العدد 106 - 107 - السنة العاشرة – رمضان وشوال 1416هـ – شباط وأذار 1996م

الحزب السياسي والقيادة السياسية واقعهما في الإسلام

بقلم: فتحي عبد الله

واقع الحزب السياسي

الحزب السياسي تكتل يقوم على مبدأ آمن أفراده به يريدون إيجاده في واقع المجتمع أي يريدون جعله وحده هو الذي يتحكم في العلاقات الإنسانية في مجتمع ما ثم يتحكم في العلاقات الإنسانية عامة.

وهذا الحزب السياسي حين يقوم على المبدأ يقوم عليه بشكل تفصيلي وقيامه عليه بالشكل التفصيلي هو الذي يجعله حزباً سياسياً، فهو ليس جمعية ولا مدرسة ولا مذهباً ولا منظمة قتالية أو خيرية أو ما شابه ذلك، وإنما هو حزب سياسي فقط لا يعمل إلا بالسياسة أي لا يعمل إلا برعاية الشؤون داخلياً وخارجياً فالسياسة عمله والإسلام مبدأه، فهو كيان فكري تتوحد فيه الأفكار والمشاعر يعمل بين الأمة ولها ومعها لإفهامها مبدأه وهو الإسلام كي يكون مبدأها فكرياً ولا وراثياً ولجعلها تتخذ الإسلام قضية لها ليقودها لإعادة الخلافة والحكم بما أنزل الله إلى الوجود.

التكتل الحزبي الصحيح

والتكتل الحزبي الصحيح الذي ينهض الأمة وبه تنهض لا يجوز أن يكون على أساس الجمعية التي يحتم نظامها الجمعي أن تقوم بأعمال وأقوال فقط أو بأقوال فقط فتتولى القيام بأعمال هي من شؤون الفرد أو من شؤون الدولة، ومثل هذا الضرب من ضروب التكتل لا يجوز أن يشجع في الأمة التي تنشد النهوض من كبوتها كما لا يجوز أن يكون على أساس حزبي غير مبدئي كالأحزاب التي قامت في العالم الإسلامي منذ الحرب العالمية الأولى حتى الآن.

إن مجرد وجود المبدأ في الأمة ليس كافياً لبعث الحياة فيها، إذ ما تأثير هذا المبدأ وهو مدفون في أدمغة العلماء وفي بطون الكتب والأسفار، فهو لن يكون أكثر فلسفة خيالية أو طقوساً وشعائر ليس غير، بل إن اهتداء الأمة للمبدأ ووضعه في حياتها موضع العمل هو الذي يجعلها أمة حية، إذ قد يكون المبدأ موجوداً في تراث الأمة التشريعي والثقافي والتاريخي ولكنها في غفلة عنه أو في غفلة عن فكرته أو في غفلة عن طريقته أو في غفلة عن ربطهما معاً ربطاً محكماً غير قابل للانفصال.

اهتداء الأمة للمبدأ

واهتداء الأمة للمبدأ لا يكون عادة إلا حين تقرع الأمة الهزات والكوارث، ولا نقول الهزات الأرضية أو الكوارث الطبيعية وإنما الهزات والكوارث الفكرية والحضارية والهزائم السياسية والعسكرية التي تحيق بالأمم وتصيبها وتلم بها، عند ئذ ينتج عن هذه الهزات والكوارث إحساس مشترك عندها وهو إحساس جماعي يؤدي إلى عملية فكرية شاقة تنتج قضايا من جراء البحث في الأسباب والمسببات لهذه الهزة أو الكارثة، وكذلك من جراء البحث في الوسائل القريبة والبعيدة التي تنقذ منها، ويصحب هذه القضايا براهينها فينتج عنها وعن منطقها الطبيعي الفكر الصحيح الذي يظل متصلاً بالمنطق أي بالقضايا وببراهينها، مما يؤدي إلى اتساع هذا الفكر ليشمل ماضي الأمة وحاضرها ومستقبلها وتاريخ الشعوب والأمم وسائل نهضتها كما يشمل المقارنات والمفاضلات الأمر الذي سيؤدي إلى اهتداء العقل إلى المبدأ بفكرته الكلية عن الوجود وطريقته التي ينفذ بها في معترك الحياة فيدركه ويؤمن به بعد أن تبرهن القضايا المنطقية على صحته وصلاحيته وإنتاجه، ويكون هذا الاهتداء إلى المبدأ جماعياً في الجماعة الإنسانية المعنية لأن إحساسها الكلي أدى إليه. ولما كانت الأحاسيس متفاوتة لدى أفراد هذه الجماعة ونسبها مختلفة بمقدار ما حباهم الله به من استعدادات وهيأهم له، يظل اهتداء الجماعة للفكرة وإن كان واحداً كامناً فيها حتى يتجمع تأثيره فيتركز لدى من نالوا قدراً أعلى من الإحساس فيوقظهم ويلهمهم ويبعث فيهم الحركة، وتأخذ أعراض الحياة تظهر فيهم قبل غيرهم من الناس.

الثلة الواعية

وهؤلاء الذين نالوا قدراً أعلى من الإحساس تنطبع فيهم إحساسات الجماعة وتتمركز فيهم الفكرة فيأخذون بالتحرك حركة وعي وإدراك وهم الذين يمكن أن نطلق عليهم أنهم عيون الأمة أي الثلة الواعية فيها، وتكون هذه الثلة الواعية قلقة حائرة تبصر دروباً متعددة فتحتار أي الطرق تسلك، وبما أن حركة الوعي نفسها تتفاوت أيضاً بين أفراد هذه الثلة كما هي متفاوتة لدى الجماعة الإنسانية وتختلف نسبها فيها يكون منطق الإحساس لدى بعضها أقوى منه لدى البعض الآخر فيبرز من هذه الثلة الواعية فئة ممتازة تختار بعد الدراسة والبحث العميق درباً من الدروب وتبصر الغاية التي توصل إليها كما تبصر في الوقت نفسه وضوح الطريق إبصاراً جيداً دونما أي ضبابية أو قتام، فتسلكه وتسير نحو غايتها فتهتدي بذلك إلى المبدأ الذي يتخذ طريقة للنهضة بفكرته وطريقته، وتعتقده عقيدة راسخة فيتجسد فيها ويصبح عقيدة لها، وتكون هذه العقيدة مع الثقافة المنبثقة عنها تفصيلياً هي الرابط بين أشخاص هذه الفئة التي يمكن أن نطلق عليها الفئة المختارة. وبعد أن يتجسد المبدأ في هؤلاء الأشخاص يكون هو المحرك الدينامي الذي يدفعهم إلى الدعوة إليه، إذ لا يطيق أن يظل حبيساً في الصدور فينطلق من تجسد فيهم انطلاقة وعي، فتصبح أعمالهم متكيفة به سائرة حسب منهجه متقيدة بحدوده، ويصبح وجودهم في هذه الحياة من أجل المبدأ وله لحمل الدعوة إليه والقيام بتكاليفه بحيث يهدفون إلى اعتناق الناس لهذا المبدأ الذي اعتنقوه وحده دون غيره وإلى إيجاد الوعي العام به ]هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ[ فتتحول الحلقة الأولى التي تشكلت من هؤلاء الأشخاص الذين نالوا قدراً أعلى من الإحساس المرهف والتفكير المستنير إلى كتلة حزبية ثم إلى حزب مبدئي يأخذ في النمو الطبيعي في ناحيتين ثم إلى حزب مبدئي يأخذ في النمو الطبيعي في ناحيتين بعد فرض نفسه على المجتمع:

إحداهما: التكاثر في خلايا أخرى تعتنق المبدأ عن وعي وإدراك تامين.

والثانية: إيجاد الوعي العام به عند الأمة كلها بحيث ينشأ عن هذا الوعي العام توحيد الأفكار والآراء والمعتقدات عندها توحيداً جماعياً إن لم يكن توحيد إجماعياً، فيتوحد بذلك هدف الأمة وتتوحد عقيدتها ووجهة نطرها في الحياة.

فيكون هذا الحزب هو القيادة السياسية التي ستقود الأمة في معترك الحياة بعد أن كان البوتقة التي صهرت الأمة ونقتها من الأدران والمفاسد التي أدت إلى انحطاطها أو تولدت عندها أثناء انحطاطها، وهي عملية صهرية شاقة لا يتولاها إلا هذا الحزب المبدئي الذي يعيش بفكرة الأمة ويجعل حياته وقفاً عليها مدركاً كل خطوة من خطواته مرتفعاً عن الواقع غير ملتصق به أو عارف منه وغير متجاهل له في الوقت نفسه مبصراً ما رواء الجدار يرى مالا يرى الناس مدركاً المخطوط الهندسي الذي يريد نقل المجتمع إليه برمته عالماً بكل ما يعترض طريقه أثناء عملية النقل من عقبات وصخور وأشواك وأسلاك شائكة ولا سيما تلك الصخور التي وضعت في الدرب لإعاقة السير وكسب الزمن من قبل أعداء الأمة الكفار المستعمرين كالعملاء من الحكام والظلاميين والمضبوعين بالثقافة الأجنبية.

سير الحزب المبدئي

وحين يشرق فكر الحزب في الأمة يكوه هذا الفكر واحداً من أفكار متعددة يكون أضعفها بادئ الأمر لأنه أحدث ولادة لم يتمركز بعد ولم توجد له أجواء إلا أنه لما كان هذا الفكر ناشئاً عن منطق الإحساس أي فهماً ناجماً عن الإدراك الحسي فإنه يوجد عند من يحمله إحساساً فكرياً واضحاً نتيجة للفكر العميق يصفي من ينطبع به ويجعله مخلصاً حتى لو أراد أن لا يكون كذلك لا يستطيع ولا يقدر على ذلك، فيتجسد الفكر عقيدة وثقافة في هؤلاء المخلصين ويحدث في نفوسهم ثورة جامحة هي بمثابة احتراق في الشعور والفكر يشيع في الدعوة أي دعوة الحزب إلى مبدأه، التلهب والحماسة والصدق كما يشيع فيها في الوقت نفسه المنطق والفكر فيكون ذلك ناراً تحرق الفساد ونوراً يضيء طريق الصلاح، فتقع دعوة الحزب في صراع فكري مرير مع الصلاح، فتقع دعوة الحزب في صراع فكري مرير مع الأفكار الفاسدة والعقائد المتداعية والعادات البالية، حين تحاول هذه الأفكار والعقائد والعادات الدفاع عن نفسها أمام هجمة الحزب الفكرية عليها فيكون هذا احتكاماً بالمبدأ الجديد الذي دخل المجتمع من القواعد دخولاً فكرياً سياسياً يزيد في قوة هذا المبدأ، وما هي إلا جولة أو جولتان من جولات الصراع الفكري مع هذه العقائد والأفكار والعادات، والكفاح السياسي للحكام والمضبوعين والظلاميين حتى تتداعى جميع الأفكار والعقائد والطرق ويظل مبدأ الحزب وحده في الأمة هو فكرها وهو عقيدتها، ومتى وحد الحزب الأفكار والمعتقدات والآراء في الأمة يكون قد صنع اتحاد الأمة على عين بصيرة وصهرها ونقاها، لتعود أمة واحدة كما كانت فتوجد بذلك الوحدة الصحيحة وتصبح الأمة مهيأة لحمل الرسالة إلى العالم لإنقاذه بعد أن تكون قد انتقلت إلى المرحلة الثانية من مراحل سير الحزب وهي تسليمها قيادتها لهذا الحزب المبدئي للقيام بالعمل الإصلاحي الانقلابي لإحداث النهضة حتى تكون الأمة عند واجبها لخدمة غيرها من الشعوب والأمم بحمل الإسلام إليها لإنقاذها من الكفر وأنظمته والأخذ بيدها إلى خير الدارين.

(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *