العدد 98 - السنة التاسعة – محرم 1416هـ – حزيران 1995م

الصديق أبو بكر رضي الله عنه

بلغت شخصية الصديق رضي الله عنه من الكمال ما جعلها مثالاً صادقاً ومرآة جلية للشخصية الإسلامية في أرقى منازلها وأبه صورها، والمتأمل في بعض الوقائع من حياته رضي الله عنه يلمس كيف كانت استجابته لأمر الله انقياداً تاماً، وعطاؤه لدعوة الله خالصاً غير منقوص، حتى لكأنما قول ابنته أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها في وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان قرآناً يمشي على الأرض» يعبر أيضاً عن حال أبيها.

فهو كما رأينا في العدد الماضي تلبس بحمل الدعوة للإسلام بمجرد اعتناقه له، وهدى الله على يديه الصفوة من السابقين الأولين، ولم يدخر جهداً ولا مالاً في رفع المعاناة عن المستضعفين من المسلمين، ولم يأبه لقريش وصدها وأذاها له، وحين دخل في جوار ابن الدغنة لم يذعن لطلبه الذي طلبته من قريش ورد جواره عليه، ولجأ إلى جوار العزيز الحميد.

وظل أبو بكر رضي الله عنه مصاحباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أجلِّ الأعمال وأخطر المراحل التي مرت بها الدعوة وتأسيس الدولة، فحين تجمد المجتمع في مكة أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصبحت الدعوة تراوح في مكانها انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يضيف لأعماله السابقة عملاً جديداً يستهدف به كسر ذلك الجمود الذي لقيه في مكة حتى يتمكن من إبلاغ رسالة ربه لتحكم الحياة الدنيا، فبدأ في دعوة أهل القوة والمنعة من قبائل العرب للإسلام ولنصرته حتى يبلغ عن الله رسالته، ولم يكن أبو بكر ليغيب عن رسول الله في هذا العمل الجليل، خاصة وأن الله قد وهبه ميزة المعرفة الدقيقة لقبائل العرب وأنسابها فضلاً عن حسن سيرته لديها، لذا فقد صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أثناء عرضه نفسه على القبائل.

جاء في الروض الآنف للسهيلي:

[ذكر قاسم بن ثابت والخطابي عرضه نفسه على بني ذهل بن ثعلبه ثم على بني شيبان بن ثعلبه… قال: ثم دفعنا على مجلس آخر عليهم السكينة والوقار، فتقدم أبو بكر فسلم، قال علي: وكان أبو بكر مقدماً في كل خير، فقال: ممن القوم، فقالوا: من شيبان بن ثعلبة، فالتفت أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بأبي أنت وأمي هؤلاء غُرر في قومهم، وفيهم مفروق بن عمرو وهانئ بن قبيصة ومثنى بن حارثة والنعمان بن شريك وكان مفروق بن عمر قد غلبهم جمالاً ولساناً وكانت له غديرتان تسقطان على تريبتيه وكان أدنى القوم مجلساً من أبي بكر، فقال له أبو بكر: كيف المنعة فيكم، فقال مفروق علينا الجهد ولك قوم جد، فقال أبو بكر: كيف الحرب بينكم وبين عدوكم، فقال مفروق: إنا لأشد ما نكون غضباً حين نلقى وإنا لأشد ما نكون لقاء حين نغضب وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد والسلاح على اللقاح والنصر من عند الله يديلنا مرة ويديل علينا، لعلك أخو قريش، فقال أبو بكر: أوقد بلغكم أنه رسول الله فها هو ذا، فقال مفروق: قد بلغنا أنه يذكر ذلك فإلى ما تدعو إليه يا أخا قريش؟….].

في هذا الموقف تتجلى الاستنارة في التفكير لديه رضي الله عنه، فقد كانت أسئلته موجزة العبارة دقيقة الصياغة متوجهة على الموضوع الذي يستهدفه السعي إليهم، مما يدل على وضوح الغاية لديه رضي الله عنه، ورده على مفروق بن عمرو بقوله: [أوقد بلغكم أنه رسول الله] يظهر سرعة بديهته رضي الله عنه، فكأنه يريد أن يجعل ذلك مسلمة بديهية لدى بني شيبان في الوقت الذي تتنكر قريش لذلك، ليجعل من ذلك أساساً للحوار معهم لعل ذلك يجعل قبولهم لطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم سهلاً ميسورا.

وواصل أبو بكر رضي الله عنه عطائه وبذله حتى قضى الله له بأن يصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في هجرته على المدينة ليباشر بناء دولة الإسلام ويجعل دين الله متحكماً في الحياة كما تحكم في نفوس المهاجرين والأنصار، وفي الهجرة تتجلى عظمة أبي بكر في أروع صورة، فلم يدخر جهداً لإنجاح الهجرة، فسخر لها ليس فقط ذاته، بل أهله وماله وداره وخادمه، ولنتأمل معاً في أحداث الهجرة كما رواها ابن إسحاق لنرى كيف يكون عطاء المسلم لدعوته وكيف يكون تقديم الله ورسوله على النفس والمال والولد والعشيرة والمتاع.

قال ابن إسحاق: [فلما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج، أتى أبا بكر بن أبي قحافة، فخرجا من خُوْخة لأبي بكر في ظهر بيته، ثم عمدا على غار بثور -جبل أسفل مكة- فدخلاه، وأمر أبو بكر ابنه عبد الله بن أبي بكر أن يتسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره، ثم يأتيهما غ أمسى بما يكون في ذلك اليوم الخبر، وأمر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهاره ثم يريحها عليهما، يأتيهما إذا أمسى في الغار. وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما].

هكذا يكون البذل، كل ما يملك وكل من له عليه سلطان، مع تفكير مستنير وإبداع سياسي في الأخذ بالأسباب، فقد خرج من ظهر البيت، وهو يجمع المعلومات عما يدور بقريش ويسخر ابنه لذلك، ويأمر خادمه أن يُسَير الغنم لمحو آثار سيرهما، ويدبر أمر الزاد من حيث تحضر ابنته أسماء الطعام لهما في الغار.

أما تقديمه رسول الله على نفسه، واستعداده للتضحية بنفسه لدفع أي أذى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فترويه لنا الرواية التالية: قال ابن هشام: [وحدثني بعض أهل العلم أن الحسن بن أبي الحسن البصري قال: انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه ليلاً، فدخل أبو بكر رضي الله عنه قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمس الغار، لينظر أفيه سبع أو حية، يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه].

ويقول ابن إسحاق: [فلما قرب أبو بكر رضي الله عنه الراحلتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم له أفضلهما، ثم قال: اركب فداك أبي وأمي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لا أركب بعيراً ليس لي، قال: فهي لك يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، قال: لا، ولكن ما الثمن الذي ابتعتها به؟ قال: كذا وكذا، قال: قد أخذتها به، قال: هي لك يا رسول الله. فركبا وانطلقا، وأردف أبو بكر الصديق رضي الله عنه عامر بن فُهيرة مولاه خلفه، ليخدمهما في الطريق].

يتجلى هنا أيضاً مدى إيمان أبي بكر وتوكله التام، إذ لم يفكر في ذريته التي خلفها، فهو يدرك أن الله الحي الذي لا يموت يكفلهم، والرزق بيده وحده سبحانه، ويدرك أن الدار الآخرة هي الحيوان، وأن التقوى هي خير زاد يتركه خلفه، فلم يتردد في حمل كل ماله معه، فالمهمة الأولى والغاية الكبرى التي وهب لها كل شيء هي نصرة الدعوة.

قال ابن إسحاق: فحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير أن أباه عبادا حدثه عن جدته أسماء بنت أبي بكر قال: [لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج أبو بكر معه، احتمل أبو بكر ماله كله، ومعه خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف، فانطلق بها معه. قالت: فدخل علينا جدي أبو قحافة، وقد ذهب بصره فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه. قالت: قلت: كلا يا أبت! لأنه قد ترك لنا خيراً كثيراً. قالت: فأخذت أحجاراً فوضعتها في كوة في البيت، التي كان أبي يضع ماله فيها، ثم وضعت عليها ثوباً، ثم أخذت بيده، فقلت: يا أبت، ضع يدك على هذا المال. قالت: فوضع يده عليه، فقال: لا بأس، إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم. لا والله ما ترك لنا شيئاً، ولكني أردت أن أسكن الشيخ بذلك].

نلمح أيضاً من خلال هذه المواقف الجو الإيماني الذي ساد في دار أبي بكر والذي نشأت فيه تلك الذرية الصالحة المباركة، فقد كانت استجابة أبناء أبي بكر وقيامهم بما كُلفوا به مطلقة تكشف عن معدنهم وعن معدن أبيهم.

لقد كّرَّم الله سبحانه وتعالى أبا بكر جزاء لذلك الموقف العظيم بإثبات صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أي الذكر الحكيم حيث قال تعالى: (إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).

هذه هي صورة خاطفة لأبي بكر حامل الدعوة قبل قيام دار الإسلام.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *