العدد 98 - السنة التاسعة – محرم 1416هـ – حزيران 1995م

بريد القراء: العقلية الرأسمالية ومدى سيطرتها على أذهان المسلمين

إن نظرة بسيطة لعامة المسلمين تجعلنا نفهم أن المسلم فقد مقياس الحلال والحرام لأعماله وعوضه بمقياس المنفعة أو المصلحة كما تصورها الحضارة المادية، وكذلك مفهوم السعادة لم يعد ذلك الذي يحقق نوال رضوا الله سبحانه وتعالى بل عوض بما صورته حضارة الغرب من أنه تحقيق لأكثر ما يمكن من متع وملذات وإشباع لأكثر ما يمكن من رغبات وهي دائماً مادية، وهذا ما جعل الناس يجرون وراء مصالح آنية أنانية ويهملون مطالب مبدئية، بها يتم انتشالهم من حالة التردي والضياع، وفيها حياتهم الحقة، وجعلت الفقهاء يعللون الأحكام ويقيسونها بما يكمن فيها من منافع ومضار، وهكذا أصبحت الأخيرة أسباباً لكثير من الأحكام… ولم تعد المصالح شرعية أي يعينها الشرع بل يعينها العقل والأهواء.

من المعلوم أن العقلية هي الكيفية التي يجري على أساسها عقل الأشياء أي هي الكيفية التي بها نعقل الأشياء وتتكون لنا بها الأفكار ومن خلالها نطلق الأحكام على الأشياء والوقائع والأحداث، وبعبارة أوضح هي الكيفية التي يجري على أساسها تكون المفاهيم والمقاييس والقناعات عند الناس.

ومن المؤسف حقاً أن نعترف بأن الأساس الذي يجري عليه التفكير عند المسلمين وبه تتكون وجهة نظرهم في الحياة وعنه تتفرع مفاهيمهم ومقاييسهم وقناعاتهم ليس هو العقيدة الإسلامية،وإنما الواقع الحاصل أن المسلمين عامة والعلماء والمفكرين والسياسيين خاصة لديهم عقلية رأسمالية: أي يفكرون ويكونون الآراء ويطلقون الأحكام ويكونون وجهة نظرهم وينظرون للأشياء والوقائع والأحداث من زاوية ليست هي زاوية الإسلام.

وبعد هذا من أبرز النجاحات التي توصل الغرب لتحقيقها. ولا أدل على ذلك من تفشي الرضا بالحلول الوسطى وبأنصاف الحلول، ومن نزوع للترقيع والإصلاح، ومن معالجة للنتائج دون أسبابها ومظاهر الأزمات دون حقيقتها ومن تصدي لمعالجة القضايا الفردية مع إهمال شبه مطلق لقضايا المجتمع ولقضايا الأمة ومنها قضاياها المصيرية، وحتى القضايا الفردية فإنها لا تعالج كلية، ولإهمالهم للمكونات الأساسية لشخصية الإنسان وتركيزهم على جوانب هامشية.

وهذا المنطق النفعي حدا بالحركات ومنها التي تدعي العمل للإسلام الركض وراء تحصيل مكاسب حزبية على حساب ما يطلبه المبدأ وهذه قاعدة مشهورة عند الرأسماليين بقاعدة خذ وطالب.

وهذا المنطق النفعي حدا بالحركات ومنها التي تدعي العمل للإسلام الركض وراء تحصيل مكاسب حزبية على حساب ما يطلبه المبدأ وهذه قاعدة مشهورة عند الرأسماليين بقاعدة خذ وطالب.

وهذا المنطق النفعي نتج عنه بُعد هذه الحركات عن المبدأ وعدم تحقيق حتى هذه المطالب الآنية الأنانية العاجلة، والنتيجة أنها فقدت مصداقيتها ببعدها عن المبدأ، وخدعوها بتحقيق مطالب لن تتحقق لها.

أيضاً فإن المجتمع في بلاد المسلمين لم يعد يهتم بتحقيق كل القيم التي يحتاجها وتضمن رفعته ورقية، بل اتبع خطى الغرب الذي جعل القيمة المادية وحدها هي الأساس وأهمل القيم الأخرى بانصباب اهتمامه على تحقيق رغبات الناس وشهواتهم بما أن ذلك يحقق سعادتهم، حتى ولو كانت هذه الرغبات غير مشروعة.

وهكذا ظهر في مجتمع المسلمين عدم الاهتمام بما يجب أن يكون عليه مجتمعهم من رفعة وسمو ومن علاقات راقية، فبرز بينهم البغاء ودور المجون ونشطت تجارة المخدرات والخمور، وأصبحت السياحة من المقومات الأساسية لاقتصادهم.

وما دام عامة الناس وعلماؤهم ومفكروهم وقادة حركاتهم وأحزابهم يجرون على هذا المنطق النفعي وحبيسي هذه العقلية الرأسمالية، فإنه لا ينتظر نهضة ولا أمل في تحرر من كل أنواع التبعية والاستعمار ولا في اقتعاد الأمة المكانة التي يجب أن تتبوأها بين الأمم.

أليست العقلية التي زرعها الكفار هي التي جعلت الناس على هذه الحال؟ ولماذا تركت الأمة واجب الجهاد وأصبحت تتبع ذليلة خطى الغرب وتسلم له بحل قضاياها، ورضيت بأنواع التبعية والاستعمار وبسيادة الكفر تطبق على كل نواحي حياتها.

أليس ذلك لأن عقليتها والزاوية التي ينظر منها للأحداث والوقائع لم تكن الإسلام وإنما عقلية الكفر، ولماذا تفشت الأنانية الفردية والرابطة القبلية العشائرية ورابطة الوطن والإقليم والرابطة القومية واستعيض بها عن رابطة المبدأ؟ وحتى الحركات العاملة للإسلام ظلت حبيسة هذا المفهوم الضيق، إذ أنها رغم ادعائها عالمية الإسلام إلا أنها ظلت حبيسة المنطق الوطني أو القومي، بل أصبحت على الغالب حركات وطنية تدين بالولاء للأوطان ولا تستمد فكرها ومنهجها في التغيير من المبدأ، بل تعمد إلى لوي أعناق النصوص وإلى التلفيق الفقهي حتى يوافق مذهبها الواقعي.

أليس ذلك تأثراً بمنطق النفعية؟

ولماذا فقد الناس التصور للقضايا المصيرية وفقدوا الحمية في الدفاع عن عقيدتهم ومقدساتهم وأعراضهم وأموالهم؟ ولماذا رضوا واستسلموا للكفر والنفاق والفسق والمجون والزندقة تتفشى فيهم وركنوا لأوضاعهم المزرية؟ لماذا يستبعدون الإسلام عن مشاكل الحياة وعلاقات المجتمع وينفون عنه رعاية الشؤون بل تراهم ينفون عنه السياسة ويزدرون العمل السياسي ويمتنعون عن محاسبة حكامهم والتغيير عليهم وتغييرهم، بل بالعكس نجدهم يسوقونهم سوقاً كالخرفان؟ لماذا يصرون على جعل عقيدتهم عقيدة روحية ويصرون على استبعاد كونها عقيدة سياسية؟ ولماذا يفصلون بين الحياة وما قبلها وما بعدها؟ ويفصلون بين الدين والحياة كأن هذه الحياة ليست مخلوقة للخالق وكأن بعد هذه الحياة ليس هناك حساب!

إن سيطرة العقلية الرأسمالية على أذهان الحركات والأحزاب ومنها الإسلامية هي التي جعلتها تنظر للمجتمع على أنه مكون من أفراد، ولذلك فإن صلاح المجتمعات لا يكون إلا بإصلاح أفرادها، فتوصلوا إلى تغيير المجتمعات بتغيير أفرادها وهذه النظرة لم ينج منها لا الفقهاء ولا المفكرون ولا السياسيون.

فبرامج تغيير المجتمعات هي نفسها برامج تغيير الأفراد ولذلك لا نجدها تتبنى أحكام الأنظمة المتعلقة بالمجتمع بل تعتمد على أحكام تربوية كتهذيب الأخلاق وتنقية الروح من النوازع المادية، والتكوين الجسماني وتنمية الأجساد، وبهذا تتوصل إلى تغيير المجتمعات، وحتى إذا ما ادعت أنها تملك بدائل للواقع الفاسد فالأمر لا يعدو أن يكون أنظمة غربية مشوهة وملفقة، وحتى منظرو هذه الحركات اهتموا بالأحكام المتعلقة بالفرد (الصلاة- الصوم- الزكاة- الوضوء- التيمم- الصفات الأخلاقية- السنن المندوبات) وغيبوا أحكام نظام الحكم والنظام الاقتصادي والنظام الاجتماعي وأحكام السياسة الخارجية فاللحية وأحكامها لها أهمية وخطورة أكثر من قواعد الحكم وأركانه ومن شروط الخليفة، وكذلك أحكام المصافحة.

فإهمال قضايا المجتمع وقضايا الأمة ظاهر وجلي، والابتداء كان بعدم تعريف المجتمع التعريف الجامع المانع إذ بهذا وحده تتحد مكونات المجتمع وطريقة تغييره تغييراً جذرياً، فسلموا بمقولة أن المجتمع مكون من أفراد ولم يبحثوا في واقعها ولا في مطابقة هذه المقولة للواقع. فالمنطلق الخاطئ يؤدي إلى النهاية الخاطئة، والمنطلق كان من عقلية رأسمالية فاسدة والنتيجة كانت طاحنة: تكريس للواقع وتجذيره وتطويل أنفاس الأنظمة الفاسدة، ومرارة الانحراف عن النهج الصواب ثم فقدان المصداقية وبعث اليأس في نفوس الجمهور من العمل السياسي.

فالعقلية الرأسمالية تفرض منطق النفعية وهذا المنطق يبرر كل الوسائل المعتمدة للوصول إلى الغاية، وإذا أصبحت الغاية تبرر الواسطة سقطت هذه الأخيرة في الميكافيلية، وأصبحت من جنس الحركات الفاسدة والانتهازية، ولهذا تجد هذه الحركات تمد خيوط وصل مع الأنظمة الفاسدة إذا رأت أن ذلك يحقق لها فائدة، وإذا انعدمت سبل الاستفادة عمدت إلى المواجهة والمنازلة مع أن واقع هذه الأنظمة واحد لم يتغير، إلا أن المنطق النفعي والوصولي هو الذي دفعها إلى هذين العملين المتناقضين، ونفس المنطق هو الذي يدفعها إلى الاتكال على الأجنبي والسعي لكسب رضاه ودعمه لها ضد خصومها.

إن النظرة الفردية للمجتمع تجعل هذه الحركات تهمل الأنظمة ودَوْر الأفكار والمشاعر على تغيير العلاقات، فهي وإن ادعت تصديها للأنظمة القائمة إلا أنها لا تتصدى حقيقة للعلاقات، لأن التصدي للأنظمة هو في جوهره -قبل الكفاح السياسي- تصدي فكري فيه كشف زيف ما تقوم عليه من أفكار وفساد القوانين التي تعالج العلاقات، وفي غياب هذا الأمر فإن الادعاء بمناهضة الأنظمة لا يعدو أن يكون لأشخاص الحكام لا لما يطبقونه من أنظمة وهنا يبرز الأمر كأنه مبني على حزازات شخصية أو انفعالات مشاعرية، أو لتعارض مصالح، ولا يمكن أن يرقى حتى يكون مبني على نقض فكري بن تنسف الأنظمة القائمة من الأساس.

وعلى هذا يكون التصدي للأنظمة تصدياً للعلاقات الدائمة التي يقوم عليها المجتمع وهذه مكونة من الأنظمة والأفكار والمشاعر، وضرب العلاقات السائدة في المجتمع يكون بهدم الأفكار التي تقوم عليها والقوانين التي تسير بها والمشاعر التي تسودها.

وفي غياب هذا لا يتصور تصدي بالتغيير للعلاقات القائمة في المجتمع وإذا أضفنا عدم التحديد الفكري للأنظمة التي يجب أن تقوم مقام الأنظمة الفاسدة كما يحددها المبدأ فإن ادعاء العمل للتغيير ولإيجاد الدولة الإسلامية هو ضرب من الخيال أو بمثابة من بجري وراء سراب.

إن العقلية الرأسمالية هي السبب في هذا الواقع المر الذي يكبل هذه الحركات ويجعلها لا تعرف كيف تهدم ولا ماذا تبني وكيف تبني. فهذه الحركات لا تكشف للأمة فساد الأنظمة التي تُساس بها لأنها لم تقم بنقضها فكرياً ولم تقم بعملية البناء داخل الأمة وذلك بالتركيز العقائدي وتبني ما تحتاجه الأمة من أحكام الأنظمة، فبماذا ستقود الأمة إذاً.

إن المنطق النفعي سوف يقوم بالتعبير عن هذا… صلِّ فإن السجود يمنع أمراض المخ والأعصاب، والجلوس للتشهد يساعد المرارة على إفراز سائلها، وإقامة دولة الإسلام سوف يقضي على البطالة والفقر وسوف يحل كل المشاكل ولو كانت لأفراد الناس فمن كان أعزباً تزوجه الدولة، ومن كان عاطلاً شغلته، والدولة تكفل اليتامى والأرامل والمساكين، وسوف تجعل من بلاد المسلمين جنة على الأرض، وهكذا يغرق الناس في الأحلام الوردية… وهو ما يجعلهم يتعلقون بالجانب النفعي من الأحكام فيكون ارتباطهم بها رهين تحقق تلك المنافع، وهذا خطير جداً لأن المصلحة عرضة للمساومة على مصلحة أكبر منها، وإذا انتفت المصلحة انتفت العلاقة التي تقوم عليها.

أما فقهاء عصور الانحطاط فقد أطنبوا في أحكام الحيض والنفاس والوضوء والتيمم والطهارة والأخلاق وحسن المعاملة وحسن الجوار، وأهملوا الفقه المتعلق بالمجتمع وأنظمته من نظام اقتصادي نظام اجتماعي ونظام حكم وسياسة وتعليم وسياسة خارجية والتفاصيل المتعلقة بذلك كله.

إن هذا التفخيم للأحكام الفردية ما هو إلا نتاج النظرة الفردية للمجتمع، وحتى هذه النظرة الفردية فإنها مبنية على نظرة فاسدة للإنسان من أنه مكون من مادة وروح، أو أن مظهر الإنسان الخارجي وتكوينه الوراثي والبيئة من محددات شخصيته، أو أن الأخلاق من المكونات الأساسية لشخصية الإنسان… فكل يذهب مذهبه وكل يحذف ويضيف ما يريد مع أن الإنسان ماهيته واحدة لم تتغير ولن تتغير وبالتالي مكونات شخصيته ثابتة لا تتغير، فلا نتعجب إذاً إن رأينا منهم تركيزاً على اللحية وحكمها والدخان والطهارة والتواكل وآداب الأكل وآداب دخول المسجد وآداب الجماع وآداب دخول بيت الخلاء، وماذا يقال عند لبس الثياب الجديدة وعند النوم، فلم يتركوا شيئاً متعلقاً بالفرد إلا فصلوه ودققوا فيه وبحثوا كل جوانبه، مع إهمال كبير ومطلق للأحكام المتعلقة بأنظمة المجتمع وبفروض الكفاية التي على الأمة وبالقضايا المصيرية، فهذه لا يعنون أنفسهم بها ولا يبحثونها، أرأيتم ماذا جنينا من هذه العقلية الفاسدة والتي فرضها علينا الكفار فرضينا بها وخضعنا لها وأصبحنا نفكر على أساسها!؟

أما المفكرون والساسة والعلماء فلم ينجوا من هذه العقلية بل بالعكس نجدها قد تغلغلت فيهم إلى الأعماق، إذ قد حصلت لهم القناعة بكل النظريات والأفكار الواردة فيم يسمى بعلم الاجتماع وعلوم التربية وعلم النفس وعلم الإحصاء، وهم ينظرون بإكبار وإعجاب وحتى قداسة للطريقة العلمية في التفكير، والتي بها يبحثون كل شيء ويُخْضِعون لها كل شيء، فحالهم كحال من يسمون في القديم بالفلاسفة الذين اعتنقوا علم المنطق وأخضعوا له كل شيء وسلموا بكل ما توصلوا إليه في أبحاثهم ولو تعارض مع عقيدتهم، أما هؤلاء فأمرهم أعقد ومشكلتهم أعوص لأنهم باتخاذهم للطريقة العلمية كأساس للتفكير فإنهم أقحموها حتى فيما هو ليس بميدانها، وفيما لا يمكن أن يخضع للتجربة كالإنسان والأفكار والمجتمع فخرجوا بأفكار مخيفة تافهة والتي وإن دلت على شيء فهي تدل على جهل من توصل إليها ولكنهم بتقديسهم لهذه الطريقة في التفكير سلموا بما توصلوا إليه ولو ناقض العقل أو ناقض العقيدة.

إنهم مثلاً سلموا بأن المجتمع مكون من أفراد رغم أن هذه الفكرة الواردة فيما يسمى بعلم الاجتماع نابعة من الثقافة الرأسمالية ولم تقل بها الطريقة العلمية، وهم نتيجة لقناعتهم بهذه النظرية فإنهم يقيسون ما يحصل مع أفراد الناس على المجتمع فسقطوا في القياس الشمولي والتعميم الفاسد والخاطئ، وفي هذا المجال يستحضرنا الكثير من الأفكار السخيفة حول متوسط الدخل الفردي أو متوسط الأعمار وطريقة سبر الآراء فيما يسمى بعلم الإحصاء… أما الأفكار المتعلقة بالإنسان فهي أكثر جهلاً وسخفاً، فهم مثلاً يسلمون بالأفكار الواردة في علم النفس، وهم متأثرون بنظريات فرويد الذي يجعل سلوك البشر في الحياة راجع لغريزة واحدة هي الجنس ولذلك يتحدث عن الكبت الجنسي الذي يكبل الإنسان ويعجزه عن الإبداع والابتكار.

وعلماء النفس يقولون بأن للإنسان غرائز لا تحصى ولا تعد، ولجهلهم لم يفرقوا بين الغرائز ومظاهرها، ولذلك كانت كل الأفكار التي أوردوها والتي تعتمد على هذه النظرية فاسدة وتعبر عن الجهل المدقع بالإنسان، أما علماء التربية فأمرهم مضحك إذ تحدثوا عن تقسيم دماغ الإنسان وعن اختصاص كل قسم منه بمادة من مواد التعليم، ولهذا قسموا التعليم إلى مراحل: في المرحلة الأساسية يدرس التلميذ كل المواد من عملية أو أدبية أو دينية، وفي آخر هذه المرحلة تحسب النتائج فإن حصل التلميذ مثلاً على درجات عالية في الحسابيات وكانت حصيلته في الأدبيات ضعيفة أرجعوا ذلك إلى أن الجزء الخاص من الدماغ والمتعلق بالحسابيات كان متسعاً ونشطاً، وهذا حال المهندسين والفيزيائيين، فيوجه التلميذ إلى المواد العملية باعتبار أن ذلك يوافق طبيعة دماغه، وهكذا بعد المرحلة الأساسية من التعليم يأتي التوجيه إلى المواد التي ينبغ فيها التلميذ والتي توافق طبيعة دماغه، وهذا كله فاسد وباطل، والعجب أن التعليم في كل أنحاء المعمورة يخضع لهذه النظرية الباطلة.

أما الساسة فهم مع تغلغل العقلية الرأسمالية في أعماقهم إلا أنهم زادوا على المفكرين والعلماء بكونهم يتعاملون مع شعوبهم بمنطق الغاية تبرر الوسيلة، ولذلك -حتى يلاقوا قبولاً عند الناس- فهم يحترفون سياسة الكذب والدجل ويتظاهرون بالتقوى والطهر ونظافة اليد، ويستغلون أجهزة الإعلام في التباهي بإنجازات كاذبة للدعاية لأنظمتهم الفاسدة، فهذه الأجهزة تقلب الحقائق وتزور الأحداث، فإذا ما كانت الدولة تعاني من عجز في ميزان مدفوعاتها أو مكبلة بالديون لفائدة صندوق النقد الدولي، فهي تخفف من مرارة الواقع بالادعاء بأن الأزمة العالمية مست الكبار وجعلت البطالة تتفشى فيها، فما بالك بالدول الصغيرة.

ويُعَرِّجون بأنهم جادون في معالجة الأزمة وأن اقتصادهم بخير وأنهم في طريق النمو، ومنذ عقود وهم يقولون هذا الكلام وما زالوا في طريق النمو، فالطريق إلى النمو يستغرق دهوراً أطول من النمو نفسه، وبهذا ضحكوا على الشعوب وبهذا ساقوها وسادوها.

وهناك أمر يلجأ إليه هؤلاء إذا انسدت الآفاق أمامهم إذ تراهم يعمدون إلى تغيير الأشخاص في المناصب الوزارية، ويوهمون الناس بان التغيير سوف يأخذ بيد الضعيف وسوف يفتح الآفاق للطاقات الإبداعية وسوف وسوف وسوف، والناس ينتظرون ودار لقمان على حالها لا تتغير، وإذا ما حدث تململ شعبي نتيجة لتدني القدرة الشرائية للمواطن وكان الصدام بين الناس والأجهزة القمعية لهذه الأنظمة فإن تلك الأنظمة تظل فوق كل شبهة، ولا يفهم الناس أن مصيبتهم ليست فيمن يحكم ولكن في الأنظمة الفاسدة العفنة.

ونتيجة لهذه العقلية الوصولية استطاع هؤلاء الخونة أن يفلتوا من غضب الأمة وأن يروضوها وأن يتلاعبوا بها كيف شاؤوا.

إن العقلية الرأسمالية التي غرسها الكفار في هذه الأمة منذ أن احتلوا بلاد المسلمين وأثناء حكم عملائهم قد جعلت مفهوم المنفعة أو المصلحة من مفاهيم الأعماق إذ طبعت كل أنواع العلاقات وجعلت أبناء المسلمين تتفشى فيهم الأنانية وحب الذات وجعلت النزعة الفردية هي الطاغية في مجتمعهم.

فبهذا قضت على الروح الجماعية التي أرادها الإسلام أن تكون وعبرت عنها النصوص الشرعية:

«مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، «المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يخذله ولا يظلمه»، «من لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم».

كذلك جعلت عامة المسلمين يَقْصرون حياتهم على الركض وراء حياة وأي حياة، حياة يقذف لهم فيها بالفضلات والفتات مما فاض على موائد المترفين والمسرفين، مما جعل طليعة هذه الأمة -وهي أملها في أن تأخذ بيدها من أجل النهوض بها وتخليصها مما تكابده- تعجز عن التضحية بمكاسبها الدنيوية وعن تسخير طاقاتها وأوقاتها من أجل هذا الهدف العظيم، بل وصل الحد بالبعض إلى تقديم الروابط المنحطة من رابطة قبلية أو عائلية أو وطنية أو مصلحة على رابطة المبدأ وعما تتطلبه هذه الرابطة فكان واقعنا خلاف ما تتطلبه الآية: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ) وهو ما قلب سلم القيم والترتيب الذي فرضه الشارع عليها.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *