العدد 98 - السنة التاسعة – محرم 1416هـ – حزيران 1995م

الثورة الصناعية قضية مصيرية للأمة الإسلامية

المهندس/ عبد القادر آل خليفة

إن الأمة الناهضة هي التي تملك طريقة تفكير منتجة، وأفكاراً تبدع باستعمالها في الحياة فتحقق بذلك كل القيم سواء كانت روحية أو مادية أو معنوية أو إنسانية، ورقي الأمة لا يتجلى حينئذ فقط في أنماط سلوكها الحضاري المتميز بل في تقدمها المدني الذي لا بد أن يستوعب كل ما توصلت إليه البشرية في مجال العلوم، وأن تحرز قصب السبق فيها، فيوجد في الأمة حشد من المجتهدين والمفكرين والفقهاء والسياسيين وكذلك حشد من العلماء في كل فرع من فروع العلوم: كالفيزياء والكيمياء وعلوم الفضاء والتكنولوجيا والالكترونيات والطب الصيدلة والهندسة…، هذا التميز الحضاري والرقي المدني سوف يظهر على مستوى الدولة إذ تصبح دولة قوية مؤثرة مهابة، بل ويمكن أن تصبح الدولة الأولى في العالم التي تتحكم في الموقف الدولي وتسيطر عليه وتصيغ العلاقات الدولية فيه حسب مبدئها.  

إن إقامة الدولة والمحافظة على وجودها أمام الدسائس والمؤامرات يتطلب وعي المسلمين على عقيدتهم وعلى الأحكام الشرعية، والوعي السياسي على مجريات الأمور، أما جعلها قوية مؤثرة مهابة أو جعلها تحتل مركز الدولة الأولى في العالم فهذا يتطلب إلى جانب ذلك أن تكون رائدة في مجال العلوم والصناعات، وأن تكون السباقة في الاختراعات والاكتشافات. إن المسلمين مطالبون شرعاً بأن يكونوا الأقوياء وبأن يتلبسوا بحمل الدعوة إلى العالم حتى تكون السيادة على هذه البسيطة للشرع وحده، قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) وقال سبحانه: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ)، ويجب عليهم أن يأخذوا بجميع الأسباب التي تمكنهم من ذلك تنفيذاً لقوله تعالى: (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ) ولقوله تعالى: (وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً). وعلى هذا كان طلب العلم فرض عين، قال B: «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة»، وكأن تعلم العلوم والمعارف التي يحتاجها المجتمع الإسلامي فرض كفاية أي وجب على ولي الأمر تركيز وإيجاد كافة فروع المعرفة والعلوم توفير الكوادر اللازمة لها، وإذا ما أهمل فرع من هذه الفروع أو لم يتحقق الغرض الذي من أجله وجدت وهو استيعاب ما توصل إليه العلماء إلى ذلك الحين واستكمال البحوث وأخذ السبق في مجال الاختراعات أثم الجميع وأصبح النهوض بذلك الفرع فرض عين على كل متخصص في ذلك الميدان، وعلى الجميع إذا انعدم المتخصصون.

وإذا تعلق الأمر بفرع حيوي يمهد لثورة علمية تمس كل نواحي الحياة أصحبت المسألة قضية مصيرية، وهذا هو واقع الثورة الصناعية.

ومن المسلمات البديهية أن رأس الحربة في عملية التصنيع وإيجاد ثورة صناعية حقيقية هي التصنيع الثقيل الذي يقوم أساساً على صناعة الآلات. إن صناعة الآلات هي التي تمكن الدولة من التصنيع الحقيقي الذي يشمل: صناعة الحديد والصلب، صناعة المحركات للسفن والدبابات والطائرات والجرارات…، صناعة هياكل الطائرات والسفن والعربات، الصناعات البتروكيماوية، الصناعات الالكترونية، الصناعة النووية بما في ذلك الأسلحة، صناعة الفضاء. وبما أن هذه الصناعات يستحيل إقامتها إذا لم نتمكن من صناعة الآلات التي تحتاجها كل صناعة، لذلك كان العمل على إقامة مصانع للآلات واجباً من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، لأن هذه الصناعات واجبة على الأمة حتى تكون قوية قادرة مؤثرة، وتتمكن بالتالي ليس فقط من تخليص نفسها من كافة أنواع الاستعمار والتبعية، بل من أن تتولى دورها الطبيعي في الهداية وذلك بحمل الدعوة إلى العالم عن طريق الجهاد حتى تكون كلمة الله هي العليا على وجه هذه الأرض.

نحن نعرف أن مصادر الاقتصاد متعددة من صناعة وتجارة وفلاحة وخدمات، إلا أن دور الصناعة خطير وعظيم ليس فقط في خلق اقتصاد قوية بل في إحداث ثورة على مستوى مدنية المجتمع، إذ أن الفلاحة والتجارة تستندان إلى الصناعة، وهذان القطاعان لا يزدهران ولا يلعبان دوراً إيجابياً على مستوى الميزان التجاري إلا إذا استندا في وجودهما وفي تطورهما على الصناعة، وبصفة أدق على التكنولوجيا المتطورة حتى تزاحم وتنافس غيرها من الدول التي تنافسنا.

إن تركيز صناعة الآلات سوف يوجد الصناعات الآنف ذكرها، وبوجد عقليات مستوعبة ومبدعة سوف تتمكن الأمة من امتلاك التكنولوجيا وتطويرها مما يمكنها من السبق في الابتكار والاختراع، إذ أن العلم يهتم بالمادة لمعرفة مكوناتها وخصائصها ولذلك كان المنهج التجريبي أو الطريقة العملية تخضع المادة للملاحظة والتجربة والاستنتاج، أما التكنولوجيا فهي تهدف إلى تشكيل هذه المادة لخدمة الإنسان. فمثلاً معرفة خصائص المواد شبه العازلة semi-conductor أدى إلى تركيب الترانزستور، وجهاز الراديو هو ربط لعدة ترانزستورات ومقاومات ومفردات اليكترونية أخرى، والمفردات يمكن ربطها أيضاً بشكل آخر لينتج عنها راداراً أو حاسوباً.

إن التقدم العلمي لا يتطلب فقط وجود عقليات مبتكرة وخلاقة في ميدان العلوم، بل سياسة عملية واضحة تعتمد على الثورة الصناعية وعلى التطوير التكنولوجي وعلى بناء المختبرات التي تمتلك أحدث الآلات وأدقها في كل مكان في الجامعات والمصانع والمعامل والمستشفيات، حتى يوجد حشد من المبتكرين والمخترعين، وهذا ما يمهد لثورة مدنية كبرى تغير الملامح المدنية للمجتمع، وبهذا يُرسى حقيقة ما يسمى بالبحث العلمي وتطور قطاعات مثل البحث الطبي والتصنيع الصيدلاني والأبحاث الهندسية، وتمكن الأمة من أن تصون ثرواتها من التبديد والإهدار، فتتواجد الشركات للتنقيب واستخراج البترول والغاز والفوسفات والذهب واليورانيوم والنحاس، معتمدة على ابتكارات أبنائها من الآلات. وكذلك الأمر بالنسبة للأساطيل البحرية التي سوف تحفظ للأمة ثرواتها البحرية وتتولى هي مسألة استغلال هذه الثروات للصالح العام. وهذا ما يفوت على الكفار فرصة التلاعب بثروات الأمة، فالبلدان المنتجة للنفط مثلاً لا تقارن أرباحها من النفط بأرباح الشركات المنقبة والمستخرجة له، وكذلك حال شركات التنقيب عن الفوسفات والحديد واليورانيوم، إذ أن الأرباح التي تجنيها هذه الشركات خيالية مما جعل هذه الشركات كالإخطبوط أقوى من الدول نفسها. ولذلك فإن التصنيع سوف يقضي على هذه الشركات التي نهبت ثرواتنا وامتصت عرق أبنائنا. أيضاً يجب أن لا ننسى أن استيراد الآلات والمصانع. يكلف نفقات طائلة إذ تباع لبلادنا بأغلى الأثمان، ويزيد من الأعباء تكاليف الصيانة وشراء قطع الغيار وتكاليف العطب أو التعطيل، هذا فضلاً عن أن الواقع يكشف لنا بجلاء أن نوعية الآلات والمصانع التي تصدر لبلادنا ذات صبغة استهلاكية تافهة، مما يبدد ثروات الأمة مثلما وقع في التجارة المثلثة: حيث كانت البرتغال وإسبانيا يخطفون الأفارقة ويجعلونهم عبيداً تستغل طاقاتهم الجسمية في استخراج الذهب في القارة الجديدة، وكان الانجليز والفرنسيون يملكون المصانع فيبيعون منتوجاتهم للأسبان والبرتغال، وهكذا يتحول الذهب إلى ملكية الانجليز والفرنسيين.

جعل البلد الإسلامية بلاداً صناعية

إن المناداة بضرورة صناعة الآلات ليس فقط لهذه الأسباب، وإنما لتحقيق سياسة اقتصادية معينة، وهي جعل البلاد الإسلامية بلاداً صناعية سواء أنتج ذلك ربحاً أم خسارة، وسواء وجدت أسواق لسلعنا في الخارج أم لم توجد، فالدافع لإيجاد صناعة الآلات هو تحقيق هذه السياسة والهدف من تحقيق هذه السياسة هو تخليص البلاد الإسلامية من سيطرة الكفار ومن طريقة العيش الفاسدة التي تأثرت بوجهة نظر الكفار، وبتعبير آخر هو تحقيق السيادة لحكم الله في الأرض، ولكل هذه الأسباب كانت مسالة تصنيع الآلات ضرورة ملحة وفرضاً لا بد من القيام به وشرطاً أساسياً في بعث اقتصادي قوي وفي امتلاك القوة المادية وفي النهوض بكثير من القطاعات الحيوية، ولا يمكن الحديث عن البحث العلمي أو التقدم العملي بدونها، خاصة وأن الأمة لا تفتقر إلى شيء للقيام بهذه الثورة الصناعية.

فالخبراء والمتخصصون موجودون والكثير منهم مما يسمى بالأدمغة المهاجرة قد وضعوا كفاءاتهم وخبراتهم في خدمة الدول والأمم الأخرى، والمواد الخام من حديد وبترول ونحاس وبوتام ويورانيوم وفوسفات وغاز وذهب… متوفرة وبغزارة وبشكل يلبي احتياطات ليس فقط العالم الإسلامية بل الجزء الأعظم من البشرية، أما المال فحدث ولا حرج: أمة غنية وأبناؤها فقراء وأموالها تكدس في بنوك الكفار، وتُنفق في شراء سلع لو قامت بتصنيعها ما كلفها ذلك معشار ما أنفقته في شرائها:

– إيداعات أفراد العرب في بنوك سويسرا فقط بلغت عام 1994م 165 مليار دولار، وإذا أضيف إلى العرب بقية الدول الإسلامية في الشرق والأوسط فيصل المبلغ إلى 425 مليار دولار.

– أنفقت الدول العربية ما بين 1970 و1990 ألف مليار دولار في شراء أسلحة من الدول الغربية استخدمتها في حرب بعضها البعض.

– كلفت حرب الخليج الثانية أكبر من 650 مليار دولار. [من دراسة نشرت عام 1994 في أبوظبي للدكتور عبدالرزاق فارس أستاذ الاقتصاد في جامعة الإمارات].

فكل ما يمكن من إيجاد صناعة الآلات موجود ولا ينقصنا سوى الراعي الذي يتولى عن الجماعة ما هو موكول إليها فيتولى مباشرة هذا العمل حالاً عند مبايعته، فيفجر طاقات الأمة وينظم جهودها ويضعها على الطريق الصحيح.

أما الأحكام الشرعية المتعلقة بالثورة الصناعية فهي تعالج مسألة إنشاء المشاريع ففي البلدان الرأسمالية مثل أميركا وغيرها تقوم مشاريع الإنتاج فيها على كاهل الأفراد والشركات وليس على كاهل الدولة، ولذلك نجدهم يملكون حقول نفط ويملكون الآلات التي تنقب عنه وتستخرجه وكذلك الحال بالنسبة للثروات الأرضية والبحرية، وبهذا أصبحت الثروات التي هي عادة ملكية عامة أو ملكية الدولة ملكية فردية، وهو ما أدى إلى ازدياد الظلم الاقتصادي وإلى نمو الطبقية.

أما في الدولة الإسلامية فإن مشاريع الإنتاج متأثرة بوجهة النظر الإسلامية في الحياة فهي منضبطة بأحكام الملكية في الإسلام، من ذلك أن المصانع التي تصنع ما هو داخل في الملكية العامة تقوم على كاهل الدولة لا يصح أن تقوم على كاهل الأفراد، وذلك مثل آلات استخراج النفط وتكريره والتنقيب عن الفوسفات والذهب والحديد ومصانع توليد الكهرباء وتوزيع المياه… وأما المصانع التي تصنع ما لا يدخل في الملكية العامة فإنها تكون على كاهل الأفراد كما يصح أن تقوم بها الدولة. والبعض من هذه المشاريع –نتيجة لما تتطلبه من رؤوس أموال ضخمة- لا يقدر الأفراد على القيام به، فتتولى الدولة إقامته فعلياً مثل مصانع الطائرات والصواريخ والسيارات والآلات الحربية، وإن كانت لا تمنع الأفراد من تملكه. وعلى هذا كانت قضية ما يجب أن يكون مما يسمى بالقطاع العام وما يجب أن يكون مما يسمى بالقطاع الخاص مبتوت فيها شرعاً. أما طريقة تمويل هذه المشاريع الإنتاجية فينظر، فإن كانت مما لا يحصل للأمة ضرر من جراء عدم إقامتها فينظر في بيت المال فإن كان هناك مال فاضل عن الحاجات الضرورية يُؤخذ ويُنفق عليها منه، وإن لم يوجد تُؤجل هذه المشاريع إلى أن يوجد ما يلزمها من مال، أما إذا كان عدم القيام بهذه المشاريع الإنتاجية يوقع الضرر بالأمة كما هي الحال في بلاد الإسلام فإن عدم وجود مصانع للآلات لدى المسلمين يجعل البلاد الإسلامية معتمدة في صناعتها وفي تسلحها على الدول الكافرة ويجعلها مربوطة بها ويجعل ثرواتها نهباً للكفار، وتكون كل البلاد الإسلامية سوقاً استهلاكية لمنتجات الغرب وسلعه، فيبتز أموال المسلمين بتكاليف شراء قطع الغيار وتكاليف الصيانة والإصلاحات… وكل هذا ضرر من أفظع الأضرار، ولذلك صار إيجاد مصانع الآلات فرضاً على المسلمين لأن الضرر لا يُزال إلا بإقامتها، وإزالة الضرر فرض على الدولة وفرض على الأمة فيجب على الدولة أن تقوم بإيجاد هذه المصانع سواء وجد لديها مال أم لم يوجد، وذلك إن كان لديها مال في بيت المال يصرف منه على هذه المشاريع وإن انعدم فرضت ضرائب على المسلمين بقدر يكفي لإقامة هذه المشاريع على الوجه الذي يُزيل الضرر.

الغرب ومحاولات صرف المسلمين عن التفكير في الثورة الصناعية

إن نجاح الغرب في العالم الإسلامي لم يكن فقط في إحكام سيطرته على خيرات الشعوب أو في ربط سيطرته على خيرات الشعوب أو في ربط البلدان الإسلامية بكافة أنواع الاستعمار: سياسي- اقتصادي- نقدي- عسكري- ثقافي، وإنما في قدرته على توجيه الرأي العام والتأثير فيه، ولذلك عنى بأساليب المغالطات وبفن تزييف الحقائق وبأنواع التضليل، واهتم بالإيحاء وأساليبه والإشاعات ووسائل بثها وبالتزييف والخداع، واتخذ من هذه الوسائل كلها أدوات لتحقيق أغراضه، وتاريخه في هذا المجال مع العالم الإسلامي حافل: فقديماً برر الغرب استعمار العسكري للبلاد الإسلامية بما سماه إنقاذ الشعوب من الهمجية والوحشية ومن التقاتل والتخلف والانحطاط، بتعليمهم طراز حياة أرقى من أجل تمدينهم وتحضيرهم، كما برر استحواذه على ثروات البلاد عن طريق شركات النفط والحديد واليورانيوم بأن الشعوب الضعيفة لا تقدر على استغلال ثرواتها بنفسها بما أن التنقيب عنها واستخراجها يتطلب رؤوس أموال ضخمة ومعدات هائلة باهظة التكاليف، فكان أن تسابقت الشركات الرأسمالية للفوز بعقود التنقيب والاستفراد بثروات تلك البلاد، وكان هذا التنافس الاستعماري يشتد حتى يصل في بعض الأحيان إلى إحداث انقلاب عسكري مثل ما حدث في إيران أيام مصدق، أو في إيجاد القلاقل والاضطرابات مثل ما جرى في إقليم شابا، أو إيجاد الاضطراب الدائم والمستمر مثلما يقع في تشاد من أجل استخراج اليوانيوم.

وفي مجال المحافظة على الواقع الحالي لم ينفك الغرب يمارس الإيحاء والمغالطة: فمثلاً يوحي للمفكرين بالتغيير بأنه إذا كان الواقع الحالي نتيجة وراسب وتراكمات دامت أجيالاً فإن التغيير سوف يستغرق عقوداً طويلة من الزمن، وكذلك يوحي إلى عملائه في الثقافة والفكر بأن الثورة الصناعية في أوروبا سبقها ما يسمى بفلاسفة التنوير الذين نظروا للفكر الحر الخلاق. وكذلك التقدم الصناعي يجب أن يكون على عدة مراحل خاصة أن الغرب يفوقنا بمئات السنين في التكنولوجيا فتتطلب عملية اللحاق به عقوداً طويلة، وهذا ما نلمسه في كتيبات الأمم المتحدة والبنك الدولي المعتمدة من قبل الدول والحكومات وعلى أساسها لا يُسمح بإعطاء القروض ثنائية كانت أو عبر البنك الدولي والهيئات الدولية للمشاريع الصناعية الثقيلة.

ومن أجل صرف العالم الإسلامية عن الثورة الصناعية شجع الصناعات الخفيفة بعد إقناع القائمين على الأمور بأن الصناعات الثقيلة باهظة التكاليف ومع انعدام التكنولوجيا المتطورة سوف يشهد قطاع الصناعات الثقيلة فشلاً ذريعاً ليس على مستوى السوق الحرة الدولية بل حتى على المستوى الوطني باعتبار افتقاد المنتوجات للجودة والإتقان وباعتبار أن أسعارها لن تكون إلا مرتفعة جداً مما يجبر المواطن على جلب نفس السلع من الخراج بأرخص الأثمان مع ضمان الجودة.

وإمعاناً من الغرب في التضليل وفي صرف المسلمين عن التصنيع الثقيل عمل الغرب على عدم خنق قطاعات الفلاحة والتجار، فهذه البلاد تقوم بالثورة الزراعية وأخرى أوجدت دواويناً مثل ديوان الصيد البحري – التمور – الزيوت – القمح… لبيع المحاصيل في الخارج بأرخص الأثمان والكثير من السلع الجيدة يمنع استهلاكها محلياً ليُسَوّق في الخارج بأثمان زهيدة جلباً للعملة الصعبة. ورغم هذا الاستنزاف الواضح لهذه الثروات فإن فلاحي أوروبا بدأوا يتجمعون على أساس التصدي لاستيراد هذه المنتوجات من الخارج.

ومن الأمور التي خطط لها الغرب في العالم الإسلامي ونجح فيها هو خلق قطاعات هامشية أدخلها عنوة في الأبحاث الاقتصادية وجعلها تلعب دوراً أساسياً في الميزان التجاري لبلدان العالم الإسلامية وأعلى من شأنها بأن جعلها من المصادر الرئيسية في الاقتصاد مثل السياحة وبناء الفنادق والمطاعم والملاهي والمنتزهات، حتى أن الكثير من البلدان جعلت للسياحة كتابه ودولة أو حتى وزارة، كما شجعوا الصناعات التقليدية التي تزدهر مع التطور السياحي، وكذلك الجمارك التي لن تكون مثل ما جعلوها أداة لحماية الإنتاج المحلي لديهم، بل ستكون أداة للابتزاز وسرقة أموال الناس بالظلم والباطل.

أيضاً من الأمور التي ضللونا بها هو أمرهم لأبواقهم بالمناداة بنقل التكنولوجيا إلى العالم الإسلامي، وهذه الكلمة في الحقيقة لا تعني سوى إيجاد الأوضاع والظروف في الدول المتخلفة التي تمكنها من استخدام المنتجات الصناعية الحديثة ذات الطابع الاستهلاكي، فالمكان الذي لا توجد فيه كهرباء لا يمكن أن تُباع فيه الثلاجات والأجهزة الكهربائية، حتى لو كان فيه من يستطيع صنع هذه المنتوجات، لذلك لا بد من تعميم مرفق الكهرباء في الدول المتخلفة ولو بقروض من الدول الصناعية لأن البلد الذي تعم فيه الكهرباء يصلح سوقاً للكثير من المنتجات الصناعية، وكذلك الحال بالنسبة لسائر المنتجات. فلا بد والحالة هذه من إيجاد المتعلمين والمهندسين والفنيين والأطباء وغيرهم لتشغيل واستخدام الأجهزة الصناعية التي تنتجها الدول المتقدمة، لذلك كانت فكرة نقل التكنولوجيا خدعة كبر المارد بها إلهاء المسلمين عن التفكير في التصنيع الثقيل، تمهيداً لجعل البلاد الإسلامية سوقاً استهلاكية للمنتوجات الغربية، لذا فإن التعليم الذي يتم في هذه المجالات ليس لاستيعاب التكنولوجيا وإنما يكون على مستوى التشغيل لهذه الآلات والصيانة لها فقط.

إنه من الواجب أن تتم توعي المسلمين على هذا الموضوع الخطير دفعاً للإضرار الحاصلة الآن لهم من جراء خيانة وعمالة الحكام. هذه الأضرار لن تُدفع حقيقة إلا بالقضاء على حكمهم جميعاً وتنصيب خليفة واحد يباشر مسؤولية القضاء على هذا الضرر وذلك بتركيز صناعة للآلات تكون الأساس في التصنيع الحقيقي وفي تركيز الكثير من الصناعات التي تحتاجها البلاد، فتتخلص الأمة وتنفذ نفسها من كافة أنواع التبعية والاستعمار وتتمكن من لعب دورها الأساسي في إنقاذ البشرية من العقائد الباطلة والنظم الفاسدة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *