العدد 96 - 97 - السنة الثامنة – ذو القعدة وذو الحجة 1415هـ -نيسان وأيار 1995م

من هم المسلمون؟

بقلم: محمد حسين عبدالله

– هل أتباع إبراهيم عليه السلام مسلمون؟

– هل أتباع الرسل قبل محمد عليهم السلام مسلمون؟

– هل اليهود والنصارى مسلمون؟

قد يستغرب كثير من المسلمين هذه الأسئلة ويعدونها من باب التمحل والسفسطة، ولكن سيزول استغرابهم إن هم تذكروا وفكروا في الشعارات المطروحة اليوم، في أواخر القرن العشرين للميلاد، مثل شعار الحضارة الإنسانية. ووحدة الأديان، والتقارب بين الأديان، وشعار أبناء إبراهيم والتلاقي بين الشعوب والأمم، وغيرها من الشعارات الكثيرة، وقد ترجم بعضها إلى مناهج تعليمية لأبناء المسلمين في دور العلم، وإلى ندوات ومؤتمرات دولية يحضرها بعض علماء المسلمين إلى جانب الكرادلة والحاخامات، ولا ليدعوهم إلى الإسلام ولا ليجادلونهم بالتي هي أحسن حتى يتركوا الكفر، بل ليتنازلوا لهم عن أعظم أحكام الإسلام، كالخلافة والجهاد والحدود، لأنها -بزعمهم- أصولية وتطرف، وليضموا إلى الإسلام أكفاراً دخيلة، كالديمقراطية والحريات والوطنية، لأنها -بزعمهم أيضاً- تسامح وتقدم. وبناء عليه فعلى المسلمين أن يحافظوا على دساتيرهم الوضعية المستورد، وأن يرضوا بكياناتهم الوطنية الهزيلة، وأن يعترفوا بشرعية دولة إسرائيل على أرضهم، لأن اليهود أبناء إبراهيم، فهم أبناء عمهم، وأن يقبلوا بالثقافة الغربية، وبما أفرزته من إباحية وشذوذ، لأنها ثقافة إنسانية، بل وأن يقبلوا بارتداد أبنائهم عن الإسلام لأنها حرية العقيدة!!

وأخيراً عليهم أن لا يصفوا غير المسلمين كاليهود والنصارى بالكفار، لأنهم مؤمنون وأصحاب ديانات سماوية، وقد وصفهم الله في القرآن الكريم بأنهم مسلمون!!

وللإجابة عن ذلك، لا بد من بحث أمرين: أحدهما لغوي، والآخر شرعي. أما اللغوي، فإن لفظ “أسلم” من معانيها “انقاد” وقد استعملها القرآن الكريم بهذا المعنى في معرض ذكره أتباع الأنبياء السابقين الذين صدقوا واتبعوا هؤلاء الأنبياء، قال تعالى على لسان نوح: (فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، وقال تعالى على لسان إبراهيم وإسماعيل: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً)، وقال تعالى عن قوم لوط: (فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ)، وعلى لسان يوسف: (تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)، وعلى لسان موسى: (فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ)، وعلى لسان سليمان لملكة سبأ: (أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ)، وعلى لسان الحواريين أتباع عيسى عليه السلام: (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ).

وكلمة “مسلمون” التي وردت في هذه الآيات تعني “منقادون” لله فيم أمرهم، ولا تعني أنهم اعتنقوا الإسلام الدين الذي أنزله الله على محمد لأن هذا الدين لم يكن معروفاً لهم، ولم يخاطبوا به، وكان لكل قوم منهم رسول خاص بهم بعثه الله بشريعة خاصة، قال تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً…)، مع أن العقيدة واحدة كما فهم من قوله تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ…).

وبعد نزول الوحي على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم بلغه قومه العرب، عمد الوحي إلى بعض الألفاظ، فنقل معناها إلى معنى شرعي دلت عليه النصوص من قرآن وسنة، ومن هذه الألفاظ لفظ “الإسلام” الذي كان يعني لغة “الانقياد” فصار يعني الدين الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم، ودليل ذلك قوله تعالى: (وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً)، وقوله: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ) وقوله صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس… الحديث». وبعد هذا النقل الشرعي للفظ الإسلام ومشتقاتها صارت ألفاظ “أسلم، مسلم،. إسلام” إذا أطلقت دون قرينة دلت على المعنى الشرعي فقط، وإن أريد بها معناها اللغوي الوضعي احتاجت إلى قرينة لصرفها عن معناها الشرعي فقط، وإن أريد بها معناها اللغوي الوضعي احتاجت إلى قرينة لصرفها عن معناها الشرعي، ولم ترك كلمة “الإسلام” في القرآن الكريم إلا في ثمانية مواضع، وهي تعني معنى واحداً وهو الدين الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

هذا هو الجانب ا للغوي، وهو كاف وحده لمعرفة من هم المسلمون، لأن لفظ “الإسلام” أصبح حقيقة لغوية شرعية، دلت عليها النصوص الشرعية بصراحة ووضوح. وأما الجانب الشرعي فإن الله أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة، طالباً منهم ترك ما هم عليه من أديان سماوية كانت أم غير سماوية، وأن يتخذوا الإسلام ديناً، فمن استجاب فهو مسلم ومن لم يستجيب فهو كافر، يهودياً كان أو نصرانياً أو مشركاً قال تعالى: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) ومنفكين تعني منفصلين عن الكفر والبينة الإسلام، وقال عليه السلام: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» فالناس جميعاً مطلوب منهم حتى لا يقاتلوا من قِبل المسلمين إما اعتناق الإسلام، وإما الخضوع لأحكامه مع بقائهم على دينهم.

وقال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار»، وقال تعالى: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، فالأدلة التي وردت كثيرة وقاطعة تدل على أن الإسلام هو الدين الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم، وأن الناس جميعهم، وإلى يوم القيامة مدعوون لاعتناق هذا الدين ومخاطبون بأحكامه، فمن اعتنقه فهو مسلم ومن لم يعتنقه فهو كافر قطعاً.

وإن كان من يعتقد أن اليهود أو النصارى أو غيرهم بعد أن بلغهم الإسلام مؤمنون أو مسلمون، أو من أصحاب الجنة فهو كافر وخارج من دين الإسلام، لأنه باعتقاده هذا أنكر نصوصاً شرعية قطعية الثبوت قطعية الدلالة، فعليه أن يرجع عن اعتقاده هذا، ويستغفر الله، وإلا كان كافراً، وكان من أصحاب النار إن مات على ذلك.

وبعد هذا البيان نكون قد أجبنا عن سؤال: من هم المسلمون؟، ومن المقصود بلفظ المسلمون الذي ورد في القرآن الكريم بالنسبة لأتباع الأنبياء. وبذلك تكون الشعارات والدعوات والأفكار والمؤتمرات التي تنادي بوحدة الأديان وبالتقارب بين الأديان وبالأسرة الدولية، ما إلى هجمة من الهجمات التي شنها أعداء الإسلام وعملاؤهم على هذه الأمة، لتشويه أفكرا الإسلام وتمييعها، ولحرف المسلمين عن دينهم الصحيح، بضرب رابطة العقيدة الإسلامية عندهم، وإبدالها بروابط العقيدة منحطة كالقومية والوطنية ورابطة أبناء إبراهيم، وذلك ليسهل ضربهم واحتواؤهم، ومن ثم منعهم من السير قدماً نحو النهضة الصحيحة بإقامة دولة الخلافة التي توحدهم وتأخذ بأيديهم إلى معارج الرقي والقوة، فالله تعالى يقول: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)، ورسوله صلى  الله عليه وسلم يقول: «المسلم أخو المسلم » ولم يرد في أي نص شرعي أن اليهود أو النصارى إخوة للمسلمين، بل قال الله تعالى عنهم: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، فالرابطة القومية أو الرابطة الأسرية كرابطة أبناء إبراهيم مرفوضة شرعاً على اعتبار أنها منظمة لعلاقات الإنسان، ومن أدلة ذلك ما ورد في قصة نوح، عندما طلب من الله أن ينجي له ابنه من الطوفان، قال تعالى: (وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ)، وقال الله عن إبراهيم: (قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)، فرابطة الأسرة التي ربطت نوحاً بابنه، وربطت إبراهيم بذريته لا قيمة لها أمام رابطة العقيدة والمبدأ، فابن نوح ليس من أهله لأنه لم يؤمن بما أنزل الله على أبيه، والظالمون من ذرية إبراهيم الذين لم يتبعوا ما أنزل الله على أبيهم استثناهم من عهده بالإمامة لأنهم ذرية ظالمة وغير صالحة.

فتكون دعوة “أبناء إبراهيم” دعوة عصبية جاهلية نهى الله عنها نهياً جازماً، تحرم المناداة بها، والدعوة لها، وكذلك أي دعوة غير الإسلام، كوحدة الأديان والحضارة الإنسانية والسلام العالمي، فهي دعوات باطلة ومردودة شرعاً.

قال صلى الله عليه وسلم: «كل شيء ليس عليه أمرنا فهو رد» تحرم الدعوة إليه ويجب مقاومته، لأنه ليس من الإسلام، ولأن المقصود منه حرف المسلمين عن دينهم، وعن حمل الدعوة الحقة لاستئناف الحياة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة التي ستطبق الإسلام على رعيتها بالعدل وتحمله مشعل هداية إلى العالم، فتحطم روابط النفعية والجاهلية التي يتبناها الكفار وعملاؤهم ويدعون لها، وتقضي هذه الدولة على نفوذهم ومصالحهم، وعلى آمالهم وتطلعاتهم المحكوم عليها بالزوال، قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)، فالإسلام هو دين الحق الذي وعد الله بتمكينه وإظهاره على الدين كله أي دين الكفر، لأن الأديان كلها مهما تعددت ما عدا الإسلام هي دين واحد، دين الكفر، والإسلام ظاهر عليها والمسلمون منتصرون بإذن الله عن قريب، على يد العاملين المخلصين رغم أنوف الكفار العملاء والمنافقين. (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً).

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *