العدد 118 - السنة الحادية عشرة – ذو القعدة 1417 هـ – آذار 1997م

فصل من كتاب حمل الدعوة الإسلامية واجبات وصفات

فصل من كتاب

حمل الدعوة الإسلامية

واجبات وصفات

مع كتاب اللـه

أنزل اللـه سبحانه القرآن على رسول اللـه صلى الله عليه وسلم على مدى ثلاثة وعشرين عاماً، ثلاثة عشر عاماً، وهو في مكة، وعشرة أعوام وهو في المدينة، أنزله بلسان عربي مبين لا ليكون معجزة لمحمد بن عبد اللـه يثبت صدق نبوته فقط، ولا ليتخذه المسلمون منهاجاً ونبراساً للعمل والتطبيق فحسب، وإنما أنزله رب العالمين لأمر ثالث أيضاً هو التعبد بتعلمه وتعليمه، وبحفظه وتعاهده، وبتلاوته وترتيله، فالقرآن كلام يعلو ويسمو على كلّ كلام، فتعلمه وتعليمه أفضل التعلم والتعليم، وحفظه وتعاهده افضل الحفظ والتعاهد، وتلاوته وترتيله أفضل التلاوة والترتيل، بل لا تكون تلاوة مع ترتيل إلا للقرآن فحسب، فينبغي لكلّ مسلم ولحامل الدعوة بشكل خاص أن يتعلم كتاب اللـه فيقف على معانيه وأحكامه، ويسترشد بهديه ونوره، لأن اللـه سبحانه أنزله ليَعْلَمَه الناسُ، فقال في سورة فصلت: (كتابٌ فُصّلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون)، وكما قلنا فإن تعلم القرآن وتعليمه أفضل التعلم والتعليم، فعن عثمان بن عفان قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلّمه» رواه البخاري ومسلم وأحمد وأصحاب السنن، وعن أبي هريرة أن رسول اللـه صلى الله عليه وسلم قال: «تعلموا القرآن واقرأوه فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه وقام به كمثل جراب محشوٍ مسكاً يفوح ريحه في كل مكان…» رواه الترمذي بسند حسن، ورواه ابن ماجة. قوله كمثل جرابٍ محشوٍ مسكاً يعني مثل وعاء مملوء بعطر المسك الذي هو أطيب العطور، وقد امتثل صحابة رسول اللـه صلى الله عليه وسلم لهذا الهدي النبوي، فأقبلوا على كتاب اللـه يتعلمونه ويعملون به سالكين في ذلك ما رواه أبو عبد الرحمن قال: «حدثنا مَن كان يُقرئنا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يقترؤون من رسول اللـه صلى الله عليه وسلم عشر آيات فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، قالوا فعلمنا العلم والعمل» رواه أحمد والحاكم وصححه هو والذهبي.

إن حامل الدعوة محتاج في حمله للدعوة لأن يتسلح بالعلم بالعقيدة وأفكارها، وبالأحكام الشرعية، وإن أهمّ العلم وأفضله العلمُ بما جاء في كتاب اللـه منها، فعلى حامل الدعوة أن يقف على ما في كتاب اللـه من العقيدة وأفكارها، ومن الأحكام الشرعية.

كما ينبغي لحامل الدعوة أن يحفظ من القرآن ما يتيسر له منه حتى يستطيع قراءته في صلاته وخاصة صلاة الفجر التي يُسن الإكثار فيها من قراءة القرآن، قال تعالى في سورة الإسراء: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا)، إضافة إلى أن حفظ آيات اللـه كلما كان أكثر حقق المسلم لنفسه مزيد فضل ومنزلة عند ربه، وهو ما ينبغي لحامل الدعوة أن يحرص عليه، فعن عبد اللـه بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقال لصاحب القرآن إِقرأ وارْتـَقِ ورتّل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأُها» رواه أبو داود وأحمد وابن ماجة وابن حبان والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وكما أن العاقل اللبيب إن هو حصّل خيراً احتفظ به ولم يفرط فيه، فكذلك حامل القرآن وحافظه، فمن حفظ من القرآن شيئاً لم يفرط فيه بنسيان وإهمال، ولم يدعه للتفلّت والضياع، بل داوم على تعاهده ومذاكرته حتى يبقى محفوظاً في صدره، وإلا فوّت وأضاع خيراً كثيراً، فعن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشدّ تفصّياً من الإبل في عُقُلها» رواه البخاري ومسلم، قوله أشدّ تفصّياً من الإبل في عقلها يعني أكثر تفلتاً وشروداً من الإبل المربوطة، وعن عبد اللـه بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بئسمالأحدهم أن يقول نسيت آية كيت وكيت بل نُـسِّي، واستذكروا القرآن فإنه أشدّ تفصياً من صدور الرجال من الـنَّـعَم» رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي والدارمي، ويكفي ما رواه ابن عباس أن رسول اللـه صلى الله عليه وسلم قال: «إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الـخَـرِب» رواه الترمذي بسند حسن صحيح، ورواه الدارمي وأحمد وابن ماجة، فليحرص حامل الدعوة على الإكثار من حفظ آيات اللـه، وليحذر من نسيان ما حفظ منها.

أما بخصوص تلاوة القرآن وترتيله فنقول: إن القرآن أنفس النفائس، وأثمن الموجودات، فلا يجوز هجره، ولا يحل تركه على الأرفف ليعلوه الغبار، وإنما الأصل في المسلم وخاصة حامل الدعوة أن يبقيه إلى جانبه، ويحمله في حله وترحاله ويقرأ منه ما تيسر له كل يوم، يقرأ وهو منشرح الصدر مقبلٌ على ما يقرأ، فإذا تعب ومالت النفس عن القراءة فليترك حتى لا يقرأ إلا وهو راغب في القراءة، قال تعالى في سورة المزّمّل: (…فاقرأوا ما تيسر من القرآن…)، وعن جندب بن عبد اللـه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إقرأوا القرآن ما ائتلفت قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا عنه» رواه البخاري ومسلم وأحمد. والقرآن ثلاثون جزءاً يُقرأ في ثلاثين يوماً بمعدل جزء في كل يوم، أي حوالي عشرين صفحة، وهذا أعدل القراءة، إلا أن يكون سجيناً أو مريضاً في الفراش أو يقوم الليل مثلاً فلا بأس من قراءته في أقلّ من ثلاثين يوماً، فعن عبد اللـه بن عمرو قال: قال لي رسول اللـه صلى الله عليه وسلم: «إقرأ القرآن في كل شهر، قال قلت إني أجد قوة قال فاقرأه في عشرين ليلة قال قلت إني أجد قوة. قال فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك» رواه مسلم والبخاري وأبو داود والنسائي وأحمد، فأعدل القراءة أن يُقرأ القرآن مرة كل شهر، إلا أن يجد متسعاً من الوقت كالسجين أو المقعد في فراشه لمرض، أو الشيخ الهرم الذي لا يقوى على العمل، أو المفجوع بمصابٍ يريد أن يتعزى بالقراءة عن مصابه، أو من هو في مثل هذه الحالات، وذلك لأن الأمر النبوي قد انصبّ على القراءة مرة في الشهر، ولم يأذن بقراءته في أقل من شهر إلا لعبد اللـه بن عمرو ومن هو على مثل حاله، وليعلم حامل الدعوة أن حمل الدعوة واجب، في حين أن قراءة القرآن مندوبة، فلا يصح أن يجعل قراءة القرآن تحول بينه وبين واجب حمل الدعوة، فما دام يستطيع حمل الدعوة فليحملها، حتى إذا لم يعد يستطيع مواصلة العمل لتعبٍ أو لظروفٍ طارئة فليقرأ القرآن في هذه الظروف والأحوال، وإن هو زاد على القراءة مرة في الشهر. ولكن على حامل الدعوة أن يحرص على قراءة ما تيسر له من القرآن كل يوم ولو أقل من جزء في اليوم، ولو أقلّ من حزب في اليوم، والحزب نصف الجزء، ولا ينبغي له أن يهمل قراءة القرآن بالكلية، وإذا قرأ القرآن قرأه مرتلاً، والترتيل هو التمهل في القراءة وتفريق الحروف وإعطاؤها حقها من النطق، فالقرآن يقرأ بالمد وعلى تمهّل، فعن قتادة قال: «سئل أنس كيف كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فقال كانت مداً ثم قرأ بسم اللـه الرحمن الرحيم يمدّ بسم اللـه ويمد بالرحمن ويمد بالرحيم» رواه البخاري وأبو داود. واللـه سبحانه قد أمر نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يتمهّل في القراءة فقال في سورة الإسراء: (وقرآناً فَرَقْناه لتقرأه على الناس على مُكْثٍ ونزّلناه تنزيلاً) وأمره بترتيل القرآن فنحن مأمورون باتّباعه فيه، فقال في سورة المزّمّل: (…ورتل القرآن ترتيلاً). والأصل في حامل الدعوة أن يداوم على قراءة القرآن وترتيله، بحيث لا يمرّ عليه يوم إلا وقرأ شيئاً من القرآن، حتى إذا ختمه افتتح القراءة بسورة الفاتحة من جديد، وهكذا كلما ختم ختمة استأنف القراءة، فعن زرارة بن أبي أوفى «أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي العمل أفضل، قال الحالّ المرتحِل،  قيل وما الحالّ المرتحل، قال صاحب القرآن يضرب من أوّل القرآن إلى آخره ومن آخره إلى أوله كلما حلّ ارتحل» رواه الدارمي، وروى الترمذي صدره فقط، فإن فعل ذلك فصار ماهراً في القراءة لطول اشتغاله بها نال مكانة عالية كريمة، فعن عائشة قالت قال رسول اللـه صلى الله عليه وسلم: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ وهو يشتد عليه له أجران» رواه البخاري ومسلم وابن ماجة والنسائي والترمذي وأحمد، والسَّفَرة هم الملائكة الكتبة في اللوح المحفوظ، يكون الماهر بقراءة القرآن معهم. لهذا لا يصح بعد الوقوف على هذه المنزلة أن يغفل حامل الدعوة عن النصَب والدأب ليحصلها، وهو الحريص على كل خير والساعي لكل فضل.

إن القرآن مائة وأربع عشرة سورة تضمّ نيفاً وسـتـة آلاف آيـة تضـم نـّـفاً وثلاثمائة ألف حرف، فإذا عرفنا أن قراءة كل حرف من القرآن تعدل حسنة وربما ضوعفت الحسنة إلى عشر أمثالها علمنا كم من الحسنات ينال قارئ القرآن بقراءته له، فاندفعنا من ثَمّ إلى قراءة القرآن كلما تيسّر لنا ذلك، وحرصنا على عدم تفويت هذا الخير العميم، فعن عبد اللـه بن مسعود قال قال رسول اللـه صلى الله عليه وسلم: «من قرأ حرفاً من كتاب اللـه فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف ولكن الف حرف ولام حرف وميم حرف» رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح غريب، ورواه ابن أبي شيبة.

إن الأصل والأجدر بالمسلم أن يقرأ كتاب اللـه وهو حاضر الذهن، يعي ويفقه ما يقرأ، ولْيعلم وهو يقرأ أن كلام اللـه يجري على لسانه، فلا يليق بمن هذا حاله أن يقرأ وهو شارد الذهن مشغولاً عنه بغيره، فإن أبى إلا الانشغال بغيره عنه فليقطع قراءته، ولينصرف إلى حاجته، ولا يعود إلى القراءة إلا بعد أن يحصر ذهنه فيما يقرأ، فإذا مرّ بآية رحمة سأل ربه أن يرحمه ويرحم المسلمين، وإذا مرّ بآية فيها عذاب تعوّذ باللـه من عذاب اللـه، وإذا مرّ بآية فيها تنزيه للـه نزّه اللـه وسبّح، وهكذا يبقى متفاعلاً مع القراءة منغمساً فيها مشغولاً بها عما عداها، فعن حذيفة بن اليمان «أن رسول اللـه صلى الله عليه وسلم كان إذا مرّ بآية رحمة سأل، وإذا مرّ بآية فيها عذاب تعوّذ، وإذا مرّ بآية فيها تنزيه للـه عزّ وجلّ سبّح» رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، فمثلاً إذا قرأ قوله تعالى في سورة البقرة: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر اللـه ألا إن نصر اللـه قريب) قال: اللـهم أنزل علينا نصرك، واجعله قريباً يا رب العالمين، وإذا قرأ قوله سبحانه في سورة المائدة: (وكلوا مما رزقكم اللـه حلالاً طيباً واتقوا اللـه الذي أنتم به مؤمنون) قال: اللـهم اجعل رزقي حلالاً طيباً واجعلني من المتقين، وإذا قرأ قوله جلّ جلاله في سورة الشورى: (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون) دعا اللـه قائلاً: اللـهم إني تبت إليك فاقبل توبتي واعف عني، وإذا قرأ قوله عز وجل في سورة ق: (فاصبر على ما يقولون وسبّح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب) قال: سبحان اللـه وبحمده سبحان اللـه العظيم، وهكذا .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *