العدد 92 - السنة الثامنة – رجب 1415هـ -كانون الأول 1994م

بلاد الشيشان

الإمبراطورية الروسية احتلت بلاد الشيشان سنة 1859 وضمتها إليها. ومنذ ذلك الحين ظل الشيشان يحاربون روسيا كما كانت شعوب كثيرة في منطقة القوقاز تجارب روسيا للانعتاق من احتلالها. واستمرت حرب القوقاز هذه طوال 49 عاماً. وفي سنة 1917 نجحت الثورة الشيوعية بقيادة لينين في أخذ السلطة في روسيا. وأعطى لينين للشعوب الخاضعة لروسيا بأن يعاملها بالمساواة التامة. وحصل الشيشان على الحكم الذاتي بعد ذلك بسنة، أي سنة 1918.

وفي سنة 1942، أثناء الحرب العالمية الثانية، احتل الألمان الجزء الشمالي من الجمهورية الشيشانية ليصلوا إلى ساحل بحر قزوين للاستيلاء على حقول البترول السوفياتية. واتهم ستالين الشيشان بأنهم ساعدوا الألمان، فقام سنة 1944 بترحيل الشيشان والأنغوشيين إلى سيبيريا وكازختسان وآسيا الوسطى، فقطّع أوصالهم وحرمهم من أرضهم. وقد ساقت قوى الأمن الداخلي الروسية حوالي 400 ألف شيشاني في القطارات المعدة لنقل المواشي. وقد مضى كثير منهم في الطريق. بعد موت ستالين سنة 1953 سمح خليفته خروتشوف بعودة الشيشان والأنغوشيين إلى أرضهم وإلى حكمهم الذاتي. ولكن وجدوا أن أهل أوسيتيا الشمالية قد استولوا على كثير من أرضهم. وأخذت الدولة الأرض من الأوسيتيين وأعادتها إلى أصحابها، وهذا أوجد عداوة بين الأوسيتيين والأنغوشيين (إخوان الشيشان).

عندما تفكك الاتحاد السوفياتي وجاء بوريس يلتس إلى السلطة أعلن في حملته الانتخابية في ربيع 1991 أن «كل كيان ذي حكم ذاتي في روسيا الفيدرالية له أن يأخذ من السيادة بقدر ما يستطيع» فانتهز الشيشان هذا وأعلنوا الاستقلال التام عن روسيا في 27/09/91. ولكن روسيا لم تعترف بهذا الاستقلال، وقطعت عنها كل مساعدة وعطلت مصافي النفط الموجودة في الشيشان وعطلت كل المرافق من أجل إخضاع الشيشان عن طريق إفقارهم. وفشلت روسيا في إخضاعهم لأنهم شعب صلب ويتحلى بالصبر. فلجأت روسيا إلى طريق آخر هو إيجاد معارضة من الشيشان أنفسهم، ودعم هذه المعارضة بالإعلام والسلاح والقوة العسكرية الروسية. ولكنها فشلت أيضاً من هذا الطريق. فلجأت إلى قوتها العسكرية الضخمة وها قد مرّ أسبوعان وهي تحاصر وتضرب عاصمة الشيشان وبقية مدنها وقراها.

تبلغ مساحة جمهورية الشيشان عشرين ألف كلم2، ويبلغ عدد سكانها قرابة مليون ونصف. بينهم حوالي 400 ألف روسي والباقي من المسلمين. الروس موجودون بشكل خاص في العاصمة والمدن وكان ستالين يضع الأمور الإدارية في جميع الجمهوريات بيد الروس الذي ينقلهم إلى مختلف الجمهوريات. والآن حين نسمع أن مجلس النواب في موسكو يعارض الحرب التي أرادها يلتسن، وأن قادة الجيش يعارضون هذه الحرب، فذلك لأنهم يخافون على إخوانهم الروس، يخافون عليهم أن يصابوا بالقصف أو أن يقتلهم المسلمون انتقاماً.

الدول الغربية (أوروبا الغربية وأميركا) مرتاحة لوجود حروب داخل روسيا. الغرب يريد تحريك القوميات والإقليميات من أجل تفتيت روسيا التي ما زالت قوتها العسكرية تخيف الغرب. فإذا امتدت داخل روسيا حروب الاستقلال والقوميات يحقق الغرب مكسباً كبيراً.

والغرب الآن يراهن على امتداد شرارة الحرب الداخلة، فإذا فشلت روسيا في إخضاع الشيشان فإن جمهوريات كثيرة ستحذو حذوها. وإذا نجحت روسيا بضرب الشيشان، فإن الغرب يطمع ويشجع بأن يتحول كل شيشاني إلى قنبلة للانتقام من روسيا بضرب مصالحها في روسيا وفي العالم ¨

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *