العدد 104 - السنة التاسعة – رجب الفرد 1416هـ – كانون الأول 1995م

بريد الوعي الله لا يرضى بالملوك

في 20/11/1995م نشرت مجلة “دير شبيجل” الألمانية “Der Speigl” العدد 47، مقالاً حول الأوضاع في السعودية، رأيت أن أترجم بعض أجزاء منه لعل فيه الفائدة لقراء مجلتكم الغراء، ونأمل لكم المزيد من التوفيق والسداد.

م. حامد القاسمي

إن انفجار الرياش زعزع الثقة باستقرار دولة البترول الغنية. العاهل فهد يعاني من مرض خطير. معارضة إسلامية متطرفة تتهم العائلة المالكة الحاكمة بالفساد والنهب، ورثة العرش يتنازعون على التركة، التحالف مع القوة الحامية أميركا مهدد. لقد دعا البلاط الملكي عدداً محدوداً من الدبلوماسيين الغربيين إلى رحلة خاصة، حيث أراد الملك فهد بن عبد العزيز أن يري الدبلوماسيين الجزء الشرقي من الدولة العني بالبترول، وأراد من ذلك أيضاً أن ينفي الشائعات الدائرة عن ضعفه الجسدي. إلا أنه بدل ذلك ظهر في مطار الظهران وهو في ضعف شديد، وبجهد كبير استطاع فهد “72 سنة” أن يقف على رجليه، ولم يتمكن من أن يغادر طائرته إلا عن طريق رافعة ولم يستطع الوصول إلى صالة الاستقبال بمفرده رغم قصر المسافة، وفي إحدى المرات اضطر مساعدوه إلى مساندته ومساعدته في الوقوف بعد وقوعه، ولم يستطع العاهل تركيز نظراته فقد كانت عيونه ترجف.

وحالة الملك هذه لم تذهل الحاضرين فقط بل أثارت في قصور أمراء الخليج وفي أوساط دوائر المخابرات الغربية المخاوف. فهل ستنتهي فترة حكم الرجل الأول في الجزيرة العربية عما قريب؟ وهل سيكون ذلك إيذاناً بانهيار البيت الحاكم وما قد يتبع ذلك من فوضى دموية في منطقة تحوي أكبر قد من الاحتياطي النفطي في العالم؟

المعطيات لا تشير بوضوح إلى إجابة جلية. فالعائلة السعودية والتي تحمل شبه الجزيرة العربية اسمها تقع تحت ضغط سياسي لا مثيل له من قبل.

(فكروا في ما حصل مع الشاه الكافر في إيران) هكذا ذكر في المنشورات التي وزعت في الرياض…

أصعب هزة شهدتها المملكة منذ سنوات كانت يوم الاثنين الماضي أمام معسكر أميركي خاص بتدريب قوات الحرس الوطني السعودي، فقد انفجرت قنبلة تزن مائتي كيلو جرام كانت موضوعة في سيارة مما أدى إلى مقتل سبعة بينهم خمسة أميركيين وإصابة أكثر من ستين جريحاً وقد أعلنت ثلاث مجموعات غير معروفة مسؤوليتها عن الحادث.

وهي تشكل جبهة ضد وجود القوات الأميركية فقد هددت “نمور الخليج” باستمرار العمليات حتى خروج آخر جندي أميركي من الرياض. العملية أصابت سياسية الأمن السعودية في الصميم وبالتحديد التعاون الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأميركية الذي يصفه المسلمون بحلف الشيطان، وأظهر هذا الانفجار أيضاً أن الأصوليين الذين يثيرون العنف والحقد من الجزائر حتى الباكستان يتحدون تلك الأنظمة التي طالما دللتهم وأمدتهم بالمساعدات سراً.

هل يمكن للإسلام الذي يعتبر أساس الدولة السعودية أن يبتلع حماة المدن المقدسة مكة والمدينة؟

في الدولة السعودية المستبدة المتعصبة دينياً التي لا تسمح بوجود الأحزاب والنقابات يستغل العلماء خطبهم في محاسبة مكشوفة للعائلة المالكة.

في أحد عشر ألف مسجد في البلاد يتهرب الخطباء خاصة صغار السن من الانضباط وعرض خطبهم على الرقابة التي يمارسها شيوخ من قبل الدولة. وهم يطالبون بدلاً من ذلك في خطب الجمعة الحماسية الملتهبة الملك وحكومته بإنهاء الوضع غير الأخلاقي السائد في البلاد… وأشد من ذلك ما يظهر على الساحة من تداول في الخفاء لعدة آلاف من الأشرطة المسجلة للخطباء المتعصبين والتي تدعو إلى محاربة العائلة المالكة (العائلة الحاكمة التي تمنع الشعب من ممارسة حقوقه السياسية لا يمكن أن تكون حاكمة بالإسلام) هكذا يقول أحد العلماء. (هذه العائلة خرجت عن الملة) ويحذر إمام آخر الفئة الحاكمة من التهور بقوله: (الله لا يعترف بالأمراء ولا الملوك). يشبه المقربون من العائلة المالكة الوضع ببرميل ملئ ببخار البنزين المضغوط الذي ينفجر بأقل شرارة وقد حصل انفجار في أكتوبر في منطقة بيشه كان بمثابة المؤشر لذلك…

في قصور كثير من الأمراء (هكذا يقول الأصوليون) يسود الفساد والخطيئة فالخمور محرمة بصرامة عند المسلمين لكن يتم تداولها خلف أسوار قصورهم بدون خجل فمخزون الخمرة للعائلة المالكة يعد من أجودها في العالم وتخون دون اكتراث لمصدرها حتى لو كانت من الأعداء، وهي بداءً بأجود الأنواع “POTHSCHILD” الذي يعتبر أكبر ممول للمستوطنات اليهودية في فلسطين مروراً بأنواع الويسكي العديدة لشركة “SEAGRAM” والتي يرأسها أحد ملاكها “EDGAR BRONFMAN” المؤتمر اليهودي العالمي. ويخبر دبلوماسيون عن حفلات للدعاة تقام هناك… وكذلك يذكرون أن مضيفات كبرى شركات الطيران يفضلن قضاء ليلة في الرياض من أجل الحصول على ساعة من الذهب.

وقد قامت الحكومة السعودية بمساعدة البترودولار ببناء جهاز إعلامي كبير يهدف غالباً إلى مدح الملك ووصف المملكة السعودية بأنها بلد إسلامي نموذجي. وقال محرر صحيفة السفير البيروتية ممتعضاً (لقد قاموا بشراء أفضل الصحفيين من الخليج حتى المغرب برواتب خالية).

معلومات فهد بعد حرب لخليج بأن الشرق الأوسط يحتاج إلى CNN عربية وبالطبع بإخراج سعودي أصبحت تحت حيز التطبيق في لندن منذ سنوات فعلى ضفاف نهر التايمز تنتج محطة تلفزيون الشرق الأوسط MBC برامج للتسلية والأخبار والموسيقى وقراءة القرآن وتكلف هذه المحطة سنوياً ثلاثمائة مليون دولار.

البلاد الخرافية الغنية التي كانت تعد ثاني كبريات دول العالم في احتياطي العملات أصبحت الآن محترقة مالياً وتعاني من أزمة مالية كبيرة لأن سعر برميل البترول هبط من خمسة وثلاثين دولاراً للبرميل عام 1981م إلى خمسة عشر دولاراً فتراجعت موارد الدولة من مائة وعشرين مليار دولار إلى أربعين مليار دولار، أما العواقب التي لا يمكن تجاهلها فهي ورشات بناء معطلة مهجورة ورجال أعمال وشركاء عالميون يتذمرون من عدم دفع الحسابات، احتياطات وممتلكات الدولة الكبيرة تقلصت وصرفت وبلغ حجم الديون حوالي مائة وعشرين مليار دولار بسبب مشتريات السلاح والكبيرة.

ينتقد الإسلاميون منذ وقت طويل فساد آل سعود ويلاحظ انضمام أعداد كبيرة لهم منذ حرب الخليج، لقد تم فضح استقلالية الحكم وكرامته عندما قامت الدولة البترولية المعتزة بنفسها بصرف مليارات الدولارات على شراء أحدث الأسلحة من الغرب وإجبارها على إحضار جيوش أجنبية للبلاد وسماحها بأن يكون مع الجيش الأميركي مجندات نساء مما جعل أهل البلاد البدو المتدينين يجدون في ذلك إذلالاً وإهانة لهم…

يشكل البالغون من العمر أقل من واحد وعشرين عاماً حوالي 60% من سكان السعودية البالغ تعدادهم ثلاثة عشر مليوناً وهم يواجهون مستقبلاً غامضاً، ويتساءل أحد الطلاق باستياء في صحيفة السفير (كيف اصبح آلاف الأكاديميين الآن بدون عمل بينما أهم الوظائف الحكومية والاقتصادية والصناعية يحتلها أفراد منن العائلة المالكة ومنهم من لم ينه حتى الدراسة الثانوية؟)، الأمراء ما زالوا يعيشون في ترف ويعطى لكل واحد من العائلة المالكة منذ الولادة عشرة آلاف ريال شهرياً من ميزانية الدولة، فقط في وزارة الخارجية يعمل سبعة وثلاثون أميراً لم يدخلوا جامعة قط إلا أنهم يحتلون أهم الوظائف في الوزارة.

حول السؤال كيف يمكن مواجهة المتدينين المتمردين يوجد اختلاف في الدولة فالملك فهد يميل إلى المسامحة والمصالحة بينما ولي العهد رئيس الحرس الوطني الأمير عبد الله يطالب بعكس ذلك (يجب أن نخلع هذا الفساد من الجذور) ويبدوا أنه استطاع أن يفرض نفسه في ذلك…

أما التخلص من هذا التذمر عن طريق السماح بمعارضة معتدلة فإن هذا كذلك مرفوض من قبل آل سعود وبالرغم من أنه منذ عام 1962م وعد المواطنون بإنشاء مجلس للشورى فإن فهد قام بإنشاء المجلس عام 1993م إلا أنه لا يوجد لأعضاء المجلس الستين أي تأثير أو قيمة. وتفضل الحكومة الاعتماد إلى قوة خمسة أجهزة مخابرات لها اثنان منها يخضعان للملك مباشرة ومن أجل مكافحة المعارضة الإسلامية يمكن للجواسيس الذين تم انتقاؤهم حتى بالعمل والتعاون مع الموساد الإسرائيلي. أما أميركا التي ما زالت تتذكر بفزع سقوط الشاه في إيران فإنها تراقب سقوط أهم حليف لها على الخليج الفارسي باهتمام وقلق متزايد فالولايات المتحدة لا تثق بإخوة فهد الذين سيخلفونه على العرض أو بقدرتهم على إخراج البلاد من الأزمة فولي العهد الأمير عبد الله (71 عام) يعتبر بدوياً سيئاً حيث أنه لا يستطيع أن يلقي خطبته دون أن يتعلثم، والملك فهد يحد بقوة من مهمات وواجبات ولي العهد ويفضل اثنين آخرين من إخوانه وزير الداخلية الأمير نايف (61 عام) ووزير الدفاع الأمير سلطان (73 عام). وفي الصراع على الوراثة يمكن أن يكون انفجار السيارة بمثابة إنذار لعبد الله.

الأميركان يريدون رجلاً من الجيل الثالث عصرياً وغربي الوجه وهو السفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان (46 عاماً) وهو ابن وزير الدفاع سلطان بن عبد العزيز ويبدو أن الصراع على السلطة اصبح لا يهم كثيراً الملك فهد الذي يعاني من مرض السكر وضعف عضلة القلب وزيادة الوزن… فهد الذي يأتي بكرسي المقعدين إلى جلسة مجلس الوزراء يعتبر نفسياً قد تنازل عن العرش فقد أظهر يأسه واستسلامه أمام كبار الضباط حين قال: (لم يبق شيء من الحطب القديم) “يبدوا أن المقصود هنا الشجرة القديمة في العائلة” حتى البراعم والأغصان فإنها ماتت.

 · · · · · · · ·

بعض التحاليل السياسية التي وردت في المقال من قبل المجلة الألمانية لا تتطابق والرؤية السياسية للوعي، والوعي قامت بنشره لتطلع قراءها على بعض المعلومات التي وردت بالمقال.      

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *