العدد 116 - السنة العاشرة – رمضان 1417هـ – شباط 1997م

تأملات ديموقراطية -المافيا

المافيا هي مجموعة مجرمين تعمل في الخفاء. تنبثق عقيدتها من ظلم الحكومات حقوق الناس، فاستخدمت الجريمة السرية لتحقيق أغراض العدالة بالأجرة. هكذا بدأت ولكن عندما أرست قواعدها بين عامَيْ 1820و1840م بعد غزو نابليون لإيطاليا وانفراط عقد الأنظمة أخذ الإقطاع باستئجار المافيا لقمع حركات التحرر. ثم وقع الإقطاع نفسه تحت سلطان المافيا. وانقرضت المافيا أثناء حكم موسيليني الديكتاتوري ثم عادت ونشطت بعد الحرب العالمية الثانية. ثم انتشرت في جميع أنحاء العالم.

هذا التعريف مترجم بتصرف عن الموسوعة العالمية، المجلد 11، الصفحة 202. (دمعا)

عندما كنت صغيراً مرَّت بي مرحلة كنت أهوى فيها قراءة «روايات الجيب» وهي قصص خيالية لأبطال وهميين، تقتل الوقت، وهذا ما تبينته بعد فوات الأوان.

من أبرز أبطال تلك الروايات مجرم يسمى «أرسين لوبين» ويلقَّب «اللص الشريف». تركت تلك الروايات فيَّ انطباعاً غريباً عن مهمة هذا «اللص الشريف». كانت كل قصة من قصصه البوليسية تدور حول قضية فيها ظالم ومظلوم، ودور هذا اللص أن ينتصر للمظلوم عندما تغمطه السلطة حقه.

صورة لازمتني أمداً طويلاً حتى فترة ما بعد إقلاعي عن مطالعة تلك الروايات. فكرة حيرتني وطرحت عليَّ تساؤلاً! هل من الضرورة بمكان وجود «لص شريف» لإحقاق الحق. أما كان الأجدر بالسُّلطة أن تحقَّ الحقَّ وتحول بين «اللص» وادعائه «الشرف»! ما هو مبرر السلطة أن تكون ظالمة وبيدها الأمر؟ تساؤل صبغ طفولتي تعجباً.

لا تقل لي إنها «روايات». إنَّ الروايات لا تأتي من فراغ. لا بدَّ من وجود أحداثٍ وقع فيها ظلمٌ فجاء الروائي ليسبكها قصصاً ينتصف فيها للمظلوم قولاً على الأقل. إن الروايات ليست سوى مرايا تعكس صوراً من واقع المجتمع.

وإذا تلفَّتنا حولنا وجدنا صوراً لا تُصدَّق داخل واقعنا تفوق كثيراً ذلك الظلم الذي كنا نقرأ عنه في تلك الروايات وغيرها، ولكننا لا نرى بيننا لصاً شريفاً واحداً يُحِقُّ لنا حقاً. والظلم عندما يكون من السلطة ما هو مبرِّره؟ لو لم يكن المبدأ الذي انبثق عنه ذلك النظام نظاماً ظالماً لما أفرز ظلماً ولما أعطى ذلك «السليط» سلطة.

وبسبب طفولتي، بل أُمِّيَّتي السياسية، قلت: يلزمنا «لصوص شرفاء» لمجابهة تلك الأنظمة. وكنت كلما سمعت عن انقلاب أو تغير في بلدٍ إسلاميٍّ حمدت اللـه وقلت: ها قد وصل أخيراً «لصوص شرفاء»، ولكنْ يتبين لي أنهم «لصوص» ولكن «غير شرفاء» ذلك أن النظام الذي أفرزهم هو من نفس جبلَّة النظام الذي أفرز مَن قبلهم. وعندما ارتقيت من الطفولة إلى الدرجة الأولى من سلم السياسة قلت: إنَّ «اللصوص الشرفاء» يجب ألاَّ يكونوا أصحاب سلطة. هكذا كان «أرسين لوبين».

ودرجة أخرى على سلَّم السياسة تبيّن لي أن أولئك اللصوص يحميهم النظام نفسه الذي أفرز ذلك الظلم وتلك الظلمات. وتشكلت لديَّ قناعة أن الثغرات القائمة في أنظمة الحكم هي ثغرات واسعة ينفذ منها «لصٌّ» بل «لصوص» غير شرفاء لتحقيق مكاسب. وقد تكون المكاسب التي يلهثون وراءها مكاسب مادية أو سياسية أو معنوية، إلاَّ أنها تبقى جميعاً مكاسب غير مشروعة هي من ثمار الظلم الذي يمارسونه ضدَّ «الشرفاء» من أبناء الشعوب التي يحكمونها. في الروايات كنا نسمع عن «لصٍ شريفٍ» يهبُّ لإحقاق الحقوق. ولكن الأنظمة خيبت ظنَّ الروائي، فلم تفرز لصّاً شريفاً واحداً، إنما أفرزت مجموعات «لصوص غير شرفاء»، تلك التي تسمى الـ «مافيا».

هذه «المافيا» تنتشر عادةً وتترعرع في ظلِّ أنظمة عادلة من وجهة نظر واضعيها فقط، تلك هي الديموقراطية. فهي تُفَصَّل على مقياس واضعيها، فتكثر فيها الخروق عند تطبيقها، فيتسلل عبر هذه الخروق رجال المافيا ليجعلوا من أنفسهم حكومة، داخل الحكومة ويعيثون فساداً ويروِّعون الناس في جميع أنحاء البلاد. وقد يتسلل من هذه الخروق من ينفذون إلى نفس الحاكم ويصبح الحكم نفسه «مافيا»، وهو شرُّ أنواع «المافيا» إذ هو ظلمٌ مُرَكَّب. وليست أحداث إيطاليا، التي أطاحت بكامل الجهاز الحاكم، عنَّا ببعيدة. رئيس وزراء إيطاليا نفسه الذي حكم على فترات تزيد عن الثلاثين عاماً هو في السجن الآن. إنه من كبار رجال المافيا. إنه ينتظر الحكم النهائي عليه. وقد لا يحاكم إذ ينفضح معه كثيرون ممن هم خارج السجن، وهنا تلعب المافيا دورها أيضاً.

لا تقل إني أخذت من إيطاليا مثالاً وعممته على سائر الأنظمة الديموقراطية في العالم، إنَّ المافيا لا تُدرك مخاطرها غالباً إلا بعد فوات الأوان. ولذلك لا نسمع عن بعض مخازيها إلا لـِماماً بما يتهامس به الناس فيما بينهم أو في مجالسهم الخاصة، ويتذمَّرون مما يلاقون دون أن يجرؤَ أحدٌ على كشف ما يلاقي.

إنما هنالك مثال آخر يأتينا من روسيا. كانت روسيا أيام الاتحاد السوفييتي منذ عام 1917م وحتى 1991م ترزح تحت نير البلاشفة. وبسبب البطش الذي كان السمة البارزة للحزب الشيوعي انقرضت المافيا كلياً. والآن ولـمَّـا تَمْضِ خمس سنوات على عودة الديموقراطية إليها حتى نشطت المافيا بعنف أشدَّ من أن يُوصف، ما جعل الروس يحنُّون إلى بطش البلاشفة.

ثمَّ هنالك الولايات المتحدة، وهي الدولة العظمى التي تهيمن على مقدَّرات كثير من شعوب الأرض في وقتنا الحاضر، تنتشر فيها المافيا انتشاراً سرطانياً أصاب كلَّ منحى من مناحي وجودها كدولة عظمى. لقد فاقت فيها المافيا حدَّ المعقول لدرجة إدخال مقولة «الجريمة المنظمة» لأول مرة في قاموسها كتعريف لهذا المرض الخبيث: «المافيا». إنَّ معظم ما يجري في الولايات المتحدة من تناقضات (لا تعبر عن حقيقة هذه الدولة أنها دولة عظمى على المسرحين الداخلي والخارجي) هو من صنع المافيا بأشكالها المتعدِّدة. والسلطات عارفة، ولكنها مستفيدة، ولذلك فهي متغابية.

ونسأل: هل من الضروري أن تحيا البشرية تحت ظل نظام ديكتاتوري يبطش بالمافيا فيخلصنا منها؟ طبعاً ليس هذا هو الحل، لأن النظام الديكتاتوري بما يهضمه من حقوق الجماهير هو نفسه مافيا.

وهل من الضروري أن تحيا البشرية في ظل نظام ديموقراطي يتسلل عبره أخطبوط المافيا وتؤول الأوضاع بالبشرية إلى ما آلت إليه أوضاع إيطاليا وغيرها؟ طبعاً كلاَّ، وخاصة في هذا الوقت العسير الذي تسعى فيه الولايات المتحدة إلى «دمقرطة» العالم كله.

وما هو الضروري إذاً؟ الضروري أن نُحكم بمبدإ هو عقيدةٌ ينبثق عنها نظامٌ ليس من صنع البشر. الحلُّ أن نعمل معاً على إقامة دولة الخلافة الإسلامية لأنها الوحيدة التي تحقق هذه الغاية، ناهيك أنها أمرٌ من اللـه. وبذلك ننقذ البشرية من شرور المافيا ونذالة الحكام. وبذلك فقط ننقذ أنفسنا من بلاء الدنيا ومن عذاب الآخرة، وما ذلك على اللـه بعسير .

             شاكر عبد الصبور دمعا

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *