العدد 116 - السنة العاشرة – رمضان 1417هـ – شباط 1997م

«الفكر السياسيُّ في الإسلام» (5)

الدولة الإسلامية دولة بشرية وليست إلهية

 بقلم: فتحي عبد اللـه

 

 

ما انفكَّ الغرب الكافر منذ أن هدم دولة الخلافة في الحرب العالمية الأولى، فقضى بذلك على الكيان السياسي للأمة الإسلامية، ووضع العراقيل والعقبات للحيلولة دون رجوعها. وخطّط وما يزال يخطط لوأدها في المهد إذا قامت… ما انفك هذا الغرب الكافر، متمثلاً بدوله الرأسمالية الديموقراطية الكبرى القادرة على رسم الخطط ووضع الأساليب وإيجاد الوسائل، يمعنُ في هدم كيان المجتمع للأمة الإسلامية بأساليبه ووسائله المختلفة ثقافياً وسياسياً واقتصادياً وعسكرياً وإعلامياً وبواسطة عملائه من حكام المسلمين لإبعاد الأمة عن التفكير على أساس الإسلام بعد أن تغيض الأحكام الشرعية من حياتها اليومية الخاصة والعامة، كي لا ترجع هذه الأمة العريقة في المجد أمةً كبرى ودولةً كبرى تصارع الدول في الموقف الدوليّ، وتحمل إلى شعوبها رسالة الإسلام لإنقاذها من ظلم الرأسمالية التي لم توجد الطمأنينة ولا السلام أو الاستقرار في هذا العالم الذي باتت تتحكم في شؤونه ومصائره، حتى وبالذات لشعوبها التي اعتنقتها قاطبةً في الغرب.

وما فتئ الغرب، وإمعاناً منه في إبعاد المسلمين عن التفكير السياسيّ على أساس الإسلام، يواصل حملته هذه لهدم الكيان الاجتماعي للمسلمين عن طريق وسائل الإعلام التي يتحكم بها ويمسك بزمامها لتركيز وجهة نظره ومفاهيمه عن الحكم ونظمه الديموقراطية، الجمهوريّ منها والملكي، وإعطائها الصورة المثلى التي يقتدى بها في رعاية الشؤون، بإضفاء الأضواءِ الزائفة المضللة الخدَّاعة، كي ينبهر بها المسلمون، وقد انبهروا فعلاً بهذا الزخرف الكاذب، حتى راح علماؤهم يؤولون الإسلام ويفسرونه تفسيراً يتناقض كل التناقض مع أفكار الإسلام وأحكامه عن نظام الحكم، بل يتناقض حتى مع العقيدة الإسلامية التي انبثقت عنها هذه الأحكام والأفكار، فأولوا الشورى بأنها ديموقراطية وقالوا عن الخلافة، التي هي رئاسة عامة في الدنيا للمسلمين لرعاية شؤونهم بالشرع الإسلامي، والتي هي نيابة عن المسلمين في رعاية الشؤون وليس في الرأي، إنها ليست بالضرورة واجبةً، وليست بالفرض الذي يجب على المسلمين إقامته، مع أنها معلومة من الدين بالضرورة، فضلاً عن ورود النصوص القطعية الدلالة بوجوب إقامتها ونصب خليفة واحدٍ للمسلمين… وراحوا يؤولون سياستها الخارجية، وهي الجهاد وما يقتضيه هذا الجهاد من أعمالٍ سياسية لافتة للنظر، راحوا يؤولون الجهاد بأنه حرب دفاعية وليست حرباً هجومية لإزالة الحواجز المادية وكل ما يقف في وجه دعوة الإسلام لتبليغه إلى العالمين تبليغاً لافتاً للنظر بالدعوة والتطبيق، دونما أي إكراه لاعتناقه؛ لا لشيء إلا إرضاءً لهذا الكافر الغربي، أو لالتصاقهم بالواقع الذي لم يعد واقعاً إسلامياً، بل واقعاً رأسمالياً مشوهاً ممسوخاً.

وإمعاناً من هذا الغرب الكافر في إبعاد المسلمين عن التفكير على أساس الإسلام، وفي تنفيرهم منه ومن أحكامه راح يعمل على إيصال مسلمين إلى الحكم باسم الإسلام، بعد أن ركب موجته التي أصبحت واقعاً محسوساً في العالم الإسلامي، تحرك المسلمون بأحاسيسهم ومشاعرهم نحو الإسلام لإعادته كنظام للمجتمع في الحكم والاقتصاد والاجتماع والثقافة، ليقوم هؤلاء المسلمون بطرح الإسلام طرحاً خاطئاً، أي لجلد المسلمين بالإسلام كي ينفِّروا الناس من أحكامه وينأوا بجانبهم عن تطبيقها، وكي لا يروْا غير الديموقراطية طريقاً للخلاص ونظاماً لحل المشاكل.. كما فعلوا في إيران والسودان وباكستان، ومن قبلُ في الحجاز ونجد أو ما يسمى بالسعودية، وكما يحاولون اليوم في أفغانستان ويريدون إيجاده في الجزائر. وراحوا يطلقون على هذه النماذج المشوهة لدولة الإسلام اسم: الدولة الإلهية أو الدولة الدينية تمشياً وانسجاماً مع ما أشاعوه من مفهوم خاطئٍ عن الدين بأنه علاقة فردية بين الإنسان وخالقه، فهو حرٌ إذا أراد أن يقيم هذه العلاقة أو يقطعها، قياساً على النصرانية التي نبذها الغرب وأبعدها عن التحكم في شؤون الحياة بالفكرةِ التي صارع على أساسها الكنيسة في أوروبا، وهي وجوب فصل الدين عن الحياة وعن السياسة وعن الدولة، وأن لا علاقة للخالق بهذه الحياة وبهذه الأرض، فمن أراد الاعتقاد بوجوده فهو إله في السماء فقط، وليس في الأرض حسب مفهومهم، مع أن اللـه يقول: )وهو الذي في السماء إلهٌ وفي الأرض إله..(.

إن الدولة الإسلامية دولة بشرية محضة، وهي بحدِّ ذاتها الأمة الإسلامية، لأن اللـه سبحانه وتعالى قد خاطبها بالأحكام والأفكار الواردة في كتابه الكريم وفي سنةِ نبيه الشريفة، بأن ترعى شؤونها بهذه الأحكام والأفكار الإسلامية. فهو سبحانه قد أعطاها السلطان بأن ترعى شؤون حياتها بالإسلام.. فهي إذن مفوَّضة بأن تنيب عنها وبمحضِ اختيارها من ترى فيه الكفاءة، ومن هو مؤهل من أبنائها لرعاية هذه الشؤون.. فهي التي تنتخبه، وهي التي تبايعه على كتاب اللـه وسنة رسوله… فهي دولة بشرية وليست دولةً إلهية كما يحاول الغرب الكافر إيهام الناس بأنها كذلك استناداً لما أشاعه من مفهوم خاطئٍ عن الدين كما أسلفنا. فهي ليست دولةً مقدسة، ولا تحمل أي صفة للقداسة. وتنطبق فيها الأحكام والقوانين على الخليفة كما تنطبق على الرعية سواءً بسواء… فمن يتولى منصب الخلافة بعد انتخابه من المسلمين وبيعتهم له على الكتاب والسنة يملك جميع صلاحيات الحكم والسلطان دون استثناء… ولا يقال هنا إن في ذلك استبداداً في الحكم، أو إن هذا حكمٌ فردي مطلق… لا يقال ذلك… فالأمة قد انتخبته نيابةً عنها في هذا الحكم والسلطان، أي في رعاية الشؤون لأن اللـه سبحانه وتعالى هو الذي أعطاها حقَ هذه الرعاية لشؤونها بأحكام الإسلام، لا بل فرضَ عليها هذه الرعاية، وهي آثمةٌ إذا لم تُنِبْ عنها مَنْ يقوم مقامها في ذلك. إذ لا يُعقل أن تكون الأمة كلها حكاماً، فضلاً عن أن واقع الحكم في الدنيا (أيَّ حكم) هو لشخص واحد فقط، وهذا أمر محسوس ملموس في الحاضر والماضي والمستقبل. فالخلافة إذن منصب دنيوي، وليست منصباً أخروياً كما يزعم الغرب ويحاول الافتراء على أحكام الإسلام وتشويهها في نظر الناس وليس المسلمين فقط. وهي موجودة لتطبيق الإسلام على الناس ونشره بينهم، وهي غير النبوة قطعاً.. إذ النبوة أو الرسالة منصب يتلقى فيه النبي أو الرسول الشرع من اللـه بواسطة الوحي ليبلغه للناس بغض النظر عن تطبيقه (وما على الرسول إلا البلاغ المبين ) وهذا بخلاف الخلافة فهي تطبيق لشرع اللـه على الناس.. إذ لا يشترط في النبي أو الرسول أن يطبق ما أوحى اللـه به إليه حتى يكون رسولاً.. بل الشرط في ذلك أن يوحيَ اللـه له بشرعٍ ويأمره بتبليغه.. فسيدنا موسى وسيدنا عيسى وسيدنا إبراهيم عليهم الصلاة والسلام أنبياء ورسل، ولم يقوموا هم بتطبيق الشريعة التي جاؤوا بها ولم يكونوا حكاماً.

فالنبوة منصب إلهي والخلافة منصب بشري يبايع فيه المسلمون من يشاؤون من أبنائهم… وهناك أنبياء ورسل أمرهم اللـه بتطبيق ما يوحى إليهم من تشريع كمحمد صلى اللـه عليه وآله وسلم. فقد كان نبياً ورسولاً وحاكماً في آنٍ واحد، فقال له: (وأن احكم بينهم بما أنزل اللـه ) وقال أيضاً: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك اللـه ) وقال له: (يا أيها النبي بلغ ما أُنزل إليك من ربك )، وقال: (وأوحيَ إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ )، وقال: (يا أيها المدثر قم فأنذر ). إلا أنه صلى اللـه عليه وآله وسلم كان حين يتولى تبليغ الرسالة قولاً كتبليغ قوله تعالى: (وأحلَّ اللـه البيع وحرَّم الربا ) أو تبليغها عملاً كمعاهدة الحديبية فإنه كان يجزم بالتبليغ ويأمر بالقيام بالعمل ولا يستشير أحداً، بل إنه كان يرفض الرأي إذا كان غيرَ ما جاء به الوحي. وإذا سئل عن حكم لم ينزل به الوحي بعد كان يسكت ولا يجيب حتى يتنزل الوحي. أما حين كان يتولى تطبيق الأحكام التي أُنزلت وبُلِّغَتْ  للناس فإنه كان يستشير إذا كان من الأمور التي تؤخذ الشورى فيها. وكان صلى الله عليه وسلم لا يجزم في القضاء بأن ما حكم به هو طبق الحادثة بل يقول هو طبق ما سمع من حجج… فالرسول صلى الله عليه وسلم معصوم بالتبليغ عن اللـه تعالى ولكنه صلى اللـه عليه وآله وسلم حين كان يقضي بين الناس كان يحذرهم من أن يكون قضى لهم بحق غيرهم فقال: «إنما أنا بشر وإنه يأتيني الخصم فلعلَّ بعضكم أن يكون أبلغَ من بعض فأحسب أنه صادق فأقضي له بذلك فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها».

وروي عنه صلى اللـه عليه وآله وسلم أنه قال لأصحابه: «من أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه ومن جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليقتصَّ منه».

وروي عنه صلى اللـه عليه وآله وسلم أنه قال: «وإني لأرجو أن ألقى اللـه عزَّ وجلَّ ولا يطلبني أحد بمظلمةٍ ظلمتُه إياها في دمٍ ولا مال». كل ذلك يدل على أنه كان يتولى في حياته الكريمة منصبيْن منصبَ النبوةِ والرسالة ومنصبَ رئاسة المسلمين في الدنيا لإقامة شريعة اللـه التي أوحى بها إليه.. وكان يتصرف بالقيام بأعباء كل منصب بما يقتضيه ذلك المنصب فيتصرف في أحدهما على غير ما يتصرف في الآخر.. وقد أخذ صلى اللـه عليه وآله وسلم البيعة من الناس في الحكم أخذها على الرجال كما أخذها على النساء ولم يأخذها على الصغار الذين لم يبلغوا الحلم، مما يؤكد أنها بيعة على الحكم وليست بيعة على النبوة. ولذلك نجد أن اللـه سبحانه لم يعاتبه على شيءٍ مما يتعلق بتبليغ الرسالة والقيام بأعبائها بل كان يطلب منه أن لا ينزعج من عدم استجابة الناس لدعوته.. لأن القيام بأعباء الرسالة هو التبليغ فقط.. قال تعالى: (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ) وقال: (ولا تحزن عليهم ولا تك في ضَيْق مما يمكرون ) وقال: (إنْ عليكَ إلا البلاغ ).

ولكن اللـه تعالى عاتبه عليه الصلاة والسلام عند قيامه بأعباء الحكم على الأفعال التي فعلها تطبيقاً لأحكام سبق أن نزلت وبلَّغها.. فعاتبه اللـه على قيامه بها على خلاف الأولى كقوله تعالى: (ما كان لنبيٍ أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض )، وكقوله: (عفا اللـه عنك لِـمَ أذنت لهم ).. من هذا كله يتضح أن منصب رئاسة المسلمين في الحكم غير منصب النبوة، ويتضح منه أن منصب الخلافة منصبٌ دنيوي لا أخروي… وهذا المنصب هو منصب الحكم بما أنزل اللـه، وقد تولاهُ رسول اللـه صلى الله عليه وسلم إلى جانب منصب النبوة، وقد تركه  وفرض أن يخلفه فيه مسلم من المسلمين أي أن يقوم مكان رسول اللـه صلى الله عليه وسلم خليفةٌ له في الحكم لا في النبوة… فهي إذن خلافة للرسول في رئاسةِ المسلمين لتطبيق أحكام الإسلام وحمل دعوته إلى العالم .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *