العدد 106 - 107 - السنة العاشرة – رمضان وشوال 1416هـ – شباط وأذار 1996م

التفكير من خلال القرآن الكريم

صالح عبد الكريم – تونس

يعتبر موضوع التفكير من أخطر المواضيع وأهمها وأرقاها لأن عشرات التفكير لا تحصي ولا تعد، وآثاره على الإنسان والمجتمع وعلى كل شيء تعلق به كبيرة. ذلك أن سمو الإنسان أو انحطاطه مرتبط به، ورقي المجتمعات وازدهارها المادي أو تدنيها وانحطاطها مرتبط به كذلك. وللفكر الإنساني دوره الهام في الرقي أو في الانحطاط، في الإنهاض أو في التدني والانتكاس في الكفر، في التقوى أو في الفسق والظلم، في الشقاء أو في السعادة، وبالتفكير يحصل العلم ويقهر الجهل، فهو أغلى شيء عند الإنسان ولأجله أسجد الله الملائكة لآدم، ورغم أن عثرات التفكير ونتائجه عرفها الإنسان ووعاها إلا أن التفكير بقي غامضاً لديه مستعصياً عليه، وكانت محاولات العلماء المفكرين من أجل تعريفه وتحديد عوامله وطرقه وأنواعه، غير مؤدية إلى نتائج صحيحة رغم أن بعض المحاولات كانت جادة، لكن أفسدها وأفسد نتائجها الانطلاق من خلفيات فكرية فاسدة مثل الإصرار على أن العالم مادي وأن كل شيء فيه يتطور لتطور المادة، أو الإصرار على إنكار صلة الخالق بالحياة وجعلها قاعدة فكرية. وقام أحد عملاء المسلمين وهو القاضي محمد تقي الدين بن إبراهيم بن يوسف النبهاني بدراسة مستنيرة بحث فيها التفكير وعوامله وطرقه وأنواعه، وسجل ثمرة أبحاثه حول الموضوع في كتابيه التفكير وسرعة البديهة.

عوامل الفكر

أرشد القرآن إلى عوامل الفكر ودل عليها بقوله سبحانه وتعالى: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ). هنا يمن الخالق علينا بأن جعل لنا الحواس التي بها نقوم بالعملية الفكرية ونتوصل إلى العلوم ولذلك وردت في الآية (لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا)، وعقبها ذكرت بعض الحواس ذكراً يفيد العلية في العلم، لعل ذلك يجعلنا نشكر الله على أكبر نعمة وهبها للإنسان وهي نعمة التفكير. ذلك أن استخدام الإنسان لحواسه هو الذي يوجد العلم ويجعل الإنسان يفكر وينتج، يحكم ويستنتج، يؤسس ويبني، يصحح ويصوب، يرتفي ويسمو، يميز ويختار، ونجد نفس السياق في آية أخرى (وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ)، وحتى تتوضح الصورة بشكل لا لبس فيه نعرج على أقوام ذكرهم الله ونفى عنهم العقل (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ) فمن عوامل العقل الحواس وبها نقوم بالعملية العقلية، وفي آية أخرى يقرر القرآن (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ) وينفي لاحقاً عن الكفار السمع والبصر، وهذا التصوير من القرآن هو تصوير مجازي، فهم حقيقة ليسوا صماً ولا بكماً ولا عمياً، وإنما بإساءتهم استعمال حواسهم فكأنهم أماتوها، ففقدت وظيفتها في التفكير الصحيح، وفي نفس السياق وردت هذه الآية (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ) وفي سورة الأعراف نجد تأكيداً على ما سبق الإشارة إليه (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ)، ويتواتر نفس المعنى في آيات أخر (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لاَ يَعْقِلُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لاَ يُبْصِرُونَ)، (وَلاَ يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ)، (فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا)، فالكفار بإساءة استخدامهم حواسهم عطلوا ملكة التفكير عندهم (وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ)، وفي يوم القيامة يعترفون بذلك (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ). ويعرج القرآن في آيات أخر على عامل هام من عوامل التفكير وهو المعلومات السابقة، يقول عز وجل (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ) وبما أن أفكار القرآن لها واقع تعالجه أو تحكم عليه أو تشخصه، فيمكننا أن نضيف الواقع إلى عوامل التفكير (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ)، وإذا أضفنا الفؤاد المذكور في كثير من الآيات وهو إطلاق مجازي يريد القرآن أن يعبر من خلاله عن عدم الارتياب والشك عندما ترتبط الأفكار بالأفئدة، أي إذا سارت العملية الفكرية وتمت بطريقة صحيحة وانعقد القلب على ما أنتجته العملية من أفكار، وهو تصوير لارتباط الفكر بالوجدان أو بالأحاسيس من أجل إعطائها حرارة وحيوية من شأنها أن تدفع بصاحبها من أجل العمل بها أو إيجادها، لهذا استلزم الربط بين العوامل التي ذكرها القرآن وبين العملية الفكرية نفسها لنفهم أنه لا بد من دماغ صالح للربط بين الصور التي تلتقطها الحواس وبين المعلومات السابقة ليحصل إنتاج الأفكار.

وإشارة القرآن لعوامل الفكر وللعملية الفكرية ليست من قبيل الذكر العابر بل لإرشادنا لطريقة التفكير العقلية، وإذا أضفنا إلى ذلك طريقة القرآن في النفي والإثبات وفي الاستدلال وفي الإقناع والمحاججة وفي البرهنة والتدليل فإننا نجده يستعمل نفس الطريقة فهو يشير إلى القوانين التي تحكم سير الأشياء ليجعل الإنسان يلمس ويحكم بأنه مفروضة على الكائنات وأنها من الخالق (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ)، فالحواس تنقل لنا صور الواقع المادي المختلفة والعقل حصلت لديه معلومة أن المادة تسيرها قوانين ثابتة، والآية تثبت كون هذه القوانين مفروضة على المادة، ليقرر العقل ببساطة أن الذي فرضها هو الذي خلق الكون والإنسان والحياة، أي خالق المادة بمختلف أشكالها وصورها، وفي آية أخرى يقول المولى عز وجل: (أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ)، (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ)، (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلْ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)، (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنْ الرَّحْمَانِ)، (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ)، (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ). والقرآن لم يستعمل هذه الطريقة في العقيدة فقط بل في كل شيء (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ)، (مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ)، (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ).

والمتتبع والدارس للقرآن العظيم يندهش من طريقة استدلاله، وإليك نماذج من ذلك (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ)، (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، فالله حتماً سيرث السماوات والأرض فلماذا لا ننفق في سبيل الله؟ (مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ)، (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا)، (أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً)، (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنْ الْجَاهِلِينَ)، (قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ)، (يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ)، (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا)، (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ)، (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ).

عاقبة الانحراف عن منهج القرآن في التفكير

وهكذا يتأكد أن القرآن يلزمنا بهذه الطريقة التي لو صح استعمالنا لها لصانتنا من الانحراف والزلل ومجانبة الحق والصواب ولجنبتنا ورود جهنم لقوله تعالى: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ)، فعدم استعمال عوامل الفكر استعمالاً صحيحاً يجعل الناس يتصرفون ويسيرون بشكل خاطئ، لأن أفكارهم لم تبن حسب طريقة صحيحة في التفكير فلم يكن بد من الانزلاق والانحراف الفكري والكفر، يقول المولى عز وجل: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ)، ويقول: (يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ)، ويقول مقرراً آخرتهم (وَلَوْ تَرَى إِذْ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ)، فتفكير هؤلاء جاء متأخراً ويقينهم فاته الأوان لأن التدارك ليس له محل يوم الحساب.

الطريقة العقلية

وهنا لا ينبغي أن ننسى إصرار القرآن على استعمال الطريقة العقلية في التفكير في بحث العقائد وفي الاستدلال على العقيدة الإسلامية، فالقرآن أخضع المادة بأنواعها وأشكالها ومختلف صورها للبحث العقلي، وبين زيف وباطل عقائد الشرك والكفر لعدم قيامها على البديهيات والمسلمات العقلية، ومن خلال تسليطه الطريقة العقلية في بحث المادة ومن خلال بيانه مطابقة تلك الأبحاث للمسلمات العقلية، بهذا أثبت القرآن مفاهيم العقيدة الإسلامية وليس هذا فقط بل أصر القرآن على جعل مفاهيم العقيدة إطار لأوامره ونواهيه أي للحلال والحرام حتى يثبت كون العقيدة قاعدة فكرية وقيادة فكرية وأساس وجهة النظر في الحياة، ذلك أن طريقة التفكير العقلية تفترض وجود قواعد وأسس لكل عملية بناء، وهي لا بد أن تكون صحيحة صلبة ومتينة حتى يكون البناء كله سليماً مهما علا وسما، وهذه الطريقة نفسها تفترض وجود انسجام في الهيكلية العامة وفي المظهر الخارجي وفي البناء العضوي، وبذلك ينبثق النظام عن العقيدة وتبنى كل الأفكار عليها وتأخذ كل الأفعال حكمها منها وتكون الأحكام الشرعية ثمرة من ثمرات الإيمان. ولو حاولنا استعراض نماذج من القرآن الكريم (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ)، (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ)، (أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ)، (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ)، (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ)، (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)، (وَقَالُوا لاَ تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ).

العقيدة قاعدة فكرية

أما جعل العقيدة قاعدة فكرية فإن كل آيات الأحكام يفهم منها ذلك (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ)، (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا).

أما بالنسبة للبناء فإن القرآن يشير إلى القواعد والأسس (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ)، فالبناء الذي لم يؤسس على أسس وقواعد صحيحة وصلبة فإن مآله إلى الانهيار، وقد أورد القرآن أمثلة كثيرة (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ)، (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا)، (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ).

فالعقيدة بكل مفاهيمها وتصوراتها لا بد أن تصبح أساساً وأفكارها قواعداً، ولا بد أن تؤسس الحياة عليها، والأفكار لا بد أن تنبثق أو تبنى عليها فتكون الأعمال متطابقة مع ما انبثق عن العقيدة من أحكام وهكذا يكون البناء، وفي آيات أخرى يشير القرآن إلى نفس المعنى (أَلَمْ تَرَى كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ).

الاستنارة في التفكير

هكذا تتوضح لنا طريقة القرآن في النفي والإثبات والنقض والتدليل، في الهدم والبناء، في البرهنة والمحاججة في العقيدة والأنظمة، بأنها الطريقة العقلية والمتمثلة في ربط الواقع بالدماغ عن طريق الحواس ووجود معلومات سابقة تفسر ذلك الواقع، وليس هذا فقط فالقرآن لم يكتف بتفكير سطحي بالمادة ومعلومات سطحية عنها ليقرر أفكاراً ويني أحكاماً، وإنما بحث المادة بعمق واستنارة وارتكز على معلومات سابقة سلم العقل بصحتها مما جعل التفكير من خلال القرآن الكريم تفكيراً فيه استنارة، والأفكار التي توصل إليها أفكاراً مستنيرة وهذا يظهر جلياً من استقراء آيات القرآن ومفاهيم العقيدة وتصوراتها وأفكارها المتعلقة بمادة الكون والإنسان والحياة، وهذا ما يجعلنا نفهم أن القرآن ناهض سطحية التفكير ونبذ الأفكار السطحية وأنه ليس لنا إلا طريق واحد هو الاستنارة في التفكير، وليس لأفكارنا إلا أن تكون عميقة مستنيرة.

وبالنسبة للطريقة العقلية نفسها فإن العمق الاستنارة في بحث المادة وفي التنقيب عن أصح وأرقى المعلومات كأصل يجعلنا ننبذ التفكير المادي الذي يحصر بالمادة ولا يهتم بالأفكار الكلية المتعلقة التي تربطها بغيرها ومنها الناحية الروحية فيها، وكذلك يلاحظ من استقراء القرآن الكريم ومن خلال فهمنا طريقته العقلية في الاستدلال أن الواقع يبحث ويفهم ويخضع للتفكير وأنه لا يمكن بالتالي أن يتخذ كأساس وكقاعدة للتفكير ولو كان هذا الواقع صحيحاً سليماً بمعنى أن أفكار العقيدة وتصوراتها هي الأساس وهي القاعدة والأفكار والأحكام تؤخذ بناء على مطابقتها أو مخالفتها لما تقول به العقيدة لا باعتبار أنها واقع متأصل في حياة الناس (قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ)، (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ). ويبطل القرآن التمييز الوجداني في العقيدة والتقليد الوراثي فيها وكل آيات نقض العقائد الباطلة وإثبات العقيدة الصحيحة لم يقررها على طريقة الوجدان بل بالطريقة العقلية، وبهذا بنيت أفكار العقيدة الأساسية عليها وعلى المسلمات التي يقبل ويسلم بها كل عقل، والقرآن زاد على هذا بأن نادى بأن يكون الفكر قوياً يثير العقول الخاملة ويهز الأذواق المنحرفة والقلوب الميتة، ولذلك كانت أفكار القرآن كلها أدلة قوية وبراهين قاطعة وحجج دامغة، وكانت طريقته في الاستدلال تجعل كل عقل سليم يسلم بما تقرره وتنتجه وتحكم به، ولا ننسى أن دعوة القرآن الدائمة للإنسان من أجل التفكير والتدبر ومن أجل استعمال حواسه وإعمال عقله ضمنها في كل سورة وفي الكثير من الآيات، وهذا التكرار وإعادة التكرار والتذكير كله يدل على أهمية التفكير وخطورته، فلنتأمل ولنتفكر ولنستخدم عقولنا بالطريقة التي أرشد إليها القرآن عسانا نتشل أنفسنا وأمتنا من الأوضاع المتردية التي وصلنا إليها وأن ينفعنا ذلك في النهوض وفي نزع ثوب الذل والانحطاط عنا.

العقل أو الفكر أو الإدراك هو: نقل الحس بالواقع بواسطة الحواس إلى الدماغ ووجود معلومات سابقة يفسر بواسطتها هذا الواقع.”

عن كتاب التفكير للقاضي تقي الدين النبهاني

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *