العدد 104 - السنة التاسعة – رجب الفرد 1416هـ – كانون الأول 1995م

ما هو الهدف الحقيقي للوجود العسكري الأميركي في ديار المسلمين؟

بقلم: م. حمادي

لم يطرح حادث تفجير القاعدة الأميركية بالرياض الحديث من جديد وحسب عن حجم القوات الأميركية في الخليج العربي ومهمتها بل وأثار في المسلمين العديد من التساؤلات حول الأهداف الأميركية من نشر قواتها على امتداد العالم الإسلامي، حيث يوجد في تركيا خمس وعشرون قاعدة عدا قوات الناتو وفي المغرب قواعد جوية تم تجديدها وتوسيعها في مطلع التسعينات، وأما عن مصر وعُمان فحدث ولا حرج، والكويت والبحرين أصبحتا مقراً لقيادة القوات الأميركية في الشرق الأوسط فضلاً عن كونهما مخازن لسلاح هذه القوات. وكذلك دولة الإمارات العربية المتحدة لم تنج من هذا الوجود القهري للقوات الأميركية، وتسعى أميركا الآن إلى أن تضع يدها على مرتفعات الجولان باعتبارها ضامنة معاهدة السلام التي يجري العمل لإتمامها الآن على قدم وساق، والمبرر الذي تتناوله الصحف ويكرره السياسيون دون وعي ولا إدراك أو خداعاً وتضليلاً هو قولهم: المصالح الحيوية، ويفسرون ذلك بمنابع البترول وحمايتها. مع أن الحقيقة أخطر من ذلك بكثير فالبترول والحصول عليه لا يشكل قضية ذات شأن، فالولايات المتحدة عند الضرورة يمكنها أن تستغني عن بترول المنطقة ولديها مخزون هائل منه، كما أن الدول المنتجة ليست في مصلحتها بل وليس في مقدورها أن تتخلى عن السوق العالمية التي تتحكم فيها أميركا بالدرجة الأولى، لكن الأمر أبعد من ذلك فهو يتعلق بالصراع الحضاري بين الغرب والمسلمين ومحاولة الغرب منع المسلمين من النهضة الصحيحة على أساس الإسلام.

ويكن لنا إدراك ذلك من استعراض التالي:

1- إن الحكام في الدويلات الكرتونية القائمة في العالم الإسلامية قد جلبوا على المسلمين جميعاً أمام العالم الخزي والعار، وجعلوا هذه الأمة الكريمة التي هي خير أمة أخرجت للنا من أحط الأمم وأذلها، وذلك في استخذائهم وتآمرهم مع أعداء الإسلام والمسلمين، واستسلامهم المخزي أمام يهود، وإهمالهم في رعاية شؤون أمتهم حتى ضاقت الدنيا بما رحبت على الناس، وأصبحت التبعية والتخلف سمة هذه الأمة رغم أنها تمتلك أرقى حضارة وأعظم عقيدة، واضخم الطاقات المادية والبشرية، وما لديها لا يتوفر لأمة من الأمم، وخاصة أبنائها، أحفاد الصحابة الكرام.

2- إنه نتيجة لإدراك الأمة للواقع المخزي الذي وصلت إليه، وبناء على الهزائم المنكرة التي منيت بها الأمة الإسلامية في العقود الأخيرة وعلى يد الخونة والمأجورين، أي على يد حكامها، استيقظت في الأمة أحاسيس النهضة وتوهجت في أوساطها شعلة الفكر المستنير، فبدأ الطاقة الكامنة في الأمة والمنبثقة من عقيدتها تدفعها بعزم وثبات نحو التغيير الانقلابي الشامل في أرجاء العالم الإسلامي بكامله.

3- يمثل هذا التوجه والتحرك للتغيير لدى الأمة والذي تقوده الحركة الإسلامية الخطر الحقيقي والوحيد على السيطرة السياسية والاقتصادية والحضارية التي تمارسها أميركا والدول الكبرى على البلاد الإسلامية.

4- رغم أن الدول الكبرى لا سيما الأميركان والإنجليز والروس يهرعون دائماً إلى مساعدة عملائهم من الفئات الحاكمة ومن الرجعيين والظلاميين ومن المروجين لسياستهم وقيادتهم الفكرية، من أجل وقف الحركة الإسلامية والقضاء على سعيها للتغيير الانقلابي الشامل، إلا أنهم يدركون أن لا سبيل إلى ذلك، وأن الأنظمة التي أقاموها لا بد أن تزول بعد أن ظهر عوارها وعفنها وعجزها المهين. فالمسألة مسألة وقت ليس غير. ولذا فإنهم يعدون أنفسهم منذ الآن للمواجهة العسكرية مع أهل المنطقة حين يأذن المولى تبارك وتعالى بالتغيير ويمن على عباده بالنصر، فتتساقط أكياس الرمل التي يحتمي بها الكفار، والتي تتمثل في الحكام والمنافقين والمفكرين المضبوعين بالثقافة الأجنبية والظلاميين الذين ألفوا العيش في ظلام الأنظمة الوضعية العلمانية وارتبطت مصالحهم بالأجنبي الكافر.

حينئذ ستكون المواجهة العسكرية القاسية بين الإسلام الخالص ممثلاً في الدولة الإسلامية وبين الدول الكبرى الكافرة الطامعة في دوام فرض السيطرة والهيمنة على المسلمين ومقدراتهم، والهادفة إلى عدم تمكين المسلمين من العودة كأمة واحدة في دولة واحد بحاكم واحد وراية واحدة، راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، بنظام واحد هو نظام الإسلام.

في هذا الإطار وبهذا الإدراك الصحيح للواقع يجب أن ننظر إلى الوجود العسكري الأميركي والمناورات المشتركة، وإلى التسهيلات والقواعد العسكرية فيرى حينئذ بوضوح وجلاء أن قوات الانتشار السريع ما هي إلا طليعة القوات الغازية لبلاد الإسلام، وأن المناورات العسكرية ما هي إلا تدريبات عملية حية على أرض المعركة التي ستدور رحاها بين المسلمين وبين أعدائهم الذين سيبذلون كل جهد من أجل الحيلولة دون نهضة الأمة الإسلامية، ودون أن تتبوأ هذه الأمة المكانة اللائقة بها بين الأمم.

ما هو حكم الإسلام في هذا الوجود الأميركي في ديار المسلمين

هذا الوجود العسكري للعدو على أرض المعركة – ديار المسلمين – تكسبه خيرة عملية ذات أهمية بالغة تنعكس نتائجها على أرواح المسلمين ودمائهم وحرماتهم، وهو بمثابة الاشتراك المباشر في إهدار دماء المسلمين ولذا يحرم هذا الوجود شأنه شأن كافة الاتفاقيات الأمنية والعسكرية، مثل تأجير القواعد والمطارات والموانئ وغيرها من التسهيلات العسكرية. والإسلام يحرم ذلك أيضاً لأن فيه كشفاً لعورات المسلمين، ويجعل سيطرة الكافر على أرض الإسلام مما يؤدي إلى انتقاص سيادة الدولة على أراضيها، وذلك لا يجوز شرعاً لأنه يجعل للكافرين سبيلاً أي سلطاناً على المسلمين وهذا ما تحرمه الآية الكريمة: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً). وسيادة الدولة هي قدرتها على أن تتصرف بكامل إرادتها واختيارها استناداً إلى سلطانها الخاص وحده في كافة شؤونها الداخلية والخارجية، وكل نقص في هذه السيادة يؤثر على وجود الدولة بوصفها دولة، مما يستوجب الحرب لحفظ هذه السيادة وحمايتها، ولذا كانت السيادة بالنسبة للدولة أهم المسائل السياسية وأعلاها. وتقديراً لذلك الواقع وجدنا فقهاء المسلمين قديماً وحديثاً يشترطون أن يكون أمان دار الإسلام بأمان المسلمين، أي جعل سيادة الدولة بقوة أبنائها وحمايتهم داخلياً وخارجياً.

واجب المسلمين

واجب المسلمين الوقوف بحزم في وجه الحكام الذين سمحوا وما يزالون ببقاء هذه القوات، ولابد من القيام بكل عمل سياسي يمكن أن يجلّي حقيقة هذا الوجود وأهدافه وكذلك يفضح الأساليب والوسائل التي يخفي بها الحكام هذا الاستعمار العسكري الجديد كاستخدامهم للمناورات المشتركة التي لا تنتهي أسلوباً لستر البقاء الدائم لهذه القوات، ولا بد من العمل الدائم في صفوف القوات المسلحة في جميع ديار المسلمين من أجل أن يعوا هذه الحقيقة ويروا بأعينهم الخطر الداهم الذي يهدد الأمة وسيادتها، لتتحرك الأمة حركة وعي وإدراك للدفاع عن كيانها بل ووجودها.

ولنتدبر قول الحق تبارك وتعالى:

(فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *