العدد 102 - السنة التاسعة – جمادى الأولى 1416هـ – تشرين الأول 1995م

الانتخابات شيء والديمقراطية شيء آخر

بقلم: أحمد الخطيب – القدس

ليست فكرة الانتخابات حكراً على الديمقراطية، ولا يحق للغرب الذي غزت حضارته الفاسدة ديارنا الادعاء بأن الانتخابات جزء من ديمقراطيته، وأن من يباشرها إنما يباشر الديمقراطية، ولا يحق كذلك لغير الغرب الادعاء بأن الانتخابات هي جزء من فكرته، لان الانتخابات كفكرة ليست من الديمقراطية ولا من غيرها، وهي كذلك ليست من الإسلام ولا من الأديان ولا من أي مبدأ أو نظام. فالانتخابات من حيث هي انتخابات هي أسلوب من الأساليب المستخدمة لاختيار شخص أو هيئات أو دول يمثلون من اختارهم للقيام بأعمال تتعلق بالحكم أو الإدارة.

والانتخابات كالتعيين من حيث أن كلاً منهما أسلوب يوصل إلى اختيار من يراد منه تدبير أمور معينة متعلقة بالحكم أو الإدارة.

وأسلوب الانتخابات ليس بالضرورة أن يكون الأسلوب الأنجع دوماً في الاختيار ففي أحوال معينة يكون أسلوب التعيين أنجع من أسلوب الانتخابات خاصة في الحقول التي تستلزم معرفة ودراية بالأشخاص كتعيين المتخصصين في إدارة مختلف الشؤون التخصصية أو قيادتها.

وكلتا الفكرتين الانتخابات أو التعيين وجدتا كأسلوب طبيعيين مع وجود البشرية، وليس لأحد شرف السبق في التوصل لأي منهما. والثابت أن الحضارات المتعاقبة منذ فجر التاريخ عرفت الأسلوبين واستخدمتهما في تطبيق أفكارها وأحكامها مع شيء من الفروقات في كيفية التطبيق تتماشى مع أفكار تلك الحضارات.

فمثلاً طغى على اليونانيين القدامى الأخذ بفكرة الانتخابات كأسلوب يوصل إلى تطبيق أفكار الجمهورية الفاضلة والديمقراطية عندهم.

والمسلمون بدورهم أخذوا بفكرة الانتخابات كأسلوب يوصل إلى تطبيق الكتاب والسنة، مثلاً في حالة اختيار الخليفة. وغيرهم أخذ بالانتخابات للوصول إلى تحقيق أهداف وغايات معينة.

وهم وغيرهم وسواهم أخذوا بكفرة التعيين كأسلوب يوصل إلى تطبيق الأفكار المعتنقة، وحديثاً استخدم الشيوعيون الانتخابات كأسلوب موصل لتطبيق القيادة الجماعية بينما استخدمها الغربيون للوصول إلى الديمقراطية بالمعنى المتعارف عليه الآن.

ومن هنا كان لزاماً على الجميع أن يعوا فكرة الانتخابات ليست جزءاً من أنظمة الحكم المطبقة ولا من أنظمة الحم غير المطبقة. فهي ليست من صميم المبادئ أو الأديان، ولا هي من جوهر الحضارات والدعوات، بل هي أسلوب يستخدم لتحقيق أهداف المبادئ أو الأديان أو الحضارات أو الدعوات، كما وقد يستخدم أسلوب التعيين للوصول إلى تلك الأهداف.

والانتخابات تعني بالدرجة الأولى باختيار الأشخاص ولا تعني باختيار الأفكار المراد تطبيقها، والدليل على صحة ذلك أن أي نظام حكم موجود يمارس الانتخابات يمنع الأشخاص المنتخبين من تعيير نظام الحكم عن طريق الانتخابات، فأنظمة الحكم الديمقراطية الموجودة في أوروبا وأميركا لا تسمح أبداً للأشخاص المنتخبين بتغيير دستور الأنظمة وتغيير أشكال الحكم فيها لو أرادوا، بل تمنعهم من المشاركة في الانتخابات كما حصل في كثير من الدول التي منعت أشخاصاً وأحزاباً بحجة أن هؤلاء يرفضون الدستور أو بحجة أنهم عنصريون.

وكذلك الدول الشيوعية سواء التي انهارت أو التي لا تزال قائمة كالصين وفيتنام وكوبا وكوريا الشمالية فإن جميع هذه الدول عندما تمارس عملية الانتخاب فإنها تمنع الأشخاص المنتخبين من تغيير أنظمة الحكم.

وتغيير كثير من تلك الأنظمة لم يحدث عن طريق الانتخابات وإنما حدث عن طريق الانقلابات والثورات والتدخلات الخارجية.

لهذا كان من العسف بمكان اعتبار الانتخابات جزءاً  لا يتجزأ من الديمقراطية أو جزءاً لا يتجزأ من غيرها، وكان من الجهل بمكان نفي الانتخابات عن غير الديمقراطية.

وأما الأقلام التي تروج للانتخابات باعتبارها من الديمقراطية حصراً فإن هذه الأقلام إما أن تدل على جهل أصحابها المطبق بالديمقراطية وبالانتخابات وإما أن تدل على مدى تزلفها للديمقراطية فالذي يدعو إلى الديمقراطية مثلاً اليوم عليه أن يفهم ويُفهم الناس أن ما يدعو إليه يتعلق بجعل السيادة والسلطان والتشريع للشعب لا للشرع والدين، أي عليه أن يفهم الناس أن الديمقراطية تقتضي فصل الدين وإبعاده عن الحياة، أما أن يقحم الانتخابات في دعوته فهذا أمر مرفوض قناعة لأن الانتخابات تنحصر في مسألة اختيار الأشخاص ولا علاقة لها بالسلطان والتشريع والسيادة.

أما حجة بعض من يدعون إلى الديمقراطية في تبريرهم للدعوة إلى الانتخابات وغيرها باعتبارها جزءاً من الديمقراطية من أن ممارسة الشعب لحقه في السيادة والسلطان يتعذر فعله من دون انتخابات فإن هذه الحجة لا تبرر اعتبار الانتخابات رديفاً للديمقراطية وأن الانتخابات هي الديمقراطية بعينها لأن هذا هو التضليل بعينه.

فالذي يدعو الناس إلى مبدأ يركز على الأصل والجوهر والغاية لا على الأساليب والوسائل. أما خلط الفكرة بالأسلوب وخلط الطريقة بالأسلوب فهذا عمل لا يقوم به إلا من أراد التعمية والتشويه ومن أراد كسب الناس بذلك من دون مجهود حقيقي في تعريفهم بالحقائق مكتفياً بالقشور والأمور السطحية.

ولو كان استخدام الانتخابات مبرراً لاعتبارها جزءاً من المبدأ لكان حرياً بحملة الدعوة إلى الإسلام ادعاء ذلك والقول بأن الانتخابات هي جزء لا يتجزأ من الإسلام، فلقد طلب الرسول عليه الصلاة والسلام من الأنصار في بيعة العقبة انتخاب ممثلين لهم ورفض عليه الصلاة والسلام تعيين خلف له في الحكم وانتخب أبو بكر الصديق رضي الله عنه في سقيفة بني ساعدة وانتخب عثمان بن عفان من قبل الأكثرية القاطنة في المدينة المنورة، وهذه الأمثلة كافية للتدليل على استخدام الانتخابات في الإسلام استخداماً واسعاً، ومع ذلك لا يقال بأن الانتخابات هي حكر على الإسلام أو جزء من الفكرة الإسلامية.

وعليه فإن من النزاهة ولا سيما عند من يدعون الناس إلى فكرة الديمقراطية أن لا يخلطوا مع دعوتهم إلى أفكار الديمقراطية فكرة الانتخابات بل عليهم أن يتجرأوا ويذكروا الديمقراطية حين الدعوة إليها من قبلهم على حقيقتها والتي أهم ما يميزها وأبرز ما يدل عليها أنها تفصل الدين عن الحياة وعن السيادة وأنها فكرة لا دينية تحمل معتنقيها على جعل التشريع حقاً للناس لا لله، وهكذا تكون الدعوة إلى الديمقراطية بحقها وحقيقتها على أنها فكرة كفر والدعوة لها دعوة كفر ولا دخل للانتخابات فيها لا من قريب ولا من بعيد.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *