العدد 104 - السنة التاسعة – رجب الفرد 1416هـ – كانون الأول 1995م

الحزب السياسي والقيادة السياسية: واقعهما في الإسلام

بقلم: فتحي عبد الله

تبين للقارئ من الحلقتين السابقتين من هذا البحث السياسي الخطير المتعلق بإنهاض الأمة الإسلامية والأخذ بيدها لقيادة العالم حتى تكون عند المهمة التي أوجدها الله تعالى من أجلها في هذه الحياة الدنيا، وهي الشهادة على الناس لهدايتهم وإنقاذهم من جوْر الأنظمة وظلمها إلى عدل الإسلام وهداه، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، حين تحمل الإسلام إلى العالم قيادة فكرية كما حملته أول مرة عن طريق القيادة السياسية التي تكمن فيها وتتمثل في دولة الإسلام التي فرض الله عليها إقامتها في الأرض ليستظل العالم بظل أنظمتها وأحكامها الواردة بالوحي الإلهي إلى الناس كافة، تتبين للقارئ من الحلقتين السابقتين من هذا البحث أنه كان للثقافة الغربية الأثر الأكبر في تركيز الكفر والاستعمار في بلاد الإسلام، وفي عدم نجاح محاولات النهضة، وفي إخفاق سائر الحركات التكتلية سواء أكانت أحزاباً أو جمعيات أو منظمات، لما للثقافة من أثر كبير على التفكير عند الإنسان وهو يسير في معترك الحياة. فقد وضع الكافر المستعمر مناهج التعليم والثقافية في البلاد الإسلامية ولا سيما العربية منها على أساس فلسفة ثابتة هي وجهة نظره في الحياة وهي فصل الدين عن الحياة، وجعل شخصيته هي وحدها المصدر الأصلي الذي تؤخذ منه ثقافتنا كما جعل حضارته (أي طراز عيشه) ومكونات بلاده وتاريخه وبيئته ولك تصرفاته في مجتمعاته النبع الذي ننهل منه كل ما نحشوا به عقولنا، بل عمد أيضاً إلى المغالطة المقصودة فيما ينتزعه للمسلمين من شخصيته من مفاهيم وحقائق عاكساً الصورة الاستعمارية عن هذه الشخصية بأن أعطاها الوضع المثالي الذي يُقتدى به الوضع القوي الذي لا يمكن الاستغناء عنه أو عدم السير معه، مخفياً وجهه الاستعماري الكريه بأساليبه الخبيثة. ثم تدخل في تفاصيل هذه البرامج والمناهج العملية والثقافية كي لا تخرج جزئية واحدة من جزئياتها عن هذا المبدأ العام، فأصبح أبناء الأمة مثقفين ثقافة فاسدة تعلمهم كيف يفكر عيرهم لا كيف يجب أن يفكروا هم أنفسهم، في الوقت الذي تجعل فيهم العجز طبيعياً عن كيفية التفكير الذاتي الذي ينبغي أن يكون. فأضحوا بذلك مثقفين غرباء عن الأمة لأن فكرهم غير متصل ببيئتهم وشخصيتهم وتاريخهم ولا مستمد من مبدئهم الإسلام، غير واعين على محيطهم وحاجاته فصار شعورهم منفصلاً عن فكرهم، فانفصلوا طبيعياً عن الأمة وعن شعورها وأحاسيسها، وصار طبيعياً أن لا يؤدي الفكر الذي يحملونه إلى تفهم صحيح للوضع القائم في البلاد ولا يؤدي إلى فهم صحيح لحاجات الأمة ولا إلى وعي على طريقة النهضة لأنه فكر منفصل عن الشعور إن لم يكن خالياً من الشعور. فضلاً عن كونه فكراً أجنبياً حشا عقولَهم به هذا الكافرُ المستعمر، فكانوا أشخاصاً عندهم الشعور الإسلامي ولكنهم يحملون هذا الفكر الأجنبي مما لن يؤدي، بداهة، إلى إيجاد التكتل الحزبي الصحيح المسبوق بتفهم صحيح. ولم يقتصر أثر هذه الثقافة الغربية على المثقفين أنفسهم بل تعداهم إلى المجتمع حتى صار بجملته، من جراء الأفكار التي تحملها هذه الثقافة والأفكار التي ولدتها الأنظمة الوضعية المطبقة، مجتمعاً ينفصل فيه الفكر عن الشعور مما زاد في تعقيد المشكلة في المجتمع وأدى إلى مضاعفة ثقل العبء في النهضة على أي تكتل حزبي صحيح يأتي ليأخذ على عاتقه مهمة إنهاضه. إذ بعد أن كانت المشكلة التي تواجهها الأمة أو الحزب هي مشكلة النهضة بالمجتمع الإسلامي قبل الحرب العالمية الأولى صارت الآن إيجاد التناسق بين الفكر والشعور عند المثقفين أولاً ثم إيجاد هذا التناسق بين الفكر والشعور بين أفراد المجتمع وجماعته ولا سيما بين هؤلاء المثقفين ومجتمعهم، خاصة وأنهم قد أخلصوا للفكر الأجنبي المجرد الخالي من الشعور مما أدى إلى وحشتهم من مجتمعهم واحتقاره والابتعاد عنه ومقابلته بعدم الاكتراث، كما حملهم هذا الفكر على الأنس بالأجنبي الكافر واحترامه والتقرب منه ومقابلته بالاهتمام ولو كان هذا الأجنبي يستعمرهم ويعمل على إذلالهم وتبعيتهم له، حتى صاروا مقلدين لهذا الأجنبي كالقردة أو الببغاوات في تصور أوضاع بلادهم دونما أي إدراك لحقيقة الأوضاع في بلاد هذا الأجنبي الذي يقلدونه، فأصبح هؤلاء لا يعرفون ما ينهض الأمة إلا تقليد له حين يتحدثون عن النهضات ولا تتحرك أحاسيسهم من أجل مبدئهم الإسلام، وإنما تتحرك بحكم الفكر الذي يحملونه من أجل الوطن والشعب وهو تحرك خاطئ، وإذا ما ثار هؤلاء المثقفون أو المضبوعون بالثقافة الغربية فإنهم لا يثورون الثورة الصحيحة من أجل الأمة والبلاد، ولا يضحون من أجلها التضحية المطلوبة الكاملة، لأنهم لا يشعرون شعوراً فكرياً بالأوضاع القائمة التي تكتنفهم وأمتَهم، ولا يحسون ذلك الإحساس الفكري الذي يجب أن يكون بحاجات الأمة، ولو قام هؤلاء وثاروا وطالبوا بالنهضة مثلاً فإن ذلك ليس أكثر ولا اقل من رد فعل ناجم عن صدمة الصدمات مع مصالحهم الخاصة أو تقليداً لثورات الشعوب الأخرى، ولا تلبث ثورتهم هذه أن تزول حين تذهب هذه الصدمة بإلقامهم الوظائف أو بإرضاء نزعاتهم بإشراكهم في الحكم، أو حين تصطدم هذه الثورة بأنانياتهم ومنافعهم أو ينالهم منها الأذى، ومثل هذه الحركات لا يمكن أن ينبثق عنها تكتل حزبي صحيح إلا بعد معالجة أصحابها معالجة تحدث التناسق بين فكرهم وشعورهم بتثقيفهم من جديد ثقافة مبدئية صحيحة (أعني الثقافة الإسلامية) لتكوين عقلياتهم تكويناً جديداً كي يتم الانتقال بعد ذلك إلى إيجاد التناسق بينهم وبين المجتمع حتى يسهل حل مشكلة النهضة به.

وبناء عليه فإن من المستحيل خروج تكتل حزبي صحيح مع هذه الثقافة الأجنبية في المجتمع، ولن يوجد على أساسها مثل هذا التكتل، ومما زاد أيضاً في ثقل العبء على الحزب السياسي المبدئي أو القيادة السياسية للمجتمع أن هذا الكافر المستعمر لم يكتف بثقافته هذه التي أشاعها في أوساط الأمة ولا سيما المثقفين فيها، بل عمد إلى تسميم الأجواء بأفكار وآراء سياسية وفلسفية أفسد بها وجهة النظر الصحيحة عند المسلمين وأفسد بها أجواءهم الإسلامية وبلبل لديهم الفكر بلبلة ظاهرة وخفية في مختلف نواحي الحياة فأفقدهم بذلك المركز الذي يدور حوله تنبههم الطبيعي كمسلمين ألا وهو الإسلام، وكان من جراء ذلك أن غاضت الأحكام الشرعية وهي معالجات لمشاكل الحياة من حياتهم اليومية الخاصة والعامة وصار مقياس الأعمال عندهم النفعية التي حلت محل مقياسهم الطبيعي للأعمال وهو الحلال والحرام، الذي هو تصويرهم للحياة والذي يحدد لهم طراز العيش الذي يجب أن يعيشوه، وصارت كل يقظة عندهم تتحول إلى حركة مضطربة متناقضة تشبه حركة المذبوح لتنتهي بالخمود واليأس والاستسلام، إذ استغل الكافر المستعمر جعل شخصيته مركز دائرة الثقافة وموضع الاتجاه نحوها، استغلها في الأمور السياسية وجعل الاستعانة بالأجنبي قِبلة أنظار السياسيين أو بعبارة أصح محترفي السياسية، فصار أكثر التكتلات يحاول لا شعورياً الاستعانة بالأجنبي، ووجد في الأوساط السياسية من يرى الاستعانة بالدول الأجنبية دونما أي وعي على أن كل استعانة بأجنبي وكل ترويج للاتكال عليه أياً كان هذا الأجنبي هما تسميم أجنبي وخيانة للأمة ولو بحسن نية، لأن ربط قضايا الأمة بالخارج لا يعدو كونه انتحاراً سياسياً ومغامرة حمقاء بمصير الأمة.

وحين النظر إلى المجتمع نرى أن الكافر المستعمر قد سممه على مر السنين بالأفكار البدائية كالوطنية والقومية وكذلك بالأفكار الاشتراكية كما سممه بالإقليمية الضيقة وجعلها محور العمل الآني للأحزاب والجمعيات والسياسيين على حد سواء، كما سممه أيضاً باستحالة قيام الدولة الإسلامية أو باليأس من إرجاعها بعد هدمها وباستحالة وحدة العالم الإسلامي بإيهام المسلمين بأن الاختلاف المدني والعنصري واللغوي يحول دون ذلك مع أن الشعوب الإسلامية جميعها تشكل أمة واحدة هي الأمة الإسلامية التي ينبثق عنها نظام الحياة، وسممه أيضاً بغير ذلك من الأفكار السياسية الخاطئة كقولهم مثلاً: “خذ وطالب” و”الأمة مصدر السلطات” و”السيادة للشعب” وبالأفكار المغلوطة كقولهم: “الدين لله والوطن للجميع” و”توحدنا الآلام والآمال” و”الوطن فوق الجميع” و”العزة للوطن” وبالآراء الواقعية “نحن نأخذ نظامنا من واقعنا” و”الرضا بالأمر الواقع” و”يجب أن نكون واقعيين” وما إلى ذلك من الآراء الواقعية التي تجعل الواقع السيئ مصدراً لتفكير الناس لا موضع تفكيرهم لتغييره.

وكان من جراء هذا التسميم أن تشكل المجتمع على حال تستحيل معها نشوء تكتل حزبي صحيح أو قيام مثل هذا التكتل فلا عجب أن يكون إخفاق التكتلات الحزبية اسماً أمراً حتمياً لأنها لم تقم والحالة هذه على أساس فكري عميق بل مستنير يؤدي إلى تنظيم دقيق وإعداد موثوق به، بل قامت على هذه الأفكار والآراء والمفاهيم الخاطئة المغلوطة. ومن هنا يتبين للدارسين للمجتمعات المحللين لما يجري فيها من تيارات فكرية أن الأحزاب التي قامت في العالم الإسلامي ومنه البلاد العربية كانت أحزاباً مفككة لأنها لم تقم على مبدأ يجمع الفكر والطريقة ويُبين كيفية العمل من حيث الصراع الفكري والكفاح السياسي، بل قامت على أساس مناسبات طارئة أوجدتها ظروف اقتضت قيامها ثم ذهبت هذه الظروف فذهبت بذهابها الأحزاب أو ضعفت وتلاشت أو أنها قامت على أساس صداقات بين أشخاص لاءمت بينهم هذه الصداقات إلى جانب التقاء التفكير عندهم بحكم ثقافتهم الغربية فتكتلوا على أساساها وانتهى تكتلهم بدورانهم حول أنفسهم وحول الواقع الذي جعلوه مصدر تفكيرهم بحكم هذه الثقافة، وبذا لم يكن بين الأشخاص الذين تكتلوا على هذه الأسس وفي مثل هذه الأجواء والمجتمعات رابطة حزبية مبدئية، فكان وجودها ليس خالياً من المنفعة فحسب بل ضاراً بالأمة، وفضلاً عن أن وجودها في المجتمع حال دون وجود الحركة الحزبية الصحيحة أو أخر ظهور مثل هذه الحركة فإنها قد غرست اليأس في نفوس الجماهير وملأت قلب العامة بالسواد والشك وبعثت الريبة في كل حركة حزبية حتى لو كانت حركة صحيحة، وبذرت بين الناس الحزازات الشخصية والأحقاد العائلية وعلمتهم بأساليبها التذبذب والدوران وراء المنافق والنفاق وبعبارة أخرى أفسدت على الأمة طبيعتها النقية وزاد العبء ثقلاً على الحركة الحزبية الصحيحة التي انبثقت فيما بعد من صميم هذه الأمة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *