العدد 104 - السنة التاسعة – رجب الفرد 1416هـ – كانون الأول 1995م

أنا أسوس رجالاً

دخل جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يؤمئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: «ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟».

فقال جارية: «دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه».

فقال له معاوية: «ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية… ».

فرد عليه جارية: «أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب».

فصاح معاوية: «أسكت لا أم لك».

فرد جارية: «بل تسكت أنت يا معاوية (ولم يقل أمير المؤمنين) لي أم ولدتني وللسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم».

فصاح فيه معاوية: «لا أكثر الله من أمثالك».

فقال جارية: «يا هذا – ولم يقل أمير المؤمنين أيضاً – قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة».

ثم خرج جارية من المجلس غاضباً دون أن يستأذن.

فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: «إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواًن أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟».

فابتسم معاوية، ثم قال: «أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم».

فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: «كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم… ».

وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطية تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت… فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *