العدد 116 - السنة العاشرة – رمضان 1417هـ – شباط 1997م

هل حصلت الكفاية بالذين يعملون لإقامة الخلافة؟

         الفرض هو عين الخطاب الذي أفاد طلب الفعل طلباً جازماً، لا فرق في هذا بين فرض العين وفرض الكفاية، فصوم رمضان وإقامة الخليفة طُلبا طلباً جازماً. ولا فرق بينهما أيضاً من حيث أن المخاطبين بهما هم كل المسلمين فإذا اشتغل الجميع بإقامتهما أثيبوا وإذا قصّر الجميع في إقامتهما أثموا. وإذا أقام البعض فرض العين وقصّر البعض استحق من أقامه الثواب واستحق من قصّر الذم، أما إذا أقام البعض فرض الكفاية وقصّر البعض استحق من أقامه الثواب ولم يلحق القاعدين عن إقامته ذم، ذلك أن الشارع في فرض العين انصبَّ أمره على الفعل  والفاعل فحددهما فطلب أن يقوم كل فرد مسلم بالفرض، أما في الكفاية فقد اهتم بالفعل دون الفاعل، فأتى أمره بالقيام بالفرض ولم يأت بأن يقوم كل فرد به، أي أن الشارع نظر إلى نفس الفعل بقطع النظر عن الفاعل.

         وإقامة فرض الكفاية مؤكد مثل إقامة فرض العين لأنه يُصان بإقامته جميع المكلفين عن الإثم المترتب على تركهم له، وأيضاً فإن البعض الذي أقام الفرض يختص بثواب الكل لو اشتغل الكل به. وبعبارة أخرى فإن من يحمل التكليف عن نفسه وعن غيره خير من الذي يحمل التكليف عن نفسه فقط. وإقامة الخلافة بشكل خاص لا يدانيها ثواب عمل على الإطلاق قال العز بن عبد السلام «وعلى الجملة فالعادل من الأئمة والولاة والحكام أعظم أجراً من جميع الأنام بإجماع أهل الإسلام» فالعامل لإقامة هذا الفرض وإيجاد الإمام العادل يرجى له مثل أجره لأنه متسبب في إيجاده وما هو إلا ثمرة عمله.

         وتكوين الأحزاب السياسية فرض على الكفاية والأعمال التي أناطها اللـه بها من فروض الكفاية (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) ثم إنه من قبيل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فإقامة الخليفة واجب، ومحاسبة الحكام واجب، والقيام بهذين الواجبين لا يتأتى من أفراد لعجز الفرد عن القيام بهما، فكان لا بد من تكتل جماعة من المسلمين تكون قادرة على ذلك. فصار واجباً على المسلمين أن يقيموا تكتلاً قادراً على إقامة الخلافة ومحاسبة الحاكم. فإذا لم يقيموا تكتلاً كانوا آثمين لأنهم لم يقوموا بما لا بد منه لأداء الواجب. وإذا أقاموا تكتلاً غير قادر على إقامة الخلافة ومحاسبة الحاكم فإنهم كذلك يظلون آثمين، ولم يقوموا بالواجب، لأن الواجب ليس إقامة تكتل فقط بل إقامة تكتل قادر على إقامة خليفة وعلى محاسبة الحاكم، أي فيه القدرة على القيام بالواجب.

         وقد قام حزبٌ استجابة للآية السابقة ولتحقيق ما لا يتم الواجب إلا به، فكان لزاماً على المسلمين أن ينضموا إليه حتى يكون قادراً على إقامة الخلافة ومحاسبة الحاكم وتحصل بذلك الكفاية. وقبل أن تحصل فإن المشتغل بهذا الفرض مأجور، والقاعد عنه آثم ولا ينجيه من الإثم إلا أن يكون مخالفاً لآراء هذا الحزب بناءً على اجتهادٍ فيشكل حزباً بناءً على رأيه واجتهاده. ويكون بذلك قد عمل بفرض الكفاية كما أداه إليه اجتهاده، ويتعدد بذلك القائمون بفرض الكفاية هذا، إذ حكم اللـه في حق كل مجتهد هو ما يوصله إليه اجتهاده، وهو الحكم في حق من قلده. وتعدد الأحزاب بتعدد الأفهام مشروع، والمذموم هو التفرق في العقيدة، والتنازل عند اللقاء، والخروج على الجماعة أي على إمام دار العدل وعدم طاعته. أما تشكيل أحزاب مختلفة بناءً على اجتهادات مختلفة فهو مشروع وهو قيام بفرض الكفاية.

         أما الجواب على السؤال: هل حصلت الكفاية بالذين يعملون لإقامة الخلافة؟ فالذي تقرر بناءً على قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب هو أن التكتل المجزئ شرعاً هو التكتل القادر على إقامة الخليفة ومحاسبة الحاكم، وقد تبنى التكتل طريقة معينة لذلك، تتكون من ثلاث مراحل: التثقيف والتفاعل واستلام الحكم، وكلها مستنبطة من الكتاب والسنة وما أرشدا إليه من إجماع وقياس. وكان من المفروض أن تؤدي أعماله في الدورين الأولين إلى تسلم الحكم. وهذه الأعمال هي الثقافة المركزة والثقافة الجماعية والصراع الفكري والكفاح السياسي وتبنّي المصالح وطلب النصرة. إلا أنها لم تؤد حتى الآن إلى تسلم الحكم بالرغم من مرور أكثر من أربعين عاماً على عمل التكتل، وأكثر من ربع قرن على طلب النصرة. وهذا يدل على أن الكفاية لم تحصل، أي أن الحزب القادر لم يتم، إذ أنه واقعياً لم يستطع إقامة الخلافة فعلاً رغم تلبسه بالعمل. وكما مر فإن أمر الشارع أتى بالقيام بالفرض الذي هو هنا إقامة الخلافة، فما لم تتم إقامة الخلافة فإن ما تتم به وهو التكتل القادر لم يتم، فيجب على المسلمين الانضمام إلى جسم هذا التكتل وتقويته حتى تحصل القدرة على القيام بالواجب. ولا يقال: (إن التكتل قد حصلت به الكفاية لأنه قادر على تحقيق الواجب ولكن النصر بيد اللـه وليس من عمل التكتل فلم يبق إلا الصبر حتى يأتي اللـه بالفرج)، لا يقال ذلك لأن التكتل رغم الطاقات التي بذلها فإنه لم يستطع أن يصهر الأمة في بوتقة المبدأ، فتجعل الحلال والحرام مقياساً لأعمالها، إذ لا زالت المصلحة والنفعية متحكمة في مجموع الأمة، بما فيها بعض الحركات التي تزعم أنها حركات إسلامية، وبالرغم من وجود الرأي العام للإسلام إلا أنه ليس ناتجاً عن وعي عام، كمن يطرح شعار «الإسلام هو الحل» ثم يشارك في الحكم بغير ما أنزل اللـه. فلا بد من مضاعفة الجهود لإيجاد الرأي العام المنبثق عن الوعي العام وتنمية جسم التكتل، حتى تقام الخلافة وينجز هذا الفرض، ويبقى فرض المحاسبة. واعلموا أن العمل والبذل والإنفاق قبل قيام الخلافة أفضل منها بعدها (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعدُ وقاتلوا وكلاً وعد اللـه الحسنى واللـه بما تعملون خبير) .

عبد الرحمن العقبي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *