العدد 98 - السنة التاسعة – محرم 1416هـ – حزيران 1995م

الإسلام والسلام

بقلم: حسام الدين المقدسي

يعد مصطلح السلام من أكثر المصطلحات التي تتداولها ألسنة السياسيين في العالم، والتي تُتخذ أداة – وخاصة من قبل الدول الاستعمارية – لكسب الرأي العالم محلياً ودولياً، ولتبرير أعمال سياسية أو عسكرية معينة يقوم بها هؤلاء حين يتطلب الأمر ومثال ذلك ما يحدث في منطقة الشرق الأوسط، وكذلك تدخل أميركا في الصومال وهاييتي، وتدخل الأمم المتحدة في البلقان، كل هذا باسم إحلال السلام.

من جهة أخرى نسمع كل يوم بعلماء من علماء المسلمين ينطلقون من موقف الدفاع عن الإسلام تجاه الغرب، فيعمدون إلى تزييف الحقائق وليِّ أعناق النصوص الشرعية كي يرضوا الغرب، فيقولون بأن الإسلام دين التسامح والسلام، ثم يشتطون في دفاعهم عن الإسلام فيقدمون التنازلات تلو الأخرى ابتداء بكون الإسلام دين التسامح والسلام والحرية… وانتهاء بالقول إن الجهاد في الإسلام ما هو إلا حرب دفاعية لرد العدوان فقط، مروراً بتعطيل نصوص القرآن والسنة التي تحدد شكل العلاقة بين دولة الإسلام ودول الكفر، وإباحة مصالحة ومسالمة المعتدين المغتصبين لديار الإسلام مثل إسرائيل.

لذلك نأتي بهذا البحث مبينين وجهة النظر الإسلامية في هذا الموضوع، وذلك يقتضي التعرض للنقاط التالية:

1- واقع الإسلام وكونه رسالة للبشرية.

2- نظرة الإسلام إلى العالم وتقسيمه إلى دارين.

3- واقع الجهاد، وهل هو حرب دفاعية أم هجومية.

4- المحور الذي تدور حوله السياسة الخارجية للدولة الإسلامية.

5- متى يتحقق السلام.

1- الإسلام رسالة عالمية:

بعث الله الرسل والأنبياء إلى الناس لإخراجهم من الظلمات إلى النور، فكان كل رسول أو نبي يبعث إلى قوم بعينهم فيدعوهم إلى توحيد العبودية لله تعالى وإفراده بالألوهية حتى جاء خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم فكانت رسالته عامة لكل بني البشر (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً)، وقد احتوت بالإضافة إلى العقيدة أو وجهة النظر في الحياة نظاماً ينظم شؤون البشر بصفتهم أناساً ليس غير، ويشمل ذلك تنظيم علاقة الإنسان مع ربه وتنظيم علاقة الإنسان مع نفسه وتنظيم علاقة الإنسان مع غيره.

فهو نظام حياة شامل كامل لا ينقصه شيء ولا يفوته أمر.

يقول تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) النحل:89. وعلى أساس هذا الفهم ابتدأ الرسول صلى الله عليه وسلم دعوته في مكة المكرمة، وأخذ يتنقل بين القبائل حاملاً عبء هذه الدعوة وإيصالها إلى الناس، ملاقياً في سبيلها أشد الأذى حتى قيض الله له المدينة المنورة فأقام فيها الدولة الإسلامية وبدأ بتطبيق الإسلام عملياً في الداخل وعمل على إيصال الدعوة الإسلامية إلى بقاع أخرى بطريقة حددها الشرع وهي الجهاد فكان هو الطريقة العملية التي تزيل الحواجز المادية التي وقفت على وجه الدعوة فأقبل الناس على الإسلام أفواجاً، وفي فترة زمنية قياسية بلغ الإسلام ودولته مشارق الأرض ومغاربها.

2- انقسام العالم دارين:

في اللحظة التي أعلنت فيها الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، ومباشرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أعماله بصفته رئيس الدولة انقسم العالم إلى دارين دار إسلام ودار كفر.

ورد في الكتاب الذي كتبه الرسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار: «هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين المسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أنهم أمة واحدة من دون الناس»، فالرسول صلى الله عليه وسلم وضع المسلمين جميعاً في جهة ووصفهم أنهم أمة واحدة، وجعل كل من يتبعهم ويلحق بهم ويجاهد معهم جزءاً من هذه الأمة التي تعيش في ظل دار الإسلام، ووضع غيرهم في جهة أخرى.

وعلى ذلك فمفهوم دار الإسلام ودار الكفر وجد منذ زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كانت التسمية وضعت بعد ذلك كما يذكر بعض الكتاب، إلا أن هؤلاء أغفلوا الحديث الطويل الذي رواه سليمان بن بريدة وأخرجه مسلم وأحمد وأصحاب السنن والذي ورد فيه «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً… ثم يقول: وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال فأيتهم ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكيف عنهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين »، فالرسول سمى دار الإسلام دار المهاجرين وميزها عن الدار الأخرى وهذا دليل آخر يرد على بعض المعاصرين الذين قالوا إن العالم دار واحدة وإن التقسيم لا أساس له في الشرع، أو أنه من صنع فقهاء القرن الثامن الهجري من أجل ترتيب بعض الأحكام الشرعية في المعاملات ونحوها، أو القول بأن: (الإسلام يلتقي والقانون الدولي في اعتبار الدنيا داراً واحدة وأن الحرب أمر عارض يقيم حالة عداء مؤقت بين البلدين فإذا انتهت الحرب زالت معها هذه الحالة)!

والخلاصة أن العالم انقسم إلى دارين:

دار إسلام تحكم بأحكام الإسلام وأمانها بأمان المسلمين فيها، ودار حرب أو دار كفر وهي التي فقدت أحد أو كلى شرطي دار الإسلام.

وقد ذهب بعض الفقهاء إلى اعتبار دار ثالثة هي دار العهد والتي عرفت بأنها البلاد التي يستولي عليها المسلمون صلحاً مع بقاء الأرضين لأهلها الكفار [الأحكام السلطانية]. والواقع أنها جزء من دار الإسلام ما دام المسلمون قد استولوا عليها وصارت تحت سلطانهم، أما إذا أريد بدار العهد الدول التي ترتبط مع الدولة الإسلامية بمعاهدات فإنها تكون دار كفر أو دار حرب.

3- الجهاد… دفاع أم هجوم:

كما ذكرنا آنفاً فإن الإسلام جاء للبشرية جمعاء، ولذلك كان واجب المسلمين حمل هذه الرسالة إلى أمم الأرض وإيصالها لهم، إلا أن الله تعالى حدد للمسلمين الطريقة التي توصل بها الدعوة الإسلامية إلى الأمم والشعوب الأخرى وهي الجهاد وأناط بالدولة الإسلامية هذه المهمة فكلفها بحمل الدعوة الإسلامية إلى الخارج بالجهاد والذي عرف بأنه بذل الوسع في القتال في سبيل الله مباشرة أو معاونة بمال أو رأي أو تكثير سواد أو غير [حاشية در المختار لابن عابدين].

والجهاد فرض بنص القرآن الكريم، فوظيفة الدولة تقتضي إزالة كل حاجز مادي يقف حائلاً دون هذه الدعوة، بقوة مادية قادرة على إزالته. وتتضح لنا هذه الوظيفة عند مراجعة آيات القتال التي نزلت بعد إقامة الدولة والتي أمرت المسلمين بمبادأة الكفار والمشركين بالقتال، ومن ذلك قوله تعالى: (وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّة) وقوله: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه) وقوله: (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ)، وكذلك ما رواه الشيخان عن عبد الله بن عمر قال: قال صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى». فهذه الآيات وغيرها وأحاديث نبوية كثيرة حضت على القتال بل وعلى المبادرة به أيضاً، هذا بالإضافة إلى فعل الرسول صلى الله عليه وسلم حيث كان يبعث الكتب إلى الملوك ورؤساء الدول والقبائل يدعوهم بها إلى إحدى ثلاث إما الإسلام أو الجزية أو السيف، أيضاً تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم عندما استقر الوضع في المدينة المنورة حيث بدأ يعد القوة والجيش لحمل الدعوة خارج المدينة، وقام في أول الأمر بأعمال تعتبر حركات مقصودة، فأرسل خلال أربعة أشهر ثلاث سرايا من المهاجرين يتحدى بها قريشاً، ثم ما تلا ذلك من غزوات ومعارك. أيضاً ما قام به الصحابة رضوان الله عليهم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث بادؤوا فارس والروم بالقتال وهاجموهم في عقر دارهم.

أما ما استدل به القائلون بأن الجهاد حرب دفاعية فلا أساس له من الصحة فهم يستدلون بقول الله تعالى: (وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا) وقوله تعالى: (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ) وقوله تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ)، فهذه الآيات وغيرها من التي قيدت مشروعية قتال الكفار بكونهم معتدين لا تصلح أن تخصص عموم آيات سورة التوبة التي ذكرناها آنفاً ولا أن تقيد مطلقها لأنها كلها نزلت قبل آيات التوبة، والمتقدم لا يخصص المتأخر ولا يقيده، إذ التخصيص بمثابة نسخ لجزء من العام والناسخ يشترط أن يكون متأخراً عن المنسوخ. وآيات التوبة من آخر ما نزل في الجهاد فلا يتأتى التخصيص، وما قيل في التخصيص يقال في التقييد فلا بد من نص يخصص أو يقيد ويكون متأخراً عن النص المطلق أو العام أو مصاحباً له حتى يكون مخصصاً أو مقيداً له أو حتى يحمل أحدهما على الآخر، وعليه يسقط الاستدلال بهذه الآيات، فيبقى العام على عمومه والمطلق على مطلقه لعدم وجود نص يقيد أو يخصص.

ولذلك فالجهاد هو قتال الأعداء مطلقاً وبشكل عام سواء أكان حرباً هجومية أو دفاعية أو وقائية أو غيرها.

أما آية (وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَ) فموضوعها هو الصلح وليس الحرب، ولا مكان لها في الاستدلال على أن الحرب دفاعية في الإسلام.

أيضاً فإن المتأمل في الآيات القرآنية يجد أن سبب جهاد الكفار هو كفرهم، يقول تعالى: (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)، فالأمر يدل على أن قتالهم هو لوصف الكفر، أي قاتلوهم لأنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر…، أما دفع الجزية فهو سبب لوقف القتال وليس سبباً للقتال.

4- حمل الدعوة هو المحور الذي تدور حوله سياسة الدولة الإسلامية الخارجية:

يتضح من كتب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الملوك، ومن تجهيزه جيش أسامة إلى تخوم الشام لغزو الروم، وإصراره على ذهاب الجيش رغم مرضه الأخير الذي توفي فيه أن الدعوة إلى الإسلام هي أساس العلاقة بين الدولة الإسلامية وبين أي دولة في العالم. وقد ذكرنا في بداية البحث أن طريقة الإسلام في إيصال الدعوة الإسلامية إلى الآخرين هي الجهاد، وهذه الطريقة مستوحاة من نصوص القرآن والسنة التي أمرت بالمبادأة بالقتال.

وهذا الأساس يقتضي تجهيز الجيوش والإعداد للقتال، حتى إذا سنحت الفرصة لقتال من لم يستجيبوا لدعوة الإسلام بعد تبليغهم إياها على وجه يلفت النظر، كانت هذه القوة معدة للجهاد.

وقد اعتبر بعض المعاصرين أن أصل العلاقة بين الدولة الإسلامية والدول الأخرى هي السلم وليس الحرب، قائلين: (أما الأمة غير الإسلامية التي لم تبدأ المسلمين بعدوان ولم تعترض لدعاة الإسلام… فهذه لا يحل قتالها ولا قطع علاقتها السلمية)، ويعتبرون أن العالم دار واحدة وليس دارين ما لم تنشأ الحرب، فيقولون (دار الحرب هي الدار التي تبدلت علاقتها السلمية بدار الإسلام بسبب اعتداء أهلها على المسلمين أو على بلادهم أو على دعوتهم أو دعاتهم)، أما الجهاد فيعتبره معظمهم حرباً دفاعية لرد العدوان والمعتدين ليس غير، وبعضهم أجاز القتال في حالة منع المسلمين من إيصال الإسلام إلى الناس بالطرق السلمية. وقد فصلنا ذلك في مسألة انقسام العالم إلى دارين ومسألة الجهاد.

واستدل هؤلاء على أن أصل العلاقة هو السلم وليس الحرب بالآيات التالية:

قوله تعالى: (وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا) قيل أنها نسخت بآية السيف، والصواب أنها لم تنسخ لأن كل حالة في الآيتين تختلف عن الأخرى فقوله تعالى: (وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ) تعني في حالة الصلح، وقوله: (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ) في حالة الحرب والقتال. والآية تدل على جواز المسالمة وترك الحرب إذا مال الكفار إلى ذلك إما بالدخول في الإسلام أو بدفع الجزية أو بالموادعة حسب شروطها، ولا تدل على أن الأساس هو السلم، لأن قوله: (وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ ) تدل على أن الحالة حالة حرب لأن الجنوح يعني الميل.

وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) والمقصود بالسلم هنا هو الإسلام، وقد أخرج ابن جرير وابن حاتم عن ابن عباس قال: السلم: الإسلام، والزلل ترك الإسلام [فتح القدير للشوكاني ج1 ص211]، وكلمة الزلل وردت في الآية التي بعدها حيث يقول تعالى: (فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، مما يؤكد أن المقصود ليس الصلح وإنما الإسلام وهو خطاب للمسلمين، وقيل أيضاً يعني مؤمني أهل الكتاب.

وقوله تعالى: (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً) والمقصود بـ (وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ) أي: استسلموا لكم وانقادوا [الطبري 9/32].

وقوله تعالى: (وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) ومعنى السلام هنا هو إما الاستسلام أو الإسلام أو إلقاء التحية، وسبب النزول يذكره الشوكاني في فتح القدير ناقلاً عن البخاري وغيره عن ابن عباس قال: لحق ناس من المسلمين رجلاً معه غنيمة له فقال السلام عليكم فقتلوه وأخذوا غنيمته، فنزلت (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ… ) الآية.

فهذا هو مجموع ما استدل به القائلون بأن الأصل في العلاقة بين دار الإسلام ودار الكفر هو السلم، ومن بحثها يتبين أنها كلها لا تنهض دليلاً على قولهم، والملاحظ على القائلين بهذا الرأي إما أنهم متأثرين بالحضارة الغربية عامة والقانون الدولي خاصة وإما أنهم لم يميزوا بين كون العلاقة هي حمل الدعوة والذي يقتضي الجهاد وبين عدم الإكراه على اعتناق الإسلام ويظهر ذلك من استدلال بعضهم بقوله تعالى: (لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ @ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) والمقصود بالآية أن الله سبحانه لا ينهى عن بر أهل العهد من الكفار الذين عاهدوا المؤمنين على ترك القتال وعلى أن لا يظاهروا الكفار عليهم ولا ينهى عن معاملتهم بالعدل، أما الذين عاونوا الذين قاتلوكم على ذلك وهم صناديد قريش فلا يجوز معهم ذلك [فتح القدير ج5 ص213]، فالآية تحدد للمسلمين تصرفهم مع من يعاهدهم من الكفار، ويقولون (وهذا بين في كثير من أي الكتاب – ومن ضمنها هذه الآية – وأصول الدين ما يعزز هذه الروح السلمية ويبعد أن يكون الإسلام أسس علاقات المسلمين بغيرهم على الحرب الدائمة وأن يكون فرض الجهاد وشرع القتال على أنه طريق الدعوة إلى الدين لأن الله نفى أن يكون إكراه على الدين، وأنكر أن يكره الناس حتى يكونوا مؤمنين (أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ).

فاختلط الأمر عليهم ولم يدركوا أنه لا علاقة بين عدم إكراه الناس على اعتناق العقيدة الإسلامية وبين الجهاد الذي شرع لتحطيم القوى المادية التي تحول بين الإسلام وبين الشعوب والأمم لتعيش تحت ظل حكم الإسلام العادل، أما الأفراد فيتركون وما يعبدون ولا يتم إكراههم على دخول الإسلام.

وخلاصة الأمر أن هناك دار الإسلام ممثلة في الدولة الإسلامية، والتي كلفها الشرع بحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم عن طريق الجهاد، ودار الكفر الممثلة في الدول الأخرى والتي إما أن تكون محاربة فعلاً (مثل روسيا وصربيا حالياً) أو محاربة حكماً أو بيننا وبينها معاهدات تعود إلى كونها محاربة حكماً بمجرد انتهاء هذه المعاهدات. ودار الإسلام تلك تعمل على تحويل البلاد الواقعة في دار الكفر إلى أن تصبح جزءاً من دار الإسلام وذلك بإخضاعها لسلطان الإسلام بتطبيق نظام الإسلام عليها وجعل أمانها أيضاً من أمان المسلمين مع ترك أهل البلاد وما يعبدون وما يعتقدون لا إكراه ولا إجبار.

وعملية التحويل هذه من دار كفر إلى دار إسلام هي الأساس الذي تسير عليه الدولة الإسلامية أثناء حملها الدعوة الإسلامية إلى الآخرين لأن حكم الله يجب أن يعم الأرض كلها، فقد روى أحمد عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري». وهذا الأمر في كل الأحوال لا يمكن أن يجعل أصل العلاقة بين دار الإسلام ودار الكفر هو السلام، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» والناس هنا اسم جنس محلى بأل فيشمل كل الناس، وقوله: «أقاتل الناس» لأنهم كفار، وهذا يدل على أن العلاقة هي علاقة حمل دعوة عن طريق الجهاد.

والكيفية التي يتم بها تحويل بلاد الكفر إلى جزء من دار الإسلام قد بينها الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه بريدة حيث يقول صلى الله عليه وسلم: « ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونوا كأعراب المسلمين يجري عليهم الذي يجري على المسلمين ولا يكون لهم في الفئ والغنيمة شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن أبوا فلهم الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، وإن أبوا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم».

فهذا الحديث يبين أن التحول من دار الكفر إلى دار الإسلام لا بد منه، وهذا يتم إما مع إسلامهم أي الكفار، أو مع دفعهم الجزية، أو بعد قتالهم. وفي النهاية لا بد من التحول إلى التحويل وإخضاع البلاد لأحكام الإسلام.

وهذا الاستدلال بأن أصل العلاقة بين دار الإسلام ودار الكفر هي علاقة حمل الدعوة لا يعني بالضرورة إشعال نيران الحروب دوماً وباستمرار مع دول العالم جميعها، ولا يفهم منه أن الإسلام دموي يدعو إلى سفك الدماء وقتل الأرواح لأن الصراع الدموي يلجأ إليه فقط لإزالة الحواجز المادية بين الدعوة الإسلامية وبين الشعوب والأمم من أجل تطبيق الإسلام عليها لتجرب عدل هذا الدين الإلهي عملياً فتدخل في دين الله أفواجاً بعد أن تعذر ذلك على الدولة الإسلامية بدون القتال. وقد لا تتمكن الدولة الإسلامية من خوض الحرب مع جهة أخرى معينة لعدم توفر الظرف المناسب لهذا الأمر أو لانشغال الدولة في ميدان آخر، بل قد تضطر الدولة لإيقاف القتال لظرف من الظروف، وهذا كله يتم تنظيمه عن طريق اتفاقيات تعقدها الدولة مع غيرها مثل معاهدات حسن الجوار ومعاهدات الصداقة ومعاهدات الهدنة ومعاهدات اقتصادية وتجارية ومالية وثقافية حسب ما أباح الشرع، وهذا مما جعله الشرع من صلاحيات خليفة المسلمين يختار ما يراه في صالح الدعوة الإسلامية التي هي الأساس في التعامل مع الدول الأخرى.

5- متى يتحقق السلام:

إن الأمة الإسلامية أمة مبدأ يحمل في طياته السعادة للبشرية والهناء والاستقرار، وهذه الأمة مكلفة بإيصال هذا المبدأ إلى الناس، فلا يعقل أن أمة عريقة كهذه تحمل عبء إسعاد البشرية وتحريرها من عبودية غير الله، ومبدأ عظيم كهذا ينظم حياة البشر بالعدل ويجلب لهم الخير لا يعقل أن يكون في طبيعتها أو في طبيعته سفك الدماء وإزهاق الأرواح ولا يعقل أن يكون الإسلام هو الذي يجر على البشرية ويلات الحروب.

إن السلام لا يتحقق إلا إذا تحقق العدل بين البشر وهذا العدل لن يتحقق في يوم من الأيام طالما ساد العالم أنظمة تخالف فطرة الإنسان، ودول تنطلق من دوافع غريزية بحتة لا من فكرة كلية عن الكون والإنسان والحياة تظهر في صحيح سياستها.

والسلام العالمي ليس مشكلة العالم بل المشكلة هي في سيطرة الدول الاستعمارية علية والتي تعمل على استغلال الشعوب وإشعال الحروب وإيجاد المشاكل الدولية لتركز سيطرتها على العالم فتخلف الشقاء والتعاسة للإنسانية.

إن السلام لن يتحقق على مستوى إقليمي أو دولي أو عالمي إلا إذا وجد كيان يتمثل في دولة تقوم على الإسلام وتعمل على اعتلاء مركز الصدارة والقيادة للعالم، وتحمل رسالة الخير للبشرية جمعاء وتقودها إلى ما فيه خيرها.

فعلى الأمة الإسلامية وهي التي تحمل نور الهدى أن تفكر في إنقاذ العالم مع إنقاذ نفسها لتخرجه من الظلمات إلى النور، ومن القهر والإذلال والاستعباد إلى العز والسعادة والسلام.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *