العدد 98 - السنة التاسعة – محرم 1416هـ – حزيران 1995م

النقد في الاسلام

بقلم: م. خالد عبد الرحمن

لم يسلم جانب من جوانب الحياة إلا وأصابه الخلل وحل فيه البوار بعد غياب حكم الله من على الأرض وزوال سلطان الاسلام من ديار المسلمين، وتفرد المبادئ الوضعية بقيادة العالم، خاصة المبدأ الرأسمالي الذي استطاع أن يطبع العلاقات الدولية والتجارة العالمية بطبائعه، ويحكمها بأحكامه وأنظمته، ومن ابرز ما أحدثه هو إيجاد نظام نقدي مكن الدول الرأسمالية الكبرى من امتصاص دماء الشعوب الأخرى وسلب ثرواتها.

وقد تعرضنا في العدد السابق لواقع الدولار الأميركي الذي هو مثل حي لهذا الواقع، واليوم نعرض لنظام النقد في الاسلام، ذلك النظام الذي يحفظ للبشر حقوقهم وجهودهم، ولا يجعل ثرواتهم تنتقل لأيدي غيرهم إلا بحقها.

وندعو الله عز وجل أن يعجل بذلك اليوم الذي يعود الذهب والفضة فيه نقد دولتنا، كما أمر الله تعالى عباده وارتضى لهم.

عندما جاء الاسلام أقر الرسول صلى الله عليه وسلم تعامل العرب بالدنانير الهرقلية والدراهم الفارسية الفضية كما أقر عليه الصلاة والسلام الأوزات التي كانت توزن بها الدنانير والدراهم، ففي إرواء الغليل للألباني، عن أبي داوود والنسائي والبيقهي وغيرهم، عن طاووي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المكيال مكيال أهل المدينة والوزن وزن أهل مكة».

ومع ان الرسول صلى الله عليه وسلم أقر النقد الذي كانت عليه العرب وصرح بأن الوزن هو وزن أهل مكة ولكنه عليه الصلاة والسلام لم يفرض أياً من الذهب والفضة أو كليهما ليكونا أداة التداول الوحيدة بين الناس ولا المقياس الوحيد للمنفعة، بل ترك الناس أحراراً ليتبادلوا السلع كما شاءوا ويتقاضوا الأجور كما شاءوا فلم يلزمهم بالذهب والفضة دون غيرهماكوسيط للمبادلة بل للانسان ان يبادل السلعة بالسلعة او بالنقد او بالجهد، ولكنه بربطه الذهب والفضة بأحكام النقد يكون قد حدد للناس النقود التي يُتبادل بها وحدد مقدارها، فيكون بذلك قد حدد المقياس النقدي الذي يُرجع إليه في تقدير السلع والجهود.

أول ضرب للنقود في الاسلام:

وفي كتابه الأموال في دولة الخلافة يقول عبدالقديم زلوم… [وقد بقي المسلمون يستعملون الدنانير الهرقلية والدراهم الكسروية على شكلها وضربها وصورها طيلة حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وطيلة خلافة أبي بكر الصديق وأيام خلافة عمر الأولى وفي سنة عشرين من الهجرة وهي السنة الثامنة من خلافة عمر، ضرب عمر دراهم جديدة على الطراز الساساني وأبقاها وأبقى فيها الصور والكتابة البهلوية وزاد عليها كتابة بعض الكلمات بالحروف العربية الكوفية (بسم الله) و(وبسم الله ربي) واستمر المسلمون في استعمال الدنانير على الطراز البيزنطي والدراهم على الطراز الساساني مع كتابة بعض الكلمات الاسلامية بالحروف العربية إلى أيام عبدالملك بن مروان، ففي سنة 75 وقيل 76 من الهجرة، ضرب عبداللملك الدراهم وجعلها على طراز إسلامي خاص يحمل نصوصاً إسلامية نقشت على الدراهم بالخط الكوفي بعد ان ترك الطراز الساساني. وفي سنة 77 من الهجرة ضرب الدنانير على طراز إسلامي خاص، ونقش عليها نصوصاً إسلامية بالخط العري الكوفي وترك الطراز البيزنطي الذي كانت الدنانير عليه. وبعد انضرب عبدالملك بن مروان الدراهم والدنانير على طراز إسلامي خاص صار للمسلمين نقدهم الخاص على طراز إسلامي معين وتخلوا عن نقد غيرهم].

وزن الدينار والدرهم:

وحين ضرب عمر بن الخطاب رضي الله عنه الدرهم الشرعي أبقاه على ما تعارفت عليه العرب من وزن للدرهم وهو الوزن المتوسط للدراهم الساسانية ويزن 14 قيراطاً (2.975 غم) وهو نفس وزن الدرهم الاسلامي الذي ضربه عبدالملك بن مروان وكذلك الدينار الشرعي فوزنه مثقال من الذهب (4.25 غم) وهو نفس وزن الدينار البيزنطي (السوليدوس) الذي كان متداولاً عند العرب ونفس وزن الدراخما.

أحكام شرعية متعلقة بالذهب والفضة:

علق الشارع أحكاماً شرعية بالذهب والفضة، وعند النظر في هذه الأحكام نجد أنها تشمل الذهب والفضة بصفتهما المعدنية، أي كسلعة بها منفعة،وبصفتهما النقدية أي من حيث كونهما مقياساً للسلع والخدمات، ومن هذه الأحكام:

1- الكنز، فقد حرم الاسلام كنز الذهب والفضة، قال تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) والكنز لا يظهر إلا في الأموال النقدية، أما في غيرها من الأموال فيسمى الجامع لها محتكراً، والكنز هو جمعالنقد بعضه فوق بعض لغير حاجة، بخلاف الادخار، فالادخار جمع المال لحاجة وهو جائز، وإن لمس في الادخار حبس للنقد فإن هذا الحبس إنما هو لغرض تجميعه ليصل الحد الكافي للحاجة المجموع لأجلها، كمن يدخر ليتزوج او ليعلم ابنه أو ليبني بيتاً أو ينشئ تجارة، أما الكنز فهو الحبس المطلق للنقد عن التداول. فتحرم الشارع للكنز إنما يفيد النهي عن تجميع النفقد وحبسه لغير حاجة، فيفهم المراد أنه نهي عن كنز النقد، كما أن كنز سبائك الذهب وتبره وكنز سبائك الفضة ونقارها حرام كذلك سبائك الفضة ونقارها حرام كذلك للعموم في الآية، علاوة على أن عين الذهب والفضة وإن لم يكونا مضروبين كانا نقوداً كذلك حين نزل حكم تحريم الكنز.

2- الزكاة، أوجب الشارع الزكاة وقدرها في الأموال النقدية بالذهب والفضة، كما أوجبها في غيرهما من الأموال، وبين نصاب الزكاة في الذهب والفضة وفي غيرهما من الأموال كذلك، فجعل مقدار الزكاة في الذهب والفضة وعروض التجارة ربع العشر، وجعل النصاب في الذهب عشرين ديناراً وفي الفضة مائتي درهم.

3- الدِيَة، عين الشارع مقدار الدية بالذهب والفضة وأموال أخرى « وفي النفس المؤمنة مائة من الإبل وعلى أهل الذهب ألف دينار» وجعلها في الفضة اثني عشر الف درهم.

4- أوجب الشارع القطع في السرقة، وعين المقدار الذي يقع به حكم القطع، فجعله من الذهب ربع دينار وفي الفضة ثلاث دراهم، روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها «لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا» وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قطع سارقاً في مِجَن ثمنه ثلاثة دراهم.

5- جاء الشارع بأحكام للصرف، وجاءت هذه الأحكام بالذهب والفضة دون سواهما من الأموال «بيعوا الذهب والفضة كيف شئتم يداً بيد» والحديث المروي عن البراء بن عازب وزيد بن أرقم رضي الله عنهما يقول: «وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الذهب بالورق ديناً»، والصرف هو مبادلة نقد بنقد، أي أنه معاملة نقدية لا غير.

الأساس النقدي في الاسلام:

بهذا يكون الاسلام قد عين الأساس النقدي وهو الذهب والفضة وقد أباح التبادل بغيرهما غلا أنه جعلهما وحدهما أساس النقد فكان إقراره إقراراً لهما حسب واقعهما آنذاك ولم يأمر باتخاذ غيرهما نقداً ولم يجعل غيرهما مقياساً نقدياً تقاس به السلع والجهود… ولكنه اعتبر الذهب والفضة هماوحدهما المقياس الأساسي لا غير… ومع أن الشارع قد جعل أحكام الدية والزكاة مثلاً بهما وبغيرهما من الأموال فأجاز دفع الدية بالابل وغيرها من الماشية وأوجب الزكاة في الماشية وفي الزروع والثمار، ولكنه في اعتباره للنقد وأحكام الصف لم يتناول غير الذهب والفضة ولم يعتبر بذلك غيرهما من الأموال نقداً.

من كل ذلك يفهم أن الاسلام يُجِيز تبادل الجهود والسلع بما نشاء ويُجيز اتخاذ الذهب والفضة وغيرهما من الأموال العينية والورقية وسيلة للتبادل… ولكنه يشترط في النقد أن يكون الذهب أو الفضة فقط المقياس النقدي أي هما الأساس الذي يرجع إليه في تقييم النقود… وبعبارة أخرى إن النقد في الاسلام إما أن يكون قطعاً معدنية من الذهب أو الفضة، أو أوراقاً نائبة عن مقدار معين من الذهب والفضة.

لا يجوز جعل الورق الإلزامي أساساً نقدياً:

أما النقود الإلزامية المتداولة حالياً في شتى أقطار العالم فإن المقياس النقدي لها هو قوة وهيمنة الجهة المصدرة لهذه النقود. وليس لها قيمة ذاتية في ماهيتها، كما أنه ليس لها قيمة ثابتة بالنسبة للذهب أو الفضة فهذا الواقع هو خروج عن الأصل حسب أحكام الشرع وخروج عن الأصل أيضاً حسب أساسيات الاقتصاد النقدي، وذلك أن اتخاذ نقد غير نائب عن كمية معينة ثابتة من الأموال العينية المقبولة عند الجميع قابل للاستبدال بها في أي وقت، وتعليق الصلاحية والقوة الشرائية لهذا النقد بيد دولة تسيره حسب مصالحها ما هو إلا وسيلة من أقوى وسائل بسط نفوذ هذه الدولة على بقية شعوب العالم.

ولكنه مع ذلك لا يمكن إلا ان يُعتبر نقداً لأنه هو مقياس المنفعة الذي اصطلح الناس عليه واعتادوا على استعماله مقياساً، فهو نقد وتنطبق عليه الأحكام الشرعية المتعلقة بالنقد، إضافة إلى ما سبق ذكره من أحكام شرعية، تُبين أن الشرع عند اعتباره للنقد، إنما اعتبر الذهب والفضة دون سواهما مما يشير إلى أن نقد المسلمين يجب أن يكون الذهب والفضة أساساً نقدياً له، مُقَيماً بهما ومبنياً عليهما، لا على أي أساس آخر فإن اله سبحانه وتعالى يقول: (وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) ومدلول هذه الآية أنه يحرم قطعاً أن يكون لغير المسلمين دالة وسلطان على المسلمين، وإذا جعل المسلمون لغيرهم سلطاناً عليهم فهم آثمون ولا يرتفع عنهم الإثم حتى يقطعوا وسائل تسلط غيرهم عليهم.

ومن أشد وسائل التسلط وقعاً على بني البشر أن يكون مقياس التبادل للسلع والمنافع بينهم، أي نقدهم مرتبطاً بنقد غيرهم، مما يُمكِّن هذاالغير من بسط نفوذه عليهم متى شاء ومن فرض إرادته عليهم متى أراد.

تحقق النقدية في الورق الالزامي:

أما والحال كذلك، حيث قطعت العلاقة النقدية بين الذهب والفضة وبين نقود الأوراق الالزامية المتداولة في عصرنا الحاضر في جميع أقطار العالم كان لزاماً على المسلمين – علاوة على العمل لاعادة ربط نقدهم بالذهب والفضة ربطاً ثابتاً، وتقييم منتاجتهم وثرواتهم بها – أن يحددوا المقادر الشرعي لهذا النقد البديل بالرجوع إلى ما اعتبره الشارع نقداًن وتقييم هذا النقد البديل به، عند إخراج الزكاة ودفع الديات وغير ذلك من الأحكام المحددة مقاديرها بالنقد الشرعي، فمن يملك مبلغاً من المال مقداره ألف دولار مثلاً، وحال عليها الحول، فهل على صاحبنا إخراج زكاة منها أم لا؟

الصحيح أنه إن كانت هذه الألف لا تساوي قيمتها ما يعادل 85 غراماً من الذهب (وهو نصاب زكاة الذهب) أو ما يعادل 595 غراماً من الفضة (وهو نصاب زكاة الفضة) فلا تجب الزكاة فيها، أما إن كانت قيمتها تعادل أو تزيد عن أي من النصابين فعليه إخراج الزكاة منها.

أما القول إنها ليست ذهباً ولا فضة فلا زكاة قيها فإنه قول غير صحيح. نعم هي ليست ذهباً ولا فضة في جنسها، ولكنها تأخذ حكم الذهب والفضة من نقديتها، فهي وسيلة تقييم السلع والمجهودات، ومطلوبة من جميع الأفراد، ومقبولة في إبراء الذمة حتى في شراء الذهب والفضة وما ذلك لذاتها، بل لتمتعها بقابلية الاستبدال بأي مال عيني سواء أكان ذهباً وفضة أم غيرهما، ومن كونها مخزناً للقيمة، فالواقع أنها نقد، واصطلاحاً هي نقد كذلك وبها تقاس الثروة، وما تمتعت بهذه الميزات كلها إلا لكونها نقداً بديلاً عن النقد الذهبي والفضي وقيامها بدوره، فلها مثل حكمه، وإنما رُجِع لما تساويه من ذهب وفضة للتأكج من استيفائها عند وجوبها. وبناء على ذلك فلا يجوز تبادل النقود الورقية إلا مثلاً بمثل ويداً بيد عند اتحاد الجنس ويداً بيد عند اختلاف الجنس، ولا يجوز كنزها وتجب فيها الزكاة، ويقطع فيها السارق ما بلغت النصاب.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *