العدد 104 - السنة التاسعة – رجب الفرد 1416هـ – كانون الأول 1995م

المسلمون في أوروبا

بقلم: محمد عبد الله

خلق الله البشر وجعل فيهم غرائز وحاجات عضوية وأكرمهم بالعقل. ومن الغرائز غريرة البقاء، وتتخذ هذه الأخيرة مظاهر شتى من بينها ما يحصل من ردود فعل كلما قصد إنسان إنساناً آخر لكي يعيش بجواره، فيسرع كلاهما إلى تحديد علاقة تضمن لكل منهما بقاءه وتقيه كل ما يمكن أن يحدث اتجاهه من طرف الآخر والذي يحدد نوع هذه العلاقة هو ذلك العقل الذي يختار له وجهة نظر معينة يعالج من خلالها وقائع حياته في جميع نواحيها. وما ينطبق على الإنسان بمفرده ينطبق على جماعات أو شعوب أو دول. وفي صدد الكلام عن واقع المسلمين في أوروبا – وعن العلاقة التي توجد بينهم وبين الأوروبيين – يخطئ من ينظر إليه على أنه وقاع أنتجته فقط ردود فعل طبيعية تظهر كلما هاجر قوم للعيش في بلاد قوم آخرين، وبالتالي يغفل الناظر عن حقائق أساسية في تقويمه للواقع ومن ثم يخطئ في الحكم عليه. وسنحول توضيح ذلك في ما يلي.

ففي موضوع المهاجرين نجد المسلمين، وفي موضع المهاجَر إليهم نجد الأوروبيين، فكلا الطرفين له مميزات وخصائص ينفرد بها عن الآخر.

فالمهاجرون هم مسلمون ينتمون إلى أمة عريقة اتخذت من الإسلام عقيدة ومن أحكامه أنماطاً في عيشها وحملته دعوة وقيادة فكرية إلى باقي الشعوب والأمم ومن بينها شعوب أوروبا، فقد كان أول اتصال بين المسلمين والأوروبيين في الحروب الصليبية والتي كانت نتيجة لما زرعه رجال الدين النصراني في أوروبا من بغض وحقد على الإسلام والمسلمين. وبعد انتهائها بعدة قرون قام المسلمون في القرن الخامس عشر الميلادي فغزوا الغرب وفتحوا مناطق شتى من أوروبا حتى أنه وجد ما سمي بالمسألة الشرقية والتي كانت تعني العمل من جانب أوروبا لوقف الفتح الإسلام ورد الجيوش الإسلامية ودرء خطر المسلمين. وهكذا تأصل في نفوس الأوروبيين عداء وبغض للإسلام والمسلمين، وقد توارثوه أباً عن جد، وبالتالي كان له دور في كل ما يحددونه من علاقات ويتخذونه من إجراءات تجاه المسلمين عامة وتجاه الجالية المسلمة المقيمة في أوروبا خاصة، وذلك يتجلى واضحاً في تصريحات من يعبرون عن رأيهم وفي تصورات عوامهم، (قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ).

فأما الأمة الإسلامية اليوم فقد تشتت في دويلات كرتونية لا ترعى لأفرادها شأناً فملأتهم ذلاً وفقراً، فهاجر بعض المسلمين قاصدين أوروبا، ولكن هذه المرة ليسوا فاتحين ولكنهم طالبين لقمة عيش. ثم بدأ الدفءُ يسري شيئاً فشيئاً في جسم هذه الأمة وأصبحت فيها قابلية الرجوع إلى الإسلام الذي فيه عزها ومجدها وأن تتفهمه الفهم الصحيح، وكان طبيعياً أن يصل هذا الدفء وقابلية الفهم هذه إلى جزء الأمة الموجود في أوروبا، ومن ثم كان هذا أمراً أساسياً يحدد ما تتخذه دول أوروبا من سياسات تجاه من يقيم عندها من المسلمين. ولكي يتضح الأمر، نأخذ على سبيل المثال دولة مثل فرنسا، فعدد سكانها ستون مليون، منهم ستة ملايين مسلم وفي سنة 2070م من المتوقع أن يصبح المسلمون فرنسا ثمانية وثلاثين مليوناً والفرنسيون ما بين خمسة وخمسين وستين مليوناً. وهذه النتيجة تتوقع مثلها باقي الدول الأوروبية، فالأمر بالنسبة إليهم مرعب ويزداد رعبهم إذا وعى هؤلاء المسلمون على الإسلام وعلى دورهم فيه، ويشتد الأمر بلاء عليهم كما يزعمون إذا قام للمسلمين كيان سياسي في بلادهم الأصلية، حيث أن دولة الإسلام آتية لا محالة. لذلك فمسألة حيوية بالنسبة لدول أوروبا أن تحول دون وصول حرارة جسم الأمة الإسلامية في البلاد الإسلامية إلى جزئها في أوروبا، ولذا فإن دول أوروبا تحاول جادة أن تقطع هذا الجزء عن جسمه وخلق ما يمكن أن نسميه إسلاماً أوروبياً منفصلاً عن العالم الإسلامي وتتخذ لذلك أساليب من بينها: إبراز جمعيات “إسلامية” تحث المسلمين وتدعوهم إلى الاهتمام بأنفسهم كأفراد، وتصور لهم الإسلام كطقوس كهنوتية وأعمال خيرية، وتبرز قضايا جديدة مثل “الصداقة” الإسلامية المسيحية وتعاون الأديان السماوية، وتعمل على إيجاد مدارس وجامعات يتخرج منها من يقوم بهذه الدور. وتأطر ذلك كله بهيئات رسمية يترأسها المسلمون، ثم تلقي الأضواء على ذلك بالمحاضرات هنا وهناك وإعداد البرامج المتلفزة الكثيرة في هذا المضمار. وغيرها من الوسائل والأساليب التي من شأنها أن تلهي الشباب المتحمس للإسلام من أبناء المهاجرين بقضايا جزئية ملتصقة بواقعهم بصفتهم مقيمين في أوروبا.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فالمهاجَر إليهم، أي الأوروبيون، يحملون فكرة أساسية عن هذا الموجود وما يتعلق به وهي فصل الدين عن الحياة وما يتفرع عنها. تلك الفكرة التي أفرزتها عفونة الغرب كالميكروب أو الفيروس يأخذ أشكالاً وأسماء مختلفة باختلاف النواحي التي تعالج.

وفيما يتعلق بعلاقة الدولة التي تحمل هذه الفكرة بغيرها من الشعوب والأمم يكون هذا الميكروب استعماراً وامتصاصاً لخيرات الناس، وهذا كلام لا يحتاج إلى دليل. ومن بين البلاد التي يبسطون عليها نفوذهم، البلاد الإسلامية، فهم دائماً في حاجة إلى إيجاد رأي عام لدى شعوبهم وتهيئتها لقبول إجراءاتهم وتصرفاتهم تجاه تلك البلاد. ولتحقيق ذلك يستعملون المسلمين الموجودين عندهم حيث يستفزونهم بقضايا تمس أحكام دينهم، فها هو بلد الحريات وحقوق الإنسان يطارد فتيات من أبناء المسلمين لارتدائهن اللباس الشرعي في المدارس، أو يستفزون المسلمين بإحضار من يستنكرون من أشخاص يطعنون في دينهم وعقائدهم ثم يستغلون ردود فعلهم حتى يوهموا شعوبهم (أي الشعوب الأوروبية) بأن خطر ما يسمونه بالتطرف الإسلامي أقرب إليهم مما يظنون ثم يُذكون ذلك ويوسعونه بوسائل إعلامهم.

وفيما يتعلق بعلاقات هؤلاء الأوروبيين فيما بينهم داخل مجتمعاتهم فإن الميكروب الذي تحدثنا عنه يأخذ أشكالاً وأسماء أخرى فالركض وراء الملذات وإشباع الشهوات أدى إلى الإشباع الخاطئ الشاذ فانتشر اللواط والشذوذ الجنسي والبغاء وغيرها من الأمور اللاإنسانية التي نتجت عما يسمونه بالحريات الأساسية الأربع وهي حرية الاعتقاد وحرية الرأي وحرية التملك والحرية الشخصية. وهذا كله من شأنه أن يولد ضعفاً في نسبة المواليد عندهم، وبالتالي ضعفاً في الطاقات الشابة في المستقبل. فتكون الدول الأوروبية بحاجة إلى من يملأ لها هذا الفراغ، وبحكم مقياس المنفعة تلجأ إلى أبناء المسلمين لهذا الغرض. ولكن قبل ذلك يجب أن تسلخهم عن أصلهم المسلم، فطلعت عليهم بفكرة الإدماج، واتخذت لذلك هيئات وجمعيات أطلقت عليها اسم الهيئات الثقافية والجمعيات الرياضية، وجندت لذلك كُتّاباً و”مفكرين” وحتى بعض من يتسمون بالأئمة.

وصدق الله عز وجل إذ قال: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ). وما يصدق هنا على الأوروبيين يصدق على الغرب برمته. فهلا وعي المسلمون على هذه الأخطار المحدقة بهذا الجزء من أمتهم فيعملون على دوام اتصاله بأصله فكرياً وشعورياً وأن يعملوا كذلك على أن تكون الجالية المسلمة في أوروبا وغيرها كالتجار الحضارمة الذين ذهبوا للشرق الأقصى وأدركوا أن عملهم الأصلي هو حمل الدعوة وليس التجارة وجعلوا هذه الأخيرة ثانوية ولذلك أسلم على أيديهم الخلق الكثير.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *