة.

وقد لاحظنا تفكيك الاتحاد السوفياتي، ولاحظنا تفكيك الاتحاد اليوغوسلافي، وها نحن نلاحظ تفكيك أفغانستان، وبوادر تفكيك السودان وتركيا والسعودية ومصر والجزائر و…

ولنعد إلى دلالات تفكيك العراق. إن أميركا تقول بأنها تحافظ على وحدة العراق، وهذا كذب جربناه كثيراً على أميركا، أميركا قسّمت العراق. ولكن لماذا تسكت تركيا، ألا يوجد فيها سياسيون، ألا  يوجد فيها من يرى أبعد من أنفه؟ حين قررت أميركا وحلفاؤها إعطاء أكراد العراق حكماً منفصلاً عن العراق بحماية الحلفاء أليس من المفروض بالحكم التركي أن يفهم أن هذا مقدمة حتمية لإعطاء أكراد تركيا حكماً منفصلاً عنا ولو رغماً عنها؟

حين كان الاتحاد السوفياتي ما زال بقوته لم تكن أميركا تفكر بتفكيك تركيا أو إضعاف قوتها أو إزعاجها لأنها تقف حاجزاً في وجه الاتحاد السوفياتي. أما الآن وقد تفكك الاتحاد السوفياتي وتقلص الخطر الروسي فلم تعد هناك حاجة لاسترضاء تركيا، ولم يعد عند أميركا مانع  من تفكيك تركيا وإعادة صياغتها.

ولماذا تفرح إيران وتسكت ألا تعلم أيضاً أن دور التقسيم سيلحقها ولو بعد حين؟

وحين تقوم أميركا بإيجاد محمية شيعية في جنوب العراق هي في طريقها لتصبح حكماً مستقلاً مثل الحكم الكردي، حين تفعل أميركا هذا في جنوب العراق، ألا تفكر السعودية أن هذا مقدمة لأن يتحرك الشيعة (بإيعاز من أميركا) في شرق السعودية ومن ثَمَّ يطلبون حماية دولية، ويتم فصل شرق السعودية الغني بالنفط عنها؟

أما في مصر فإن الأقباط يصرخون ويرفعون الشكوى لطلب الحماية. إن أميركا هي التي تهيئ وهي التي تحرض على الاقتتال الطائفي في صعيد مصر وخاصة ديروط. وهذا يشير إلى أن أميركا تهيئ الأرضية المناسبة لإيجاد الفرز الطائفي مقدمة لإيجاد محمية قبطية ومن ثَمَّ دولة قبطية في مصر.

قد يظن ظانٌ أن أميركا لا تفكر في تقسيم مصر ما دام نظام مصر يسير في ركابها، مثل هذا الظن كان يصح أو أن أميركا تخطط وتعمل للمدى القصير، أما وأنها تخطط للمدة البعيد فإن هذا الظن يصبح في غير محله.

وأما السودان فإن أميركا تخطط أيضاً لتفكيكه رغم ما أعلن عنه البشير من حسن العلاقات مع أميركا ورغم تصريحات المسؤول الأميركي في هذا المجال. وقد طالب جون قرنق بمحمية في جنوب السودان على غرار محمية جنوب العراق. وكان مجلس الكنائس الكاثوليكي الذي يضم سبع كنائس أفريقية (أثيوبيا، كينيا، أوغندا، السودان، تنزانيا، ملاوي، زامبيا) قد اجتمع في نيروبي في 31/08/92 وأصدر بياناً يطالب فيه بإجراءات شبيهة بتلك التي في جنوب العراق والبوسنة. وكانت الكنائس الكاثوليكية الأوروبية أصدرت بياناً في 17/07/92 شبيهاً ببيان الكنائس الكاثوليكية الأفريقية. والمسؤولون الأميركيون أعلنوا في 02/09/92 أنهم يؤيدون حكماً ذاتياً في جنوب السودان.

3- وأما الخطر المبدئي (الأيديولوجي) على أميركا والغرب فإن مصدره الإسلام كما يرون. لم يعد الغرب الآن يحسب حساباً للشيوعية رغم وجود دول شيوعية وأحزاب شيوعية حتى الآن في العالم لأنها في أفول بينما الإسلام في صعود والمسلمون يعودون إلى الإسلام بشكل تصاعدي يرعب دول الغرب.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *