العدد 65 - السنة السادسة، ربيع الأول 1413هـ، أيلول 1992م

الانتخابات اللبنانية

كشفت هذه الانتخابات عن أمر جيّد هو حب المسلمين لتطبيق الإسلام في المجال السياسي وذلك من خلال تأييدهم لمن يتوسمون فيهم العمل لتطبيق الإسلام.

ولكن الواقع يشير إلى المتوقَّع الذي هو إبعاد المسلمين فعلياً عن العمل المؤثر لعودة الإسلام إلى تطبيق في المجال السياسي.

المسلمون كانوا في تعطش لإعادة الإسلام إلى السلطة، والآن بعد الانتخابات نفّس المسلمون عن مشاعرهم وأحسوا بالارتياح لأنهم انتخبوا من سيعمل نيابة عنهم (من خلال المجلس النيابي) لإيصال الإسلام إلى السلطة. وفي الوقت نفسه يبدو أن هؤلاء النواب لا يدرون إلى أين يُساقون ولا ماذا يُراد منهم.

الإصرار على إجراء الانتخابات في هذا الوقت ليس نابعاً من لبنان وليس من ضغط سوري بل من أميركا (كما قال النائب نجاح واكيم في 05/09/92). وما مجيء بيكر إلى زحلة إلا للتأكيد على إجرائها بالإضافة إلى الخطوات الأخرى من المخطط.

أميركا تعمل الآن على إعادة خلط الأوراق في العالم وفي هذه لمنطقة ومن جملتها لبنان. وبعد الخلط تعود إلى الفرز والصياغة من جديد. والمؤشرات تدل على أن أميركا تريد من لبنان بعض الأمور التي سينجزها بواسطة المجلس المنتخب.

إنها تريد إيجاد حالة من الأمن والاستقرار لإسرائيل على الحدود مع لبنان وهذا يستدعي إدخال «حزب الله» إلى قفص الشرعية. والسلطة في لبنان الآن في حالة مفاوضات مع العدو اليهودي (كما هو حال بقية دول الطوق كما يسمونها) وهذه المفاوضات ستستمر من خلال الحكومة المقبلة التي يتوقع أن تشترك فيها الحركات الإسلامية. وتريد أميركا الوصول من هذه المفاوضات إلى اتفاقات مرحلية (الاتفاقات النهائية ما زالت بعيدة جداً). وسواء وافقت الحركات الإسلامية (المشاركة في الوزارة الجديدة) على هذه الاتفاقات أو عارضتها عند التصويت فإن الأمر سيان لأن النتيجة الفعلية هي السكوت. هذه الاتفاقات المرحلية ستتطرق إلى حصة إسرائيل من مياه الليطاني، وستتطرق إلى تعديل في الحدود وإلى الانفتاح التجاري والسياحي والتعاون في شؤون البيئة والتنمية والإعلام والثقافة…

وتريد أميركا من لبنان أن يستوعب نهائياً الفلسطينيين المسجلين عنده، وذلك ليس رحمة بهم بل من باب تطمين إسرائيل بأنه لا عودة لأهل فلسطين إلى فلسطين (هذا الأمر مطلوب من جميع الدول التي يوجد فلسطينيون مسجلون عندها).

وتريد أميركا صياغة لبنان بحيث لا يبقى لها شريك في الهيمنة عليه. سنة 1920 صار لبنان تحت انتداب فرنسا وبقي كذلك إلى سنة 1944 حين سقطت فرنسا في الحرب العالمية الثانية فانتقل لبنان إلى هيمنة الإنجليز إلى سنة 1970 حيث انتقل إلى هيمنة أميركا وما زال. والآن بعد مجيء رابين إلى الحكم في إسرائيل لم يبق من يضايق أميركا في لبنان إلا فرنسا باستقطابها للموارنة (إلا قليلاً منهم). ولن ترضى أميركا عن الموارنة إلا إذا تخلوا فعلياً عن أمهم الحنون فرنسا وأخلصوا الولاء لأميركا، وهذا مستبعد.

الموارنة استفادوا من الانتخابات بأن ائتلفت كلمتهم بعد طول فرقة، ولكن ليس من المتوقع أن تطول هذه الألفة لأن الموارنة لا يحسنون قراءة الواقع هذه الأيام. في سنة 1982 تحالفوا مع اليهود بشكل فاضح ضد المسلمين وضد العرب. والآن ما زالوا يحاولون التشبث والاستئثار بحكم لبنان مستعينين تارة بفرنسا وأخرى بإسرائيل، ولم يفهموا بعد أن فرنسا هُزِمتْ وطردت من لبنان مع ميشال عون، ولم يفهموا بعد أن إسرائيل تخادعهم ولا تعمل إلا لمصلحتها.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *