العدد 106 - 107 - السنة العاشرة – رمضان وشوال 1416هـ – شباط وأذار 1996م

ليس في الضفة والقطاع مقومات دولة مستقلة

بقلم: عبد الرحمن العمري

يجري على ألسنة المسؤولين الفلسطينيين كثيراً تعبير الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، فهل في الضفة الغربية وقطاع غزة مقومات الدولة المستقلة؟

وللإجابة على هذا التساؤل لا بد من معرفة واقع الدولة المستقلة ومعرفة واقع الضفة الغربية والقطاع وبعدها يسهل الحكم سلباً أو إيجاباً.

الدولة المستقلة عرفت بأنها الدولة التي تتصرف في سياستها الخارجية والداخلية ذاتياً حسبما تتطلبه مصالحها. هذا التعريف ينطبق على الواقع فهو صحيح، وحتى تكون دولة مستقلة لا بد من توفر عناصر معينة تعطي الدولة القدرة على اتخاذ القرار المستقل، وهي:

أولاً: الرقعة الجغرافية الواسعة التي تمكن الدولة من الاكتفاء الذاتي والتمتع بعمق استراتيجي يلزم في حالة الحرب بحيث لا يسهل تهديد عاصمتها من حدودها كتهديد تل أبيب من الجولان أو من البحر، فدولة مثل دولة الكويت يستحيل أن تكون مستقلة ينام سكانها كويتيين ويصبحون عراقيين بين عشية وضحاها، ومثل الكويت سائر دول الخليج والأردن وهايتي وموناكو وغيرها. أما الدول الواسعة كالصين وروسيا وكندا واستراليا والولايات المتحدة فأمرها مختلف تماماً من حيث الرقعة الجغرافية، فمثلاً لا يغيب عن البال كيف استفادت روسيا من سعة رقعتها أمام زحف كل من نابليون وهتلر عليها. ولا يقال إن الدولة الإسلامية عندما نشأت كانت لها رقعة غير واسعة ومع ذلك كانت مستقلة، لا يقال ذلك لسببين هما:

1- اختلاف الوسائل القتالية.

2- كانت عند نشوئها في خطر عظيم كاد يقضي عليها في السنة الثالثة في أحد وفي السنة الخامسة في الخندق، ولولا أن النصر بيد الله وأنه مَنَّ على المسلمين به لما استطاعوا بناء دولتهم وتوسيع رقتها وتثبيت أركانها، وأما مسخ الضفة والقطاع الذي نشأ على الخيانة والمعصية لله ولرسوله فمن أين يأتيه النصر.

ودولة في الضفة والقطاع يربط بينهما جسر علوي طوله عشرات الكيلومترات يسهل نسفه في وقت يسير وقطع الاتصال بينهما، ولا يمكن أن تستطيع الدفاع عن نفسها أي عن أمنها الخارجي بالإضافة إلى أنها مزروعة بالمستوطنات التي تمزق أوصالها، هذا إذا افترضنا أن إسرائيل انسحبت بعد المفاوضات النهائية عن نهر الأردن وعن بقية الحدود.

ثانياً: القوة البشرية الكافية لتشكيل الجيش والصناعات والزراعة وغيرها من الوظائف، فدولة عدد سكانها لا يتجاوز المليونين تجاور عدواً مثل إسرائيل تحتاج على الأقل إلى ربع مليون تحت السلاح فماذا يتبقى لسائر المهام، وإذا دخلوا حرباً وقتل منهم مائة ألف مثلاً فماذا هم صانعون.

ثالثاً: القوة العسكرية، والمراد لهذا الكيان أن يكون منـزوع السلاح وقد اقتصروا في اتفاقية أوسلو على إنشاء شرطة قوية مهمتها الحفاظ على الأمن الخارجي فأبقوه بيد إسرائيل كما نص عليه البند الرابع من المادة العاشرة. وما عدا الشرطة فلا تنشأ أي قوة عسكرية في الضفة والقطاع فقد ورد في البند الثالث من المادة الرابعة عشرة ما نصه: [عدا الشرطة الفلسطينية والقوات العسكرية الإسرائيلية لا تشكل أي قوة عسكرية في الضفة الغربية وقطاع غزة].

رابعاً: قوة المبدأ الذي تقوم عليه الدولة، والكيان الذي يراد إيجاده لا مبدأ له يناضل من أجله ويحمله للناس ولا فرق بينه وبين محميات الزولو في جنوب أفريقيا.

خامساً: القوة الاقتصادية من صناعة وزراعة وتجارة تكاد تكون شبه معدومة، وإذا أحكمت إسرائيل الطوق فإن الناس لا يجدون الطعام وربما وصلوا إلى حالة تشبه حال إخوانهم في الصومال، ولا يستطيعون الصمود أشهر لضيق الأرض الزراعية ونهب إسرائيل لمياههم، وقلة الموارد الطبيعية وقلة الصناعات والهيمنة التجارية من إسرائيل، ولذلك فإن هذا الكيان لا بد له من الاعتماد على المنح والقروض.

بعد استعراض عناصر الاستقلال بإيجاز يمكن القول بثبات ودون خشية الوقوع في الزلل إن الضفة والقطاع ليس فيهما من هذه العناصر عنصر واحد، فهو كيان نشأ ضعيفاً وسيبقى كذلك ولن يشم رائحة الاستقلال مطلقاً، بل إن بقاءه رهن بالصفقات الدولية. ويغلب على الظن أن القائمين عليه يدركون هذا تماماً إلا أن الذي يهمهم هو مصالحهم الشخصية ومنافعهم الآنية وهو أي الكيان عندهم ليس أكثر من مشروع استثماري كمصنع أو مزرعة أو شركة تجارية. ولو كانوا ينتمون لمبدأ أمتهم ويحرصون عليه لعملوا على إيجاد الكيان المستقل حقاً وهو دولة الخلافة، ثم عملوا على ضم فلسطين كلها إلى حضن الخلافة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *