العدد 106 - 107 - السنة العاشرة – رمضان وشوال 1416هـ – شباط وأذار 1996م

حوار مفتوح حول دستور دولة الخلافة

الخليفة

المادة 32: إذا خلا منصب الخلافة بموت رئيسها أو اعتزاله. أو عزله، يجب نصب خليفة مكانه خلال ثلاثة أيام من تاريخ خلو منصب الخلافة.

فإن الدليل عليها هو إجماع الصحابة على ذلك. فإنهم رضي الله عنهم باشروا الاجتماع بالسقيفة للبحث في نصب خليفة منذ بلغهم نبأ وفاة الرسول، فقد اجتمع الأنصار هو الصحابة، وجاء إليهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، ولم ينكروا عليهم اجتماعهم بل اشتركوا معهم في النقاش في نصب خليفة، ثم في اليوم الثاني جمعوا الناس في المسجد للبيعة، فاستغرق ذلك ليلتين بثلاثة أيام. وكذلك فإن عمر عهد لأهل الشورى عند ظهر تحقق وفاته من الطعنة، وحدد لهم ثلاثة أيام، ثم أوصى أنه إذا لم يتفق على الخليفة في ثلاثة أيام فليقتل المخالف بعد الثلاثة، ووكل خمسين رجلاً من المسلمين بتنفيذ ذلك، أي بقتل المخالف، مع أنهم من كبار الصحابة، وكان ذلك على مرأى ومسمع من الصحابة، ولم ينكر ذلك أحد منهم مع أنه مما ينكر مثله عادة، فكان إجماعاً.

المادة 33: طريقة نصب الخليفة هي:

أ- يجري الأعضاء المسلمون في مجلس الشورى حصر المرشحين لهذا المنصب وتعلن أسماؤهم ثم يطلب من المسلمين انتخاب واحد منهم.

ب- تعلن نتيجة الانتخاب ويعرف المسلمون من نال أكثر أصوات المنتخبين.

جـ- يبادر المسلمون بمبايعة من نال أكثر الأصوات رئيساً للدولة على العمل بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

د- بعد تمام البيعة يعلن من أصبح رئيساً للدولة للملأ حتى يبلغ خبر نصبه كافة الأمة، مع ذكر اسمه وكونه يحوز الصفات التي تجعله أهلاً لانعقاد رئاسة الدولة له.

شرح المادة:

ودليلها ما حصل من الصحابة في بيعة أبي بكر وعمر وعثمان، ولا سيما بيعة عثمان. أما الفقرة «أ» فإن دليلها طلب المسلمين من عمر أن يستخلف واستخلاف عمر الستة الذين استخلفهم. فقد روى البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قيل لعمر ألا تستخلف؟ قال: «إن استخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأثنوا عليه، فقال: راغب راهب وددت أني نجوت منها كفافاً لا لي ولا عليّ، لا أتحملها حياً وميتاً» وروي أن سعد بن زيد بن عمرو قال لعمر: إنك لو أشرت برجل من المسلمين ائتمنك الناس. فقال عمر: «إني قد رأيت من أصحابي حرصاً سيئاً» ثم قال: «لو أدركني أحد رجلين فجعلت هذا الأمر فيه لوثقت به: سالم مولى أبي حذيفة، وأبو عبيدة بن الجراح» ثم أنه رضي الله عنه لم يلبث بعد قليل من أعمال الرأي أن جعل الخلافة من بعده شورى في ستة: هم عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص. وقال: «لا أجد أحداً أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، فأيهم استخلف فهو الخليفة بعدي» وبعد أن سمى هؤلاء الستة أردف: «فإن أصابت سعداً فذاك، وإلا فأيهم استخلف فليستعن به، فأني لم أعزله عن عجز ولا عن خيانة» فهذه النصوص قد طلب فيها المسلمون من عمر أن يستخلف، وبناء على طلبهم حصر الخلافة في ستة نفر وأعلنهم للناس، وطلب من المسلمين أن يختاروا واحداً منهم. وبما أن مجلس الشورى هو وكيل عن المسلمين بالرأي لذلك فإنه يحصر المرشحين بأسماء معينة وبعدد محدد ويعلنهم للناس.

وأما الفقرتان «ب» و«جـ» فإن دليلهما ما رواه البخاري في انتخاب واحد من الستة الذين حصر عمر الخلافة فيهم وفي بيعة المسلمين له. فقد أخرج البخاري عن الزهري أن حميد بن عبد الرحمن أخبره أن المسور بن مخرمة أخبره «أن الرهط الذين ولاهم عمر اجتمعوا، فتشاوروا، قال لهم عبد الرحمن لست بالذي أنافسكم على هذا الأمر، ولكنكم إن شئتم اخترت لكم منكم، فجعلوا ذلك إلى عبد الرحمن، فلما ولوا عبد الرحمن أمرهم فمال الناس على عبد الرحمن حتى ما أرى أحداً من الناس يتبع أولئك الرهط ولا يطأ عقبه، ومال الناس على عبد الرحمن يشاورونه تلك الليالي، حتى إذا كانت الليلة التي أصبحنا منها فبايعنا عثمان، قال المسور: طرقني عبد الرحمن بعد هجع من الليل، فضرب الباب حتى استيقظت فقال: أراك نائماً فوا الله ما اكتحلت هذه الليلة بكبير نوم انطلق فادع الزبير وسعداً فدعوتهما له فشاورهما، ثم دعاني فقال: ادع لي علياً فدعوته فناجاه حتى إبهار الليل، ثم قام علي من عنده وهو على طمع، وقد كان عبد الرحمن يخشى من علي شيئاً، ثم قال: ادع لي عثمان فدعوته فناجاه حتى فرق بينهما المؤذن بالصبح، فلما صلى للناس الصبح واجتمع أولئك الرهط عند المنبر فأرسل إلى من كان حاضراً من المهاجرين والأنصار، وأرسل إلى أمراء الأجناد، وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر، فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن ثم قال: أما بعد يا علي إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلا، فقال: أبايعك على سنة الله ورسوله والخليفتين من بعده، فبايعه عبد الرحمن وبايعه الناس والمهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون» فهذا الحديث صريح في أن عبد الرحمن بن عوف أخذ رأي الناس بمعنى أنه قام بعملية الانتخاب، ثم جمع الناس وأعلن لهم من يريده الناس، فقد قال: «إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان» وهذا دليل الفقرة «ب» ثم بادر الناس بعد إعلان اسم عثمان إلى مبايعته وهذا دليل الفقرة «جـ».

وأما الفقرة «د» فإن البيعة فرض كفاية وليست فرض عين ولكن أن يكون في عنق كل مسلم بيعة فرض عين، لقول الرسول: «من مات وليس في عنقه بيعة فقد مات ميتة جاهلية»، وحتى تكون في عنقه بيعة لا بد أن يعرف إمامه ومن هنا كان لزوم كافة الأمة أن يعرفوا إفضاء الخلافة إلى مستحقها. فيعلن على الملأ من أصبح خليفة للمسلمين حتى يبلغ خبر نصبه كافة الأمة، وحتى يعرفوا من هو الخليفة، غير أن معرفتهم هذه يكفي فيها الإجمال فيعرفون أن الخليفة هو فلان بذكر اسمه الذي يميزه عن غيره، ويعرفون أنه يحوز الصفات التي تؤهله للخلافة، وبمعرفة هذين الأمرين: اسمه والصفات التي لا بد منها للخليفة تتحقق المعرفة الإجمالية له.

المادة 34: الأمة هي التي تنصب الخليفة ولكنها لا تملك عزله متى تم انعقاد بيعته على الوجه الشرعي.

شرح المادة: إن هذه المادة ذات شقين: أحدهما: أن الأمة هي التي تملك نصب الخليفة، والثاني أن الأمة لا تملك عزله، أما الشق الأول فدليله أحاديث البيعة، فلا يملك أحد تولي منصب الخلافة إلا بالبيعة، لأن البيعة هي طريق نصب الخليفة. وهي ثابتة من بيعة المسلمين للرسول، ومن أمر الرسول لنا بالبيعة، ومن أن الخلفاء الراشدين إنما تولى كل منهم الخلافة بالبيعة. أما بيعة المسلمين للرسول فإنها ليست ببيعة على النبوة وإنما هي بيعة على الحكم، إذ هي بيعة على العمل وليست بيعة على التصديق. وأما أمر الرسول لنا بالبيعة فالأحاديث في هذا كثيرة منها قوله عليه السلام: «ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» ولم يقبل الرسول البيعة إلا من البالغ ورفض بيعة الصبي فقد رفض بيعة عبد الله بن هشام وقال: «هو صغير» ومسح رأسه ودعاله.

 وأما كون الخلفاء إنما تولوا الخلافة بالبيعة فثابت من بيعة كل واحد منهم، ولا سيما بيعة عمر، فإن أبا بكر استخلف بعد مشاورة المسلمين، مدة ثلاثة أشهر، ولما مات أبو بكر لم يتولى عمر الخلافة بهذا الاستخلاف، وإنما بايعه المسلمون، وبعد البيعة تولى الخلافة. وهذه هي أدلة الشق الأول.

 أما الشق الثاني فإن أدلته الحث على طاعة الخليفة، ولو ارتكب المنكر، ولو ظلم، ما لم يكن كفراً بواحاً. عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات فميتته جاهلية» وكلمة «أمير» هنا عامة، ويدخل تحتها الخليفة، لأنه أمير المؤمنين. وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وأنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون، قالوا فما تأمرنا؟ قال: فوا ببيعة الأول فالأول، ثم أعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم». وفي حديث يزيد بن سلمة الجعفي عند الطبراني: «أنه قال: يا رسول الله إن كان علينا أمراء يأخذونا بالحق ويمنعونا الحق الذي لنا أنقاتلهم؟ قال: لا، عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم» وعن عوف بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، ويلعنونكم. قال: قلنا يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، إلا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئاً من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يداً من طاعته» وعن حذيفة بن اليمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهديي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيكم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان أنس، قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع» وعن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا أبا ذر كيف بك عند ولاة يستأثرون عليك بهذا الفيء؟ قال: والذي بعثك بالحق أضع سيفي على عاتقي وأضرب حتى ألحقك، قال: أولا أدلك على ما هو خير لك من ذلك، تصبر حتى تلحقني» فهذه الأحاديث كلها فيها أن الخليفة يعمل ما يوجب عزله ومع ذلك أمر الرسول بطاعته، والصبر على ظلمة، مما يدل على أن الأمة لا تملك عزل الخليفة، وأيضاً فإن الرسول صلى الله عليه وسلم رفض أن يقيل الأعرابي بيعته، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن أعرابياً بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصابه وعك فقال: أقلني بيعتي فأبى، ثم جاء فقال: اقلني بيعتي فأبى، فخرج. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها» مما يدل على أن البيعة إذا حصلت لزمت المبايعين، وهذا معناه لا حق لهم بعزل الخليفة، إذ لا حق لهم بإقالة بيعتهم له. ولا يقال أن الأعرابي يريد أن يخرج من الإسلام بإقالته من بيعته، لا من طاعة الخليفة، لا يقال ذلك لأنه لو كان كذلك لكان عمله ارتداداً، ولقتله الرسول، لأن المرتد يقتل، ولأن البيعة ليست بيعة على الإسلام بل على الطاعة. ولذلك كان يريد الخروج من الطاعة لا الخروج من الإسلام. وعليه فلا يصح للمسلمين أن يرجعوا عن بيعتهم، فلا يملكون عزل الخليفة. إلا أن الشرع بيّن متى ينعزل الخليفة من غير حاجة لعزل، ومتى يستحق العزل، وهذا كذلك لا يعني أن عزله للأمة.

المادة 35: الخليفة هو الدولة هو الدولة، فهو يملك جميع الصلاحيات التي تكون للدولة، فيملك الصلاحيات التالية:

أ- هو الذي يجعل الأحكام الشرعية حين يتبناها نافذة فتصبح حينئذ قوانين تجب طاعتها، ولا تجوز مخالفتها.

ب- وهو المسؤول عن سياسة الدولة الداخلية والخارجية معاً، وهو الذي يتولى قيادة الجيش، وله حق إعلان الحرب، وعقد الصلح والهدنة وسائر المعاهدات.

جـ- هو الذي له قبول السفراء الأجانب ورفضهم، وتعيين السفراء المسلمين وعزلهم.

د- هو الذي يعين ويعزل المعاونين والولاة، وهم جميعاً مسؤولون أمامه كما أنهم مسؤولون أمام مجلس الشورى.

هـ- هو الذي يعين ويعزل قاضي القضاة، ومديري الدوائر، وقواد الجيش وأمراء ألويته، وهم جميعاً مسؤولون أمامه وليسوا مسؤولين أمام مجلس الشورى.

و- هو الذي يتبنى الأحكام الشرعية التي توضع بموجبها ميزانية الدولة وهو الذي يقرر فصول الميزانية والمبالغ التي تلزم لكل جهة سواء أكان ذلك متعلقاً بالواردات أم بالنفقات.

شرح المادة: ودليلها أن واقع الخلافة من حيث كونها رئاسة عامة لجميع المسلمين في الدنيا لإقامة أحكام الدين وحمل دعوة الإسلام إلى العالم هو دليل عليها.

على أن كلمة الدولة لفظ اصطلاحي ويختلف معناها باختلاف نظرة الأمم، فالغربيون مثلاً يريدون بالدولة مجموع الأرض والسكان والحكام. لأن الدولة عندهم تقوم ضمن حدود يسمونها الوطن، والسيادة عندهم للشعب، والحكم أي السلطان عندهم جماعي وليس فردياً، ومن هنا كان للدولة هذا المفهوم بأنها مجموع ما يسمى بالوطن ومن يسمون بالمواطنين ومن يباشرون الحكم وهم الحكام. ولهذا تجد عندهم رئيس دولة، أي رئيس الحكام والشعب والبلاد ورئيس حكومة أي رئيس الوزارة، يعني رئيس الحكام. وأما في الإسلام فإنه لا توجد حدود دائمية، إذ يجب حمل الدعوة إلى العالم، فتنتقل الحدود بانتقال سلطان الإسلام إلى البلاد الأخرى.

وكلمة الوطن إنما يراد بها مكان إقامة الشخص الدائمة أي بيته وبلده ولا يراد منها أكثر من ذلك مطلقاً. والسيادة إنما هي للشرع لا للشعب، فالحكام يسيرون بإرادة الشرع والأمة تسير بإرادة الشرع. والحكم أي السلطان فردي وليس جماعياً قال عليه السلام: «فأمروا أحدكم» وقال: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما»، ومن هنا يختلف معنى الدولة في الإسلام عن معناها في غيره من الأنظمة. فالدولة في الإسلام إنما يقصد بها السلطان والملك، وصلاحياتها هي صلاحية السلطان، وبما أن الذي يتولى السلطان هو الخليفة لذلك كان الخليفة هو الدولة، ومن هنا أخذ قول المادة: الخليفة هو الدولة. على أن الرسول صلى الله عليه وسلم حين أقام الدولة الإسلامية في المدينة كان هو المتولي للسلطان فكانت جميع السلطة بيده، وكانت جميع الصلاحيات المتعلقة بالسلطان مملوكة له، وقد كان كذلك طوال أيام حياته حتى التحق بالرفيق الأعلى. ثم جاء بعده الخلفاء الراشدون فكان كل خليفة منهم يتولى جميع السلطة، ويملك جميع الصلاحيات المتعلقة بالسلطان. وهذا أيضاً دليل على أن الخليفة هو الدولة. وأيضاً فإن الرسول صلى الله عليه وسلم حين حذر من الخروج على الأمير عبر عنه بلفظ الخروج من السلطان، قال صلى الله عليه وسلم: «من كره من أميره شيئاً فليصبر فإنه ليس أحد خرج من السلطان شبراً إلا ما ميتة جاهلية» والخلافة هي إمارة المؤمنين، فالخليفة هو السلطان وله جميع صلاحيات السلطان، أي هو الدولة وله جميع صلاحيات الدولة.

وقد يقال أنه قد وردت أحاديث في صلاحيات معيّنة للخليفة مثل قوله عليه السلام: «الجهاد واجب عليكم مع كل أمير براً كان أو فاجراً» فيكون الخليفة إنما يملك ما يعيّنه الشرع له من صلاحيات ولا يملك غيرها؟ والجواب على ذل هو أن كون الخلافة رئاسة عامة في الدنيا معناها أنها هي الدولة ولذلك يملك الخليفة جميع صلاحيات الدولة، وكون الخليفة هو السلطان، والدولة إنما هي السلطان فإن معنى ذلك أن الخليفة هو الدولة ويملك جميع صلاحيات الدولة. فكون الشارع قد بيّن له صلاحيات معينة إنما هو بيان لتفصيلات من صلاحياته الشاملة التي أعطاه إياها الشارع أيضاً وليس معناه تعداداً لصلاحيات الخليفة وحصره في هذه الصلاحيات. إذ أن فعل الرسول من حيث جعل السلطان كله بيده وجعل جميع صلاحيات السلطان له هو دليل على أن الخليفة هو الدولة وأنه يملك جميع صلاحيات الدولة. ولذلك سار على هذا الأمر الخلفاء الراشدون من بعده. وهذا هو الدليل الإجمالي على المادة. وأما ما ذكر فيها من تعداد ما يملك الخليفة من صلاحيات فهو تعداد لواقع ما هو موجود في الدولة من صلاحيات من أجل بيان الأحكام التفصيلية من هذه الصلاحيات.

وأما الأدلة التفصيلية للفقرات الستة الواردة في المادة فإن الفقرة «أ» دليلها إجماع الصحابة. وذلك أن القانون لفظ اصطلاحي ومعناه: الأمر الذي يصدره السلطان ليسير الناس عليه، وقد عرف القانون بأنه «مجموع القواعد التي يجبر السلطان الناس على اتباعها في علاقاتهم» أي إذا أمر السلطان بأحكام معينة كانت هذه الأحكام قانوناً يلزم الناس بها، وإن لم يأمر السلطان بها لا تكون قانوناً، فلا يلزم الناس بها. والمسلمون يسيرون على أحكام الشرع فهم يسيرون على أوامر الله ونواهيه وليس على أوامر السلطان ونواهيه. فما يسيرون عليه أحكام شرعية وليست أوامر السلطان. غير أن هذه الأحكام الشرعية اختلف الصحابة فيها، ففهم بعضهم من النصوص الشرعية شيئاً غير ما كان يفهمه البعض الآخر، وكان كل يسير حسب فهمه، ويكون فهمه حكم الله في حقه، ولكن هناك أحكام شرعية تقتضي رعاية شؤون الأمة أن يسير المسلمون جميعاً على رأي واحد فيها وأن لا يسير كل بحسب اجتهاده، وقد حصل ذلك بالفعل فقد رأى أبو بكر أن يوزع المال بين المسلمين بالتساوي، لأنه حقهم جميعاً بالتساوي. ورأى عمر أنه لا يصح أن يعطى من قاتل رسول الله كمن قاتل معه، وأن يعطى الفقير كالغني، ولكن أبا بكر كان هو الخليفة فأمر بالعمل برأيه، أي تبنى توزيع المال بالتساوي، فاتبعه المسلمون في ذلك، وسار عليه القضاة والولاة، وخضع له عمر، وعمل برأي أبي بكر ونفذه، ولما جاء عمر خليفة تبنى رأيهاً يخالف رأي أبي بكر، أي أمر برأيه بتوزيع المال بالتفاضل لا بالتساوي، فيعطى حسب القدم والحاجة، فاتبعه المسلمون، وعمل به الولاة والقضاة، فكان إجماع الصحابة منعقداً على أن للإمام أن يتبنى أحكاماً معينة ويأمر بالعمل بها، وعلى المسلمين طاعتها ولو خالفت اجتهادهم، وترك العمل بآرائهم واجتهاداتهم. فكانت هذه الأحكام المتبناة هي القوانين. ومن هنا كان سن القوانين للخليفة وحده ولا يملك غيره ذلك مطلقاً.

وأما الفقرة (ب) فإن دليلها عمل الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه صلى الله عليه وسلم هو الذي كان يعين الولاة والقضاة ويحاسبهم، وهو الذين كان يراقب البيع والشراء، ويمنع الغش، وهو الذي يوزع المال على الناس، وهو الذي كان يساعد فاقد العمل على إيجاد عمل هل، وهو الذي كان يقوم بجميع شؤون الدولة الداخلية، وكذلك هو الذي كان يخاطب الملوك، وهو الذي كان يتلقى الرسل، وهو الذي كان يستقبل الوفود، وهو الذي كان يقوم بجميع شؤون الدولة الخارجية. وأيضاً فإنه صلى الله عليه وسلم كان يتولى قيادة الجيش فعلاً، فكان في الغزوات يتولى بنفسه قيادة المعارك، وفي السرايا كان هو الذي يبعث السرية ويعين قائدها، حتى أنه حين عيّن أسامة بن زيد قائداً على سرية ليرسلها إلى بلاد الشام كره ذلك الصحابة لصغر سن أسامة، ولكن الرسول أجبرهم على قبول قيادته. مما يدل على أن الخليفة هو قائد الجيش فعلاً، وليس قائداً أعلى فحسب. وأيضاً فإن الرسول هو الذي أعلن الحرب على قريش، وهو الذي أعلن الحرب على بني قريظة، وعلى بني النظير، وعلى بني قينقاع، وعلى خيبر، على الروم، فكل حرب وقعت هو الذي أعلنها، مما يدل على أن إعلان الحرب إنما هو للخليفة. وأيضاً فإنه صلى الله عليه وسلم هو الذي عقد المعاهدات مع اليهود، وهو الذي عقد المعاهدات مع بني مدلج وحلفائهم من بني ضمرة، وهو الذي عقد المعاهدات مع يوحنة بن رؤبة، صاحب ايلة، وهو الذي عقد معاهدة الحديبية، حتى أن المسلمين كانوا ساخطين من معاهدة الحديبية، ولكنه لم يرد عليهم ورفض آراءهم، وأمضى المعاهدة، مما يدل على أن للخليفة لا لغيره عقد المعاهدات، سواء معاهدة الصلح أم غيرها من المعاهدات. وأما الفقرة (جـ) فإن دليلها أن الرسول هو الذي تلقى رسولي مسيلمة، وهو الذي تلقى أبا رافع رسولاً من قريش، وهو الذي أرسل الرسل إلى هرقل، وكسرى، والمقوقس، والحارث الغساني ملك الحيرة، والحارث الحميري ملك اليمن، وإلى نجاشي الحبشة، وهو الذي أرسل عثمان بن عفان في الحديبية رسولاً إلى قريش. مما يدل على أن الخليفة هو الذي يقبل السفراء ويرفضهم وهو الذي يعين السفراء.

وأما الفقرة (د) فإن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي كان يعين الولاة، فعين معاذاً والياً على اليمن، وهو الذي كان يعزل الولاة، فعزل العلاء بن الحضرمي عن البحرين، وأيضاً عزل العلاء لأن أهلها شكوا منه، مما يدل على أن الولاة مسؤولون أمام أهل الولاية كما هم مسؤولون أمام الخليفة ، ومسؤولون أمام مجلس الشورى لأنه يمثل جميع الولايات. هذا بالنسبة للولاة أما المعاونون فإن الرسول كان له معاونان هما أبو بكر وعمر، ولم يعزلهما ويول غيرهما طوال حياته. فهو الذي عينهما، ولكنه لم يعزلهما. غير أنه لما كان المعاون إنما أخذ السلطة من الخليفة، وهو بمثابة نائب عنه، فإنه يكون له حق عزله قياساً على الوكيل، لأن للموكل عزل وكيله.

وأما الفقرة (هـ) فإن دليلها أن الرسول صلى الله عليه وسلم قلد علياً رضي الله عنه قضاء اليمن، وعن عقبة بن عامر قال جاء خصمان يختصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «اقض بينهما» قلت أنت أولى بذلك، قال وإن كان، قلت علام أقضي؟ قال: «اقض فإن أصبت فلك عشر أجور، وإن أخطأت فلك أجر واحد» وروى سعيد في سننه عن عمرو بن العاص قال: «جاء خصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي يا عمرو اقض بينهما، قلت أنت أولى بذلك مني يا رسول الله، قال: إن أصبت القضاء بينهما فلك عشر حسنات، وإن أخطأت فلك حسنة». وقد كان عمر رضي الله عنه يولي ويعزل القضاة فعين شريح قاضياً للكوفة، وأبا موسى قاضياً للبصرة، وعزل شرحبيل بن حسنة عن ولايته في الشام، وولى معاوية، فقال له شرحبيل أمن جبن عزلتني أم خيانة؟ قال من كلا لا، ولكن أردت رجلاً أقوى من رجل، وولى علي رضي الله عنه أبا الأسود ثم عزله، فقال: لم عزلتني وما خنت ولا جنيت؟ فقال: إني رأيتك يعلو كلامك على الخصمين». وقد فعل عمر وعلي ذلك على مرأى ومسمع من الصحابة ولم ينكر على أي منهما منكر. فهذا كله دليل على أن للخليفة أن يعين القضاة بوجه عام، وكذلك له أن ينيب عنه من يعين القضاة قياساً على الوكالة، إذ له أن ينيب عنه كل ما هو من صلاحياته، كما له أن يوكل عنه في كل ما يجوز له من التصرفات.

وأما تعيين مديري الدوائر فإن الرسول صلى الله عليه وسلم عين كتاباً لإدارة مصالح الدولة، وكانوا بمثابة مديري الدوائر. فعين الحارث بن عوف المري على خاتمه، وعين معيقيب بن أبي فاطمة على الغنائم، وعين حذيفة بن اليمان يكتب خرص ثمار الحجاز، وعين الزبير بن العوام يكتب أموال الصدقات، وعين المغيرة بن شعبة بكتب المداينات والمعاملات، وهكذا.

وأما قواد الجيش وأمراء ألويته فإن الرسول صلى الله عليه وسلم عين حمزة بن عبد المطلب قائداً على ثلاثين رجلاً ليعترض قريشاً على شاطئ البحر، وعين محمد بن عبيدة بن الحارث على ستين وأرسله إلى وادي رابغ لملاقاة قريش، وعين سعد بن أبي وقاص على عشرين وأرسله نحو مكة، وهكذا كان يعين قواد الجيش، مما يدل على أن الخليفة هو الذي يعين القواد وأمراء الألوية.

وهؤلاء جميعاً كانوا مسؤولين أمام الرسول وليسوا مسؤولين أمام أحد، مما يدل على أن القضاة، ومديري الدوائر، وقواد الجيش، وسائر الموظفين، ليسوا مسؤولين إلا أمام الخليفة، وليسوا مسؤولين أمام مجلس الشورى، ولا يوجد أحد مسؤولاً أمام مجلس الشورى سوى المعاونين، والولاة، ومثلهم العمال لأنهم حكام، وما عداهم لا يوجد أحد مسؤول أمام مجلس الشورى، بل الكل مسؤولون أمام الخليفة.

وأما الفقرة (و) فإن موازنة الدولة بالنسبة لأبواب الواردات وأبواب النفقات محصورة في الأحكام الشرعية فلا يجبى قرش واحد إلا بحسب الحكم الشرعي، ولا ينفق قرش إلا بحسب الحكم الشرعي، غير أن وضع تفصيلات النفقات، أو ما يسمى بفصول الموازنة، فهو الذي يوكل لرأي الخليفة واجتهاده، وكذلك فصول الواردات، فمثلاً هو الذي يقرر أن يكون خراج الأرض الخراجية كذا، وأن تكون الجزية التي تؤخذ كذا، وهذه وأمثالها هي فصول الواردات وهو الذي يقول ينفق على الطرق كذا، وينفق على المستشفيات كذا، وهذه وأمثالها هي فصول النفقات.

فهذا هو الذي يرجع إلى رأي الخليفة والخليفة هو الذي يقرر حسب رأيه واجتهاده، وذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان هو الذي يأخذ الواردات من العمال، وهو الذي كان يتولى إنفاقها، وكان بعض الولاة يأذن لهم بتسلم الأموال وبإنفاقها  كما حصل حين ولى معاذاً اليمن. ثم كان الخلفاء الراشدون ينفرد كل منهم بوصفه خليفة في أخذ الأموال، وفي إنفاقها، حسب رأيه واجتهاده. ولم ينكر على أحد منهم منكر، ولم يكن أحد غير الخليفة يتصرف في قبض قرش واحد، ولا يصرفه إلا إذا أذن له الخليفة في ذلك، كما حصل في تولية عمر لمعاوية، فإنه جعل له ولاية عامة، يقبض وينفق، وهذا كله يدل على أن فصول موازنة الدولة إنما يضعها الخليفة أو من ينيبه عنه.

هذه هي الأدلة التفصيلية على المادة الأربعين. ويجمعها كلها قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته» وكلمة «هو» هنا للحصر، أي أن جميع ما يتعلق برعاية شؤون لرعية من كل شيء إنما هو للخليفة ومحصور به، وله أن ينيب عنه من يشاء، بما يشاء، كيف يشاء، قياساً على الوكالة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *