العدد 62 - السنة السادسة، ذو الحجة 1412هـ، حزيران 1992م

رسالة إلى علماء المسلمين

أبوخاطر – الهند

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الأمين وآله وصحبه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين.

أبعث هذه الرسالة إلى علماء المسلمين العاملين وغير العاملين في كل أنحاء المعمورة، داعياً الله عز وجل أن تجد هذه الرسالة طريقها إلى النور لتصل إلى قلوب علماء المسلمين من قبل مسلم يتحرق لحال المسلمين وينكوي لسماع أخبارهم، لعلها تكون ذكرى لهم (العلماء) (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ)، (َفِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ).

حضرات العلماء الأفاضل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لقد حفلت الدولة الإسلامية على مر العصور، بمواقف ومآثر لم يشهد التاريخ لها مثيلاً سجلها علماء المسلمين بدمائهم، فكانوا نجوماً يهتدى بهم الحكام والمحكومين في ظلمات الحياة، كانوا شمساً مشرقة تنير للمسلمين طريق العزة والكرامة وترشدهم إلى السبيل، تلك المواقف التي نبعت من فهم وعلم بدين الله، تلك المواقف التي كانت ثمار المعرفة بطبيعة هذا الدين والتي كانت ثمار فهم عميق لمعنى قوله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ)  وقول رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم: «العلماء ورثة الأنبياء».

ولا يسعني في رسالتي هذه إلا أن أذكركم بموقف أحد علماء المسلمين ألا هو سفيان الثوري ومن منكم لا يعرف الإمام سفيان الثوري؟.

“لما حج أبو جعفر المنصور، قال لا بد لي من سفيان، فأمر به، فجاؤوا به، فلما امتثل بين يدي المنصور، دنا منه المنصور وقال له: لماذا لا تأتينا يا سفيان فنستشيرك في أمرنا، فما أمرتنا من شيء صرنا إليه وما نهيتنا عن شيء انتهينا عنه، فقال له سفيان: كم أنفقت في سفرك هذا؟ قال: لا أدري، لي أمناء ووكلاء، قال سفيان: فما عذرك غداً إذا وقفت بين يدي الله تعالى فسألك عن هذا، وقد علمت ما حدثنا به منصور بن عماد عن الأسود عن علقمة عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رُبّ فنخوض في مال الله ومال رسوله فيما شاءت نفسه له النار غداً. فيقول أبو عبيدة الكاتب أحد متزلفي الحاشية: أمير المؤمنين يُستقبل بمثل هذا فيجيبه سفيان:- بقوة المؤمن وعزة المسلم – اسكت إنما أهلك فرعون هامان وهامان فرعون» فكذا يحاسب سفيان الثوري المنصور على ما أنفقه في السفر على الحج وهو أمر مشروع فما بالكم أيها العلماء الأفاضل في كل أموال المسلمين توضع بين يدي أعداء المسلمين، وما بالكم بأرض المسلمين يغتصبها أعداء المسلمين، وما بالكم بمقدسات المسلمين تدنسها أقدام الكفار، من منكم حاسب أحد الحكام؟ من منكم أثر الشهادة على الحياة ليقول كلمة حق في تلك الأنظمة العميلة، من منكم ضرب لنا مثالاً في التضحية ليكون لنا قدوة ويرينا الصواب والحق ويرينا النور الذي نتلمَّسه؟ ليتكم سكتم عن الحق فكان مصابنا فيكم قليلاً، ولكن أن توافقوا على الباطل، فهذا والله كثير، ورحم الله حجة الإسلام الغزالي حيث يقول: “إن التبعة الكبرى من كل فساد يظهر في البلاد الإسلامية، تقع تبعته على العلماء وهم من الأسباب الرئيسية في فساد الأوضاع، لأنهم ملح الأمة وإذا فسد الملح فما الذي يصلحه” ويتمثل ببيت شعر خوطب به العلماء:

يا مشعرَ القُرّاءِ يا ملحَ البلدْ          ما يصلحُ الملحَ إذا الملحُ فسدْ

ورحم الله القائل: إن فساد الرعية من فساد الحكام وفساد الحكام من فساد العلماء وفساد العلماء من حبهم للدنيا وكرههم للآخرة واعلموا أنه من كان بالله أعلم كان منه أخوف.

أيها العلماء:

إن تاريخكم حافل بالفتاوي والبلاوي ومحاباة الحكام وإطاعتهم في الباطل ولا أريد أن أذكركم ببعض فتاويكم ولكن نذكركم بقوله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) وقوله: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).

أيها العلماء:

إن الإسلام اليوم يقف على مفترق طرق، ودين الله ظاهر لا محالة، ويريد من المسلمين عامة والعلماء خاصة أن يبذلوا أقصى جهدهم في بيان أحكامه وفي قول الحق وحمل الدعوة ناصرين الحق، مانعين الباطل، آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر ومحاسبي الظالمين. فإن لم تفعلوا فما فائدة وجودكم وليكن بطن الأرض خيراً لكم من ظهرها.

(وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *