العدد 62 - السنة السادسة، ذو الحجة 1412هـ، حزيران 1992م

المسلمون يذبحون… فمن لهم… وإلى متى؟

بقلم: أ.د. المغيرة البيروتي – جامعة الكويت

 تتوالى الفواجع والنكبات التي تصب على رؤوس المسلمين في شتى بقاع الأرض. فقد تكالبت قوى الشر والباطل والظلم والطغيان من بني يهود ومن الصليبية الحاقدة وعبدة البقر ومن أبناء الملل المنحلة والمنحرفة للقضاء على الإسلام وأهله، واستئصال جذوره ومحو معالمه، فلا يكاد يمر يوم من الأيام إلا ونسمع ونرى بطش غير المسلمين وأتباعهم وأعوانهم بالمسلمين. فتقام لهم المذابح وتجتاح أراضيهم وتخرب ديارهم وتنتهك أعراضهم وتُضَيّعُ حقوقهم وتداس مقدساتهم. وليس ببعيد ما حدث ويحدث في لبنان، ناهيك عن أفغانستان، بورما، ناغورنو كاراباخ، البوسنة، ولا ننسى كشمير المغتصبة، الأندلس وقرطبة والحمراء، والأقصى الأسير بين أيدي أحفاد القردة والخنازير وغيرها من بلاد المسلمين. والمسلمون يئنون من وطأة ما يُفعل بهم، وجراحهم التي تنزف غزيرة لا يجدون من يضمدها، وصراخ ونحيب الأطفال واستغاثة النساء والشيوخ… كل ذلك كأنه صرخة في واد أو نفخة في رماد.

ويسترجع أحدنا في ذهنه واقعة المرأة التي استنجدت بالمعتصم، فجرد من أجلها جيشاً أرغم به أنف من أسرها وأتى به مكبلاً. نسترجع ذلك ثم نتساءل ماذا كان سيفعل المعتصم لو وصلته استغاثة المسلمين اليوم؟ ولكن المعتم ليس مخلداً، ولا بد أن يطويه الموت، وقد كان، فماذا يفعل معتصمو (عفواً مغتصبوا) هذا الزمان؟؟ أتراهم سيجردون الجيوش لرد بأس الذين كفروا؟ كلاً، فتلك شامة عزَّت على أمثالهم، ومكرمة أبت أن يتحلوا بها… والله درُّ القائل:

لقد أسمعتَ لو ناديتَ حياً           ولكنْ لا حياة لمن تنادي

فاروق هذه الأمة يخشى أن يسأله ربه عن تعثر بغلة في العراق، لأنه لم يمهد لها الطريق. ودماء المسلمين الزكية تراق اليوم ولزَوال الدنيا أهون عند الله من قتل عبد مؤمن، فهل يخشى حكام اليوم أن يسألهم الله أو تسألهم الشعوب عن ذلك؟

لقد عزم أهل الشرك والباطل في شتى بقاع الأرض على القضاء على الإسلام واستئصال شأفة المسلمين، بل إن الكثيرين من قادة الباطل ينادون صبح مساء بأن “دمروا الإسلام، أبيدوا أهله”. ولذلك نراهم يتحينون الفرص ويحيكون المؤامرات، والدسائس للانقضاض على المسلمين حتى لا تقوم لهم قائمة ولا يعودوا إلى دينهم وغلى حقهم وإلى النهوض من جديد لقيادة الركب لعمارة الأرض ونشر النور إعلاءً لكلمة الله في أرضه. وإن ما حدث في الجزائر لهو أكبر دليل على الرجة الشديدة والقلق الكبير ليس فقط عند حكومة الجزائر بل تعدتها لإحداث هزة كبيرة في بلدان الغرب، فوضعوا خطة للحيلولة بين المسلمين وبين الوصول إلى الحكم وإعلان الدولة الإسلامية وكان ما كان… وإن دل ذلك على شيء فإنه يدل على عدائهم الأبدي للإسلام والمسلمين، ومدى حرصهم على الحيلولة دون عودة الإسلام إلى الحكم لأنهم يدركون مدى خطورة ذلك عليهم وعلى حضارتهم ]يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ[. وهم بعدائهم هذا لا يقبلون من المسلمين إلا أن يتبعوهم ويتبنوا حضارتهم البالية ]وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ[.

إن ما نراه اليوم من ذل وهوان واستباحة للإسلام وأهله ما هو إلا نتيجة إبعاد الإسلام عن واقع الحياة بتحويله إلى دين كهنوتي داخل المساجد والجوامع. وجعل علماء المسلمين يقتصرون على أمور الوعظ والإرشاد والحيض والنفاس والطلاق وما شاكل ذلك من قضايا ولا يهتمون بالنهضة والتعبير. والمسلمون ما أن غربت شمس آخر معقل من معاقل الخلافة في استنانبول على يد اليهودي المتأسلم مصطفى كمال حتى تكالبت عليهم قوى البغي والظلام، واتجهوا لأخذ النظم من الشرق والغرب فأصبحوا يقتاتون من موائد اللئام. لقد تخلوا عن الجهاد فاثّاقلوا إلى الأرض، وأحاط بهم الذل والهوان والصغار، وقد وصف المصطفى سلام الله عليه وعلى آله هذا قائلاً: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها، قالوا: أو منْ قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله مهابتكم من صدور أعدائكم وليقذفن في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت».

يا خير أمة:

لا يخفى على أحد الغليان في المجتمع الإسلامي، وسيتحول بإذن الله إلى قوة دافعة، ليحدث حركة واندفاعاً وانبعاث الدولة الإسلامية التي تحكم بكتاب الله وسنة رسوله حكماً انقلابياً كاملاً غير مجزأ مهما تنوعت وسائل الإغراء. نعم فانبعاث الدولة الإسلامية من أحد الإقليم هي نقطة الارتكاز لاستئناف الحياة الإسلامية للعالم ليظهرها الله على الدين كله ولو كره الكافرون. إننا نريد حاكماً يعامل دوابنا كما عاملها ابن الخطاب. إننا نريد حاكماً يضع الزكاة على نواص الأزقة فلا يأخذها أحد لأن الله قد أغناهم عنها كما كذلك أيام حفيد الفاروق، عمر بن عبد العزيز. إننا نريد حاكماً يكرر القول: «إني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من الأرض، فهي ليست ملك يميني بل ملك شعبي، إني لا أستطيع الموافقة على تشريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة». كما قالها الخليفة العثماني عبد الحميد. لا نريد أن يقولوا لنا (دين الدولة الإسلام) ثم لا نجد للإسلام في واقع الحياة أي أثر.

نعم لا وجود لنا إلا بوجود دولة إسلامية وجوداً مؤثراً يؤدي إلى قيادة العالم. هذه هيه أمنية الأمة الإسلامية المتعطشة لمجد الإسلام، لإعادة رفع لوائه وراياته، وبذلك يُرضون ربهم وتكون العزة في بلادهم لله ولرسوله وللمؤمنين.

… نعم، «تكون فيكم النبوة، ثم خلافة على منهاج النبوة، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم حكماً عضوضاً، ثم يرفعه الله إذا شاء أن يرفعه، ثم حكماً جبرياً، ثم يرفعه الله إذا شاء أن يرفعه، ثم خلافة على منهاج النبوة»£

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *