العدد 103 - السنة التاسعة – جمادى الآخرة 1416هـ – تشرين الثاني 1995م

مؤتمر الذكرى الخمسين للأمم المتحدة

بقلم الأستاذ: إبراهيم آل إبراهيم

كل من تتبع سير احتفالات الخمسين لتأسيس منظمة الأمم المتحدة في منتصف شهر أكتوبر 95، يكون – بلا شك – قد أذهلته الرسميات الشكلية والترتيبات المبالغة التي أحاطت بالمؤتمر طوال انعقاده. وزاد من ذلك أن حضور رؤساء وملوك ورؤساء وزارات يمثلون في جملتهم 185 دولة ضخم أهمية الأمم المتحدة بصفتها المنظمة العالمية الفريدة من نوعها. إلا أن غالبية الحاضرين – أي ممثلي 180 دولة – لم يكونوا في الواقع إلا متفرجين لا يملكون إلا ما تمليه عليهم الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن والمضحك في كل ذلك أن الذين أطلق عليهم ضيوف الاحتفال لم يكونوا ضيوفاً عند أحد، بل كانت إقامتهم ومصاريفهم على حساب أموال شعوبهم، ولا أود الاسترسال هنا في التعرض للبذخ والترف الذي نعم به هؤلاء الرؤساء والملوك خلال مدة إقامتهم القصيرة لكن يكفي ذكر ما نقلته إذاعة CNN الأميركية – التي غطت المؤتمر – أن تكاليف المبيت في فندق لكل ضيف تتراوح بين 2000 و6000 دولار، باستثناء بعض الوفود الفقيرة الحال والتي اضطرت أن تسكن فنادق شعبية على أطراف مدينة نيويورك. وتساءل أحد الصحافيين الأميركيين عن كيفية قضاء الرؤساء والوزراء أوقات فراغهم في مدينة نيويورك، فأجابه أحد العارفين أن أفخر محلات متاجر نيويورك مكتظة بهم حيث يقومون بالتبضع وشراء الهدايا لعائلاتهم وأصحابهم.

المهم في هذا المؤتمر أنه التجمع الأول من نوعه الذي جمع كل زعماء مع اختلاف اجتهاداتهم أو تبعياتهم وعمالتهم وقوة دولهم. وقام كل واحد منهم يلقي كلمته القصيرة التي لا تتجاوز مدتها خمس دقائق هذا يمدح ويمجد المنظمة والآخر يجدد لها العهد والولاء وذاك يترامى منصاعاً أمام مبادئها، والقليل يشتكي من كليها بمكيالين وظلمها وعدم عدلها.

حرصت على ألا أضيع فرصة مشاهدة زعماء الأمة الإسلامية والاستماع إلى فحوى كلماتهم التي بلغت نتانتها عنان السماء والتي لم تتعرض لا من قريب ولا من بعيد إلى رعاية شؤون الأمة والذود عن مصالحها (بل كانت كلها موجهة ضد الأمة تحقيراً وسباً وتهديداً).

باختصار كان رؤساء الوفود يمثلون اتجاهات مختلفة حسب المفاهيم الأساسية للدول المسيطرة عليهم سياسياً أو اقتصادياً أو عسكرياً.

1- رؤساء العالم الغربي، وبالخصوص رؤساء بريطانيا وأميركا وفرنسا أشادوا بالمنظمة ومنجزاتها وأكدوا على كونهم أصحاب القرارات في المنظمة بصفة أو بأخرى. وجاء رئيس روسيا ليلفت انتباههم إلى أن روسيا يجب أن يحسب لها حسابها كدولة قوية وكبرى. وكان لرئيس الصين الموقف نفسه بالنسبة لدولته.

2- الدول الغربية التابعة للاتحاد الأوروبي كان وجودها السياسي ضعيفاً، خاصة وأن المستشار الألماني لم يشارك في المؤتمر وانتقده انتقاداً لاذعاً عندما وصف مستواه الفكري بالمستوى المنخفض. وارتفعت أصوات بعض الدول مثل النرويج وكرواتيا تطالب بضم ألمانيا واليابان إلى مجلس الأمن كعضوين دائمين على فرنسا وقيامها بالتجارب النووية، ولوحظت شدة اللهجة في كلمات مورياما الياباني وكيتسن (استراليا) وبورجا (زيلنده الجديدة)، وشاركتها الدول الصغيرة الأخرى مثل غينيا الجديدة والفلبين والملوين وتونغا وتاهيتي… الخ.

3- رؤساء البلاد العربية والإسلامية وحكامها الذين ضربوا بمواقفهم وكلماتهم الرقم القياسي في الخنوع والاستسلام والخيانة والانصياع للغرب، كان لسان حالهم يقول وهم يهرولون إلى هذه المنظمة الكافرة.

أمير القوافي قد أتيت مبايعاً

                  وهذي وفود العرب قد بايعت معي

جاءوا جميعاً لتجديد عهد الخضوع اللامشروط لما تمليه عليهم المنظمة وأسيادها، وأطروا عليها وعلى ومؤسسيها ومدحوا مساعيها ومنجزاتها (مدحوا بذلك تثبيت اليهود في فلسطين وتشريد الملايين من أهلها المسلمين في البوسنة والهرسك والصومال والعراق بالإضافة إلى سياسة التجويع التي تنتهجها هذه المنظمة المجرمة ضد شعبي ليبيا والعراق… الخ).

هذه هي المنجزات الحقيقية لمنظمة الأمم المتحدة التي بنيت قواعدها على المبادئ الأساسية للأسرة الأوروبية النصرانية والتي قامت في القرن السابع عشر من أجل القضاء على الخلافة الإسلامية.

ولقد بالغوا جميعاً في الإطراء والمدح وتأكيد الولاء لمبادئ المنظمة حتى يخيل للسامع أن الحكام يقفون في مسابقة لغوية تتناول البديع والمجاز والتشبيه البليغ في سوق عكاظ.

ولقد وصل الحد بالممثل السعودي أن عزا تأسيس المنظمة إلى والده الملك عبد العزيز سعود، جاعلاً أسسها إسلامية سلفية، أما الملك حسين فأظهر ولاءه المطلق لمبادئ المنظمة واستغل ذلك ليمتدح أعماله الخيانية في الصلح مع دولة يهود – دولة إخوانه – كما أشار في كلمته أن الأردن سيفتتح أول فرع جامعي تدرس فيه قواعد الأمم المتحدة (في الوقت الذي يحارب فيه تدريس مبادئ الإسلام الحقيقية)، وأضاف أنه في الوقت الذي يقف في مكانه متكلماً يقوم سربان من طائرات أردنية وطائرات إسرائيلية بالتحليق في أجواء الأردن وإسرائيل تخليداً لأرواح الشهداء في البلدين، واصبح الذين تلطخت أياديهم بدماء المسلمين – حسب زعم الملك حسين – شهداء ألا لعنة الله على الظالمين.

أما الأمير سيدي محمد، ولي العهد المغربي الذي تكلم نيابة عن والده الذي أصيب – حسب الأخبار – بأزمة ربوية في نيويورك، فقد أكد ولاء المغرب للهيئة الكافرة وقارن مبادئها بمبادئ الإسلام الذي ينبذ العنف وينشر التسامح.

وفيما يتعلق بفاروق الشرع – وزير خارجية سورية – فإنه تعرض في كلمته إلى مكانة الأمم المتحدة حيث يرى أنه تمثل أحسن إطار لتوطيد العمل. لذلك يجب العمل من خلالها لضمان حياة أحسن. وأضاف قائلاً بأن الأمم المتحدة لعبت دوراً في إنهاء الاستعمار والعنصرية، غير أن إسرائيل ترفض الأمم المتحدة وقراراتها (متناسية أن المنظمة هي التي ثبتت إسرائيل)، والشرع يقصد من ذلك كله توجد إسرائيل في الجولان، أما فلسطين فهي أرضها وحقها.

وأثبت ديميريل انتماءه الماسوني في بداية كلمته عندما قال أنه يجب العمل من خلال الأمم المتحدة لتحقيق الخير لكل الإنسانية ضمن مبادئ إنسانية مشتركة. ودعى الدول الحاضرة للحضور إلى استنانبول للمشاركة في مؤتمر تبحث فيه مشاكل المدن الكبرى المكتظة بالسكان (والمقصود من ذلك المدن الإسلامية الكبرى والمؤتمر ما هو إلا امتداد لمؤتمر السكان الذي انعقد بالقاهرة سنة 1994).

وأما بقية زعماء العالم الإسلامي سواء سوهارتو أو زروال أو بوتو أو ممثلي السعودية والبحرين والإمارات العربية وعمان واليمن إلخ، فإنهم لم يخفوا بدورهم ولاءهم المطلق للمبادئ الظالمة المنظمة، وركز بعضهم على تحذير العالم من “كابوس” الإرهاب الذي تجب مقاومته والقضاء عليه بالإضافة إلى “الأصولية” التي لا تعرف التسامح. وهم يقصدون بذلك الحركات الإسلامية.

أما وزير خارجية الجماهيرية ونائب رئيس العراق فقد جاءا مستعطفين، حتى وإن حملت كلماتهم بعض عبارات التهجم على جزء من صانعي القرار في الأمم المتحدة وهما يقصدان بذلك الولايات المتحدة. إلا أن وقوفهما في هذا المكان لا يعبر إلا عن ارتباط دولتيهما بهذه المنظمة حتى وإن ظلمتهما:

يا أعدل الناس إلا في معاملتي

                  فيك الخصام وأنت الخصم والحكم

وخلاصة القول إن الذي تتبع المهزلة “الأممية” يكون قد توصل إلى استنتاج أن الكلمة الأولى والأخيرة فيها هي لصانعي القرار في مجلس الأمن، مع تفاوتهم في قوة التأثير على القرارات.

أما بقية الدول باستثناء دويلات العالم الإسلامي، فإنها ترضخ رغم أنفها لنير وجهة النظر الغربية نظراً لافتقارها إلى مبدأ يناقض المبدأ الرأسمالي الغربي عقيدة وأنظمة.

أما زعماء العالم الإسلامي فإنهم أيدوا برمتهم حرصهم على الحفاظ على المصالح الغربية حتى ولو أدى الأمر إلى تصفية شعوبهم عن بكرة أبيها للإبقاء على عروشهم ونيل رضا أسيادهم في واشنطن ولندن وباريس. وما تجديدهم للعهود وبالإيفاء لها على منصة الأمم المتحدة الكافرة إلا دليل قاطع على عزمهم في المضي قدماً في حبك المؤامرات الخيانية ضد الأمة الإسلامية، وجعل ناصيتها بيد أعدائها وفتح أبواب العالم الإسلامي أمام كل نجس أفاك ليدوس على كرامة الأمة ويعبث بخيراتها ويشل مقاومتها.

ولقد عجبت من الكلمة التي ألقاها رئيس دولة أستونيا _ وهي دولة من دول البلطيق لا يزيد عدد سكانها عن المليون ونصف المليون – عندما تحدى الأمم المتحدة وصانعي القرار فيها حيث قال إن الدول الضعيفة لا محل لها من الأعراب في المنظمة لأن القرار فيها للقوي ونادي بتكتيل الدول الضعيفة لتقف في وجه الدول الكبرى حتى تؤثر على صناعة القرار، ودعا زعماء العالم الثالث لحضور مؤتمر في بلده يبحث في ذلك حتى لا يترك مستقبل المعمورة ألعوبة في يد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن.

وأما حكام بلاد المسلمين فهم بعيدون أن يخلصوا للأمة ولو مثقال ذرة حيث تنكروا لواقع الأمة ومقدراتها ولمبدأها وعقيدتها، ويعملون جادين جاهدين لعرقلة كل مساعي وحدتها واستعادة قوتها واجتماعها على قلب رجل واحد.

أمة حباها الله بالرجال والأموال والخيرات وبرسالة ربانية كفيلة أن تجعل من جحيم المبادئ البشرية جنة تنعم فيها شعوب المعمورة. وتكفي الإشارة في هذا الصدد إلى أن مساحة العالم الإسلامي تتجاوز 33 مليون كيلو مبتر مربع يسكنه 1.5 مليار مسلم ويحتوي على ثلثي خيرات العالم.

لهذا والأمة والإسلامية تشهد ما يحدث من هؤلاء الحكام الظلمة المعطلين لأحكام دينها أن توضع موضع التطبيق، وتشهد عدائهم لله ولرسوله وللمؤمنين فإنها تتحمل وزر ذلك عندما تقف أمام رب العالمين يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، إذا لم تحملهم على الحق وتوقفهم عند حدهم والتمادي في الاستهتار والاستخفاف بالأمة، وذلك بالتخلص منهم وتوحيد الشعوب الإسلامية في دولة الخلافة الراشدة، تعلوها راية العقاب وتبايع خليفة يحكمها بما شرع الله لها من شرائع وأحكام ويكون جُنة لها تقاتل من ورائه وتتقي به، وتصبح صانعة القرار والمؤثرة في الرأي العام الدولي، وتجعل المبادئ والمفاهيم الإسلامية أسساًً له، يأوي إليها المستضعفون، ويوضع بها حد لغطرسة الدول الاستعمارية وما أنتجته من منظمات طاغية وظالمة أفسدت على الناس طبيعتهم وزرعت في ديارهم الفساد والانحلال والحروب والجوع وأدت بهم إلى الهلاك والدمار.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *