العدد 102 - السنة التاسعة – جمادى الأولى 1416هـ – تشرين الأول 1995م

الرشوة تلك الجريمة التي تجلب لعنة الله

من الجرائم العظيمة التي قبحها الإسلام، وجعل جزاء كل من يشارك فيها الطرد من رحمة الله الواسعة، جريمة الرشوة التي عمد حام المسلمين في شتى ديارهم على تلويث المجتمع بها، حتى تكون سيفاً مسلطاً على رقاب الساقطين في مستنقعها، وحتى لا يظل الفساد والرشوة المنتشرين في الفئة الحاكمة قاصراً عليها، وعندها يستوي الحاكم والمحكوم، فتخرس الألسنة وتنقطع المحاسبة، ويركن الجميع للفساد.

والوعي تتناول اليوم موضوع الرشوة تجليه منها للحقيقة، وبياناً لحكم الله، والله نسأل أن يكرم هذه الأمة الكريمة بردها إلى حياتها الإسلامية الطاهرة التي تحفظ أحكام الإسلام فيها كرامة الإنسان وشرفه، وللمجتمع عفته وطهره، وتستجلب رحمة الله ورضاه بدلاً من سخطه وغضبه.

الرشوة

واقع الرشوة: هي المال الذي يؤخذ من أجل قضاء مصلحة من مصالح الناس ممن يملك صلاحية توجب عليه قضاء هذه المصلحة دون عوض.

وهي تفترق عن الأجرة حيث أن الأجرة تؤخذ مقابل القيام بعمل لا يجب القيام به، أما الرشوة فتؤخذ مقابل القيام بعمل يجب القيام به بدون مقابل ممن يقام بالعمل لأجله، أو مقابل عدم القيام بعمل يجب عليه القيام به. وعلى ذلك فالرشوة هي المال الذي يعطى من أجل قضاء مصلحة يجب على الآخذ قضاؤها، أو قضاء مصلحة بعدم قيام الآخذ بما يجب عليه من عمل، سواء أكانت المصلحة جلب منفعة أم دفع مضرة، وسواء أكانت المصلحة حقاً أم باطلاً. ويقال لدافع الرشوة الراشي، وللقابض لها المرتشي، وللوسيط بينهما الرائش.

حكم الرشوة

والرشوة حرام بصريح النصوص، فقد روى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعنة الله على الراشي والمرتشي» وروى أحمد عن توبان قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي والرائش يعني الذي يمشي بينهما». وهذه الأحاديث عامة فتشمل كل رشوة، سواء أكانت لطلب حق، أو لطلب باطل، وسواء أكانت لطلب دفع أذى، أم لجلب منفعة، لرفع ظلم أو لإيقاع ظلم فكلها حرام. ولا يقال إن الرشوة حرام لأنها طلب باطل، أو إضاعة حق، فإن كانت كذلك فهي حرام، أما إن كانت لطلب حق، أو رفع ظلم فهي حلال، لا يقال ذلك لأن هذا يعني أن تحريم الرشوة جاء معللاً بعلة فإذا وجدت وجد الحكم، وإذ هبت ذهب الحكم، وهذا غير صحيح، لأن جميع النصوص التي جاءت في تحريم الرشوة لم تعلل تحريمها بعلة من العلل، ولا يوجد فيها ولا في أي نص ما نستنبط منه علة لتحريم الرشوة، ولذلك كان تحريمها للنص الصريح غير المعلل فلا عله لها مطلقاً. ولا يقال إن قضاء الحق إذا أخذ من صاحبه رشوة جاز لأنه أخذ مال للقيام بعمل حلال، وهو قضاء الحق، لا يقال ذلك لأن النصوص التي حمرت الرشوة جاءت عامة، فتبقى على عمومها تشمل جميع أنواع الرشوة، فإذا أريد تخصيصها واستثناء بعض أنواع الرشوة احتاج الأمر إلى نص آخر يخصصها، لأن النص لا يخصصه إلا نص من الكتاب أو السنة، ولم يرد نص فتبقى عامة دون تخصيص. وعليه فجميع أنواع الرشوة حرام، لا فرق بين أن تكون طلب حق، أو طلب باطل، رفع ظلم أو إيقاع ظلم، دفع أذى أو جلب منفعة، فكلها تدخل تحت عموم النص.

وكذلك لا فرق في تحريم الرشوة بين أن تكون للحاكم، أو للموظف أو للرئيس أو غير ذلك فكلها حرام. ولا يقال قد روى أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعنة الله على الراشي والمرتشي في الحكم» وهذا مقيد في الحكم فيحمل المطلق على المقيد. لا يقال ذلك لأن اللفظ الذي يعتبر الوصف قيداً له هو اللفظ المطلق لا اللفظ العام، أما اللفظ العام فيجري فيه التخصيص لا التقييد، وإذا ورد معه قيد فإنه يكون من قبيل التنصيص على فرد من أفراده لا من قبيل التقييد. وهنا لفظ الراشي والمرتشي والرائش لفظ عام وليس لفظاً مطلقاً، ولذلك لا يكون قوله: “في الحكم” قيداً له حتى تحمل عليه باقي الأحاديث بل يكون تنصيصاً على فرد من أفراده وهو الحكم فتبقى الأحاديث كلها عامة، وتظل على عمومها، فكل رشوة حرام سواء أكانت لحاكم أو لموظف أو لغير ذلك. فرشوة الشرطي لدفع الأذى كرشوة الحاكم، ورشوة مدير الشركة ليشتغل بها، أو حتى لا يُسرَّح منها كرشوة محصل الضرائب، أو مبلغ الدعاوي حتى لا يبلغه. ورشوة رئيس العمال حتى يخفف عنهم العمل أو لغير ذلك كرشوة العامل عند التاجر يعطيه إياها الزبون مقابل أن ينتقي له بضاعة جديدة من بين البضائع، وكرشوة عامل المطبعة ليتقن عمله يعطيه إياها صاحب الكتاب في غفلة من صاحب المطبعة، فكلها رشوة، وكلها حرام لأنها مال يؤخذ مقابل القيام بعمل يجب القيام به دون مقابل ممن يقام بالعمل لأجله. ويدخل في الرشوة ما يدفعه بعضهم لمن له وجاهة عند موظف ليستعمل نفوذه لديه ليقضي له حاجة، ولكن الموظف ليس هو الذي يأخذ المال، وأما الذي يأخذ المال هو الذي يكلم الموظف. فيدفع له المال مقابل مكالمته. فهذا أيضاً رشوة لأن هذا المال أُعطي مقابل قضاء مسلحة ممن يجب عليه قضاؤها فكان رشوة، سواء أخذه من قضى المصلحة أم لم يأخذه. إذ لا يشترط في تحقق كون المال رشوة أن يأخذه من باشر القيام بقضاء المصلحة، بل الشرط في كون المال رشوة أن يؤخذ هذا المال مقابل القيام بعمل، سواء أخذه الشخص، أم صديقه أم من له وجاهة عنده، أم قريبه أم رئيسه أم غير ذلك، إذ العبرة في تحقق كون المال رشوة أن يؤخذ مقابل قضاء مصلحة يجب قضاؤها دون مقابل ممن تقضى له.

ومثل الرشوة في الحرمة الهدية تهدى للحكام والعمال وأمثالهم حتى عدها بعضهم من الرشوة لأنها تشبهها من حيث كونها مالاً يؤخذ من أجل القيام بعمل يجب القيام به دون مقابل ممن يقام بالعمل لأجله. وقد جاء تحريم الهدية للحاكم والعامل وأمثالهما صريحاً في الأحاديث فعن بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من استعملناه على عمل فرزقناه رزقاً فما أخذ بعد ذلك فهو غلول» أو قد سماها الرسول صلى الله عليه وسلم سحتاً أي مالاً حراماً، فقد أخرج الخطيب في تلخيص المتشابه عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هدايا العمال سحت».

فإلى العمل الجاد والدؤوب من أجل عودة مجتمع الطهر والعفاف، ودولة رعاية الشؤون، دولة الخلافة ندعوا المسلمين.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *