العدد 106 - 107 - السنة العاشرة – رمضان وشوال 1416هـ – شباط وأذار 1996م

من الفكر الإسلامي: وقفات مع قضايا هامة

يقع الخلط من قبل العديد من المسلمين بين الأحكام الشرعية التالية:

1- العمل لإقامة الخلافة وإعادة الحكم بما أنزل الله.

2- والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

3- وحمل الدعوة.

والوعي تطرح هذه القضايا للنقاش لعل الله يشرح صدور العاملين للإسلام للرؤية الصحيحة.

العمل لإقامة الخلافة وإعادة الحكم بما أنزل الله

العمل لإقامة الخلافة وإعادة الحكم بما أنزل الله يقتضي أن يكون عملاً سياسياً وأن يقوم به تكتل سياسي، ولا يكفي العمل الفردي فيه لأنه لا يحقق الغاية التي هي إقامة الخلافة والحكم بما أنزل الله. ويجب أن يلتزم التكتل طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم التي سلكها في طريقه إلى إقامة الكيان في المدينة، أي يلتزم أعمال الدور المكي بمراحله الواضحة المتميزة التي حصلت فيه، لذلك يجب أن يكون عمل الكتلة التي تسعى لإقامة الخلافة والحكم بما أنزل الله وفق الأعمال التي قام بها الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة.

الأمر بالمعروف النهي عن المنكر

أما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فموضوع آخر لا علاقة له بالعمل لإقامة الحلافة والحكم بما أنزل الله، فالأمر بالمعروف والمنكر حكم شرعي يجب على المسلمين جميعاً أفراداً وجماعات أن يقوموا به، ويأثمون لتركه، فيجب على كل مسلم يشاهد منكراً أمامه أن يعمل على تغييره بأحد الأساليب الثلاثة الواردة في الحديث حسب استطاعته، فمن يقدر على إزالته باليد أزاله، فإن عجز عن إزالته باليد عليه أن ينكره على من قام به باللسان، فإن لم يستطع فعليه أن ينكره بقلبه.

كما أن الله حض المسلمين على أن يكوّنوا كتلاً وأحزاباً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث قال: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)، وإقامة هذه التكتل والأحزاب فرض كفاية على المسلمين وليس فرض عين على كل مسلم.

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب في كل ويكون في هذا الإنكار تغيير على مرتكب الذنب، وليس تغييراً لفعل المنكر، فإن لم يستطع ذلك فيجب عليه أن ينكر هذا المنكر بقلبه أي أن يكرهه بقلبه وأن لا يرضى به.

 ومن هذا يتبين أن استعمال اليد إنما يكون عند القدرة على إزالة المنكر باليد، فإن عدمت قدرة الإزالة باليد لا تستعمل اليد لأن استعمالها حينئذ لا يحقق الغرض الذي استعملت اليد لأجله وهو إزالة المنكر وتغييره، فمناط استعمال اليد مربوط بقدرة اليد على إزالة المنكر وتغييره. هذا بالنسبة للمنكر الذي يحصل من فرد أو من أفراد.

أما إن كان هذا المنكر قد حصل من الحاكم كأن ظلم أو أكل أموال الناس أو منع الحقوق أو أهمل في شأن من شؤون الرعية أو قصر في واجب من واجباتها أو خالف أحكام الإسلام أو حكم بغير ما أنزل الله، ففرض على المسلمين جميعاً محاسبته أفراداً وجماعات وكتلاً وأمة، ويأثمون بترك محاسبته لما روى حذيفة بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجاب لكم»، ولما روى مسلم عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره برئ ومن أنكر سلم ولكن من رضي وتابع»، وعن هيثم قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيروا ثم لا يغيروا إلا يوشك أن يعمهم الله بعقابه»، وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «… كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطراً أو لتقصرنه على الحق قصراً أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم».

ومحاسبة الحاكم من الأفراد والجماعات والكتل ومن الأمة بمجموعها لارتكابه منكراً من المنكرات إنما تكون باللسان ولا تكون باليد للأحاديث التي تنهى عن الخروج على الحاكم، ولا تكون محاسبة الحاكم باليد أي بالقوة المادية إلا في حالة واحدة فقط، وهي حالة ظهور الكفر البواح الذي فيه من الله برهان بأنه كفر صراح لا شك فيه، فقد روى مسلم عن مالك بن عوف الأشجعي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، قيل يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف، فقال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة». والمراد بإقامة الصلاة الحكم بالإسلام أي تطبيق أحكام الشرع من باب تسمية الكل باسم الجزء مجازاً. وكان يطلق لقب والي الصلاة على الوالي الذي يحكم، كما يطلق والي الصدقات على الوالي الذي يجمع الزكاة. كما ورد عن عبادة بن الصامت قال: «دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه فقال فيما أخذ علينا أن بايعناه على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان»، فحديث عبادة هذا وحديث مالك بن عوف الذي قبله صريحان بتحريم الخروج على الحاكم إلا في حالة ظهور الكفر البواح الذي لا شك فيه أنه كفر صراح أي في حالة تطبيق الحاكم أحكام الكفر الصراح وعدم تطبيقه أحكام الإسلام فمفهوم الحديثين يدل على منابذة الحاكم ومقاتلته ومنازعته الولاية في حالة عدم تطبيقه أحكام الإسلام، وإظهاره الكفر البواح الذي عندنا من الله فيه برهان بأنه كفر لا شك فيه.

لذلك إذا ظهرت هذه الحالة وجب على الأمة بمجموعها أن تهب في وجه الحاكم لتخلعه وتزيله وتزيل الكفر الصراح، وتعيد تطبيق أحكام الإسلام وتستعمل القوة المادية في هذه الإزالة للحاكم وللكفر الصراح ولإعادة الحكم بما أنزل الله إذا لم تتمكن من ذلك دون استعمال القوة المادية، وإذا لم تقم الأمة بذلك لحقها الإثم ما دامت قادرة على هذا التغيير، ولا يرتفع عنها هذا الإثم إلا بإزالة الكفر الصراح وإعادة الحكم بما أنزل الله.

وأما بالنسبة للكتل والجماعات فإنها لا تستعمل القوة المادية لإزالة الحاكم إلا في حالة ما إذا كانت قادرة بما لها من قوة مادية على منازعة الحاكم وإزالته وإزالة الكفر الصراح وإعادة الحكم بما أنزل الله، وذلك يتحقق في حالتين:

الأولى: أن يكون لها في الجيش قوة كافية تستطيع بها أن تحدث هذا التغيير.

الثانية: أن تستطيع قيادة الأمة بمجموعها أو الفئة الأقوى من الأمة إحداث هذا التغيير.

وفي هاتين الحالتين يجب عليها أن تستعمل القوة المادية لإزالة الحاكم وإزالة الكفر الصراح وإعادة الحكم بما أنزل الله، وفي غير هاتين الحالتين ليس لها أن تستعمل السلاح، لأن مناط حديث أبي سعيد الخدري ربط فيه استعمال اليد بالقدرة على إزالة المنكر «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه… » فجعل التغيير باليد مربوطاً بالاستطاعة والقدرة على التغيير، فإن لم توجد الاستطاعة على التغيير يكون باللسان لا باليد، إذ ليس المقصود من الأحاديث الموجبة لمنازلة الحاكم ومقاتلته مجرد المقاتلة والمنابذة، بل المقصود إحداث التغيير بهذه المقاتلة والمنابذة. واستعمال اليد أي القوة المادة في حالة عدم قدرة القوة المادية على التغيير لا يحقق الغرض من استعمال هذه القوة المادية أي لا يحقق إزالة الحاكم ولا إزالة الكفر الصراح ولا إعادة الحكم بما أنزل الله، وإنما يحقق ضرب الكتلة أو الجماعة التي تقوم بذلك ضربة ماحقة، ويفوت عليها فرصة الاستمرار في تجميع القوة أو الأمة حتى تصل إلى القوة الكافية لإحداث التغيير.

وبذلك لا يجوز استعمال القوة المادية لإزالة الحاكم وإزالة الكفر الصراح وإعادة الحكم بما أنزل الله إذا لم تكون القوة المادية قادرة على إحداث التغيير ولو بغلبة الظن لأن مناط استعمال القوة المادية مربوط بقدرة هذه القوة المادية على إحداث التغيير فعلياً، فإن لم تكون قادرة لا تستعمل، ويعمل على تقويتها حتى تصل إلى حد القدرة على إحداث التغيير، وعندها يصبح بالإمكان استعمالها ويصحب مناط حديث أبي سعيد الخدري وأحاديث وجود منابذة الحاكم ومقاتلته ومنازعته الولاية والحكم منطبقاً عليها.

حمل الدعوة

أما حمل الدعوة فهو تبليغ الإسلام إلى الكفار، ويكون من الدولة ومن الأفراد الجماعات، أما تبليغ الدولة فيكون بالدعوة والدعاية بالحكمة والموعظة الحسنة وبالجهاد. أما من الأفراد والجماعات فلا تكون إلا بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة.

ويكون حمل الدعوة إلى المسلمين كذلك لإقامة الخلافة وإعادة الحكم بما أنزل الله، وذلك بتبليغ الأمة أحكام الإسلام من الكتلة لتعمل معها لإقامة الخلافة وإعادة الحكم بما أنزل لله، وموضوع حمل الدعوة غير موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وبهذا يظهر أن الموضوعات الثلاثة متمايزة وإن كان فيها بعض التداخل.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *