العدد 119 - السنة الحادية عشرة – ذو الحجة 1417هـ – نيسان 1997م

المسـلمـون والغــرب (1)

المسـلمـون والغــرب

(1)

بقلم: أحمد المحمود

لقد كثرت الطروحات التي تريد إخراج المسلمين مما هم فيه، وتعددت الآراء والنظريات. وكلها تدّعي أنها الترياق، وأن فيها الشفاء، فوجدت شعارات شرعية معينة جُعلت شعارات للمرحلة الراهنة من مثل: تجديد أمر الدين، والطائفة المنصورة، والفرقة الناجية، والطائفة الظاهرة، وأهل السنة والجماعة… وكثرت الأفكار التي يريد مَنْ وراءها أن تكون أصولاً فكرية للصحوة أو لعملية التجديد من مثل: فقه الموازنات، وفقه الأولويات، وفقه المقاصد، وفقه الضرورة، وفقه التيسير، وفقه الواقع، وفقه الاختلاف، وفقه المرحلة…. والباب مفتوح. وكثر الكلام عن: الجمود، والتطور، والتحديث، والمرونة، والاعتدال، والتطرف، والإرهاب، والأصولية…

وبعبارة موجزة: فإن عنوان العمل الإسلامي للمرحلة الراهنة هو: التجديد وما يتطلبه من أعمال شرعية تحققه.

والغرب، عدوُّ المسلمين اللدودُ، لم يكن بعيداً عن واقع المسلمين، وكيف يكون بعيداً والأمور كلها بيده؟ فهو يخشى أكثر من غيره أن تنقلب عليه هذه الأمور، وتفلت من يديه. إنه المستفيد الأول من بقائها، والمتضرر الأول من تغييرها. لذلك رأينا الغرب، وعلى رأسه أميركا، يقحم نفسه في موضوع العمل الإسلامي، ويتدخّل، بكل صفاقة ووقاحة، في مسيرة العمل الإسلامي. فقد دعا مفكريه إلى التفكير على ضوء المستجدات والمتغيرات، والخلوص إلى الأفكار التي من شأنها أن تبقي كل شيء بيده، وإن تغيرت الأشكال والمظاهر. فلا ضرر عليه طالما أن الأمور ستبقى بيده. ويظهر من كثير من تصرفاته، وتصرفات عملائه أنه قد وضع خطته، وهو ماضٍ في تنفيذها، يعاونه فيها أتباعه من الحكام و(العلماء!) والحركات والمثقفين… فكلمات: الأصولية، والتطرف، والإرهاب، والجمود، والظلامية، والأفكار الهمجية… كلها أفكار من مخترعاته وسمومه، يحارب بها من يريد إعادة الإسلام إلى واقع الحياة، وإقامة خلافة راشدة تكون على منهاج النبوة. ويصف بالاعتدال، والاتزان، والتنوّر، والانفتاح، والمرونة… من يريد أن يبقي الأمور على حالها مع إجراء بعض التغييرات التي تنال القشرة ولا تنفذ إلى اللب.

فما هو واقع الأمة؟ وأين تقف الأمة من هذا الواقع، ومن هذه الطروحات؟

فبالنسبة لواقع الأمة: إنه من المسلّم به أن الأمة الإسلامية تريد العودة إلى إسلامها، ولكنها لا تستطيع أن تدرك الإسلام ذلك الإدراك الذي يجعلها تعرف طريق العودة إلى اللـه بنفسها. فلا بد لها من حركات إسلامية مخلصة واعية تلتزم بالإسلام وتدعو إلى اللـه على بصيرة، أو علماء مسلمين مخلصين واعين نذروا أنفسهم لخدمة هذا الدين والنصح للمسلمين، حركات وعلماء مشهود لهم بنصاعة السيرة، ونظافة الكف، وصدق اللسان، وحسن القصد…

وبالنسبة للواقع الذي تعيشه: صحيح أن الأمة لا تستطيع إدراك الحكم الشرعي المتعلق بعملية التغيير، ولكنها تستطيع أن تمـيّـز بين حكم شرعي وآخر أيهما أقوى، وتستطيع أن ترجح الطرح الصحيح على غيره، وتستطيع أن تعرف المخلص من غير المخلص، والواعي من غير الواعي، وتستطيع أن تختار الطرح الصحيح، والجماعة القائمة به وعليه.

ولا يتأتى للأمة هذا التمييز، وهذا الترجيح، وهذا الاختيار، من الحكم على الحكم الشرعي نفسه بل تستطيعه من اعتبارات خارجة عن الحكم الشرعي ولكنها متعلقة به.

فالأمة مخلصة، وتتناغم مع المخلص. فهي تصغي لمن قال كلمته الصادقة في وقتها، ثم لم تصدقه، ولكنها بعد أن تلظت بنار ما حذّرها منه، تبين لها أنها كانت على خطأ، وهو على صواب، وتبين لها أنه كان يريد الحق ولا يريد إرضاءها على حساب الحق…. وهي تصغي لمن حمل الدعوة مخلصاً، ولم تعهد عليه المراوغة ولا المحاباة ولا الرضا بأنصاف الحلول وأرباعها…. وهي تصغي لمن يقرأ لها الواقع على حقيقته فتشعر من كلامه أنها قد عرفت الداء…. وهي تصغي لمن يصف لها الدواء الشافي فيعيد إليها الثقة بطروحاته، ويشعرها بعزتها وعزة دينها وحقارة أعدائها…. وهي تصغي لمن يدعوها من غير أن يطلب منها جزاءً أو شكورا…. وهي تصغي لمن يبعد عن دعوته المصلحة الشخصية فلا يُرى عليه تحسن الأحوال على حساب الدعوة…. وهي تصغي لمن بدعوته الجريئة تعاديه الأنظمة المكروهة جداً، ويعاديها…. وهي تصغي لمن يزجّ في السجن جزاء دعوته أو يعذب أو يلاحق…. وهي تصغي لمن بدعوته يريد أن يعيدها، حقاً لا ادعاءاً، إلى سيرة السلف الصالح العطرة………

وهي لا تصغي لمن ورّط الأمة في مشاكله، لا في مشاكل الدعوة…. وهي لا تصغي لمن يبيع دينه بعرض من الدنيا…. وهي لا تصغي لمن يلتقي مع أعدائها على أرض واحدة، مهما ضؤلت، بدعوى أنه يؤثر عليهم في حين أنهم هم الذين يؤثرون فيه…. وهي لا تصغي لمن يغير طروحاته التي يدعي أنها الحق تحت ضغط الواقع ومطارق الحكام…. وهي لا تصغي لمن يقول شيئاً ثم يفعل شيئاً آخر…. وهي لا تصغي لمن يتلون في دعوته فيلبس لكل حالة لبوسها…. وهي لا تصغي لمن يؤوّل القرآن والأحاديث تأويلات بعيدة عن الحق، فيحل ما يحرمانه، أو يحرم ما يحلاّنه تحت حجة المصلحة أو تغير الزمان والمكان، أو أية حجة أخرى……..

فالأمة حددت هدفها، وراحت تحكم من خلاله، وصارت تخفض وترفع بناء عليه، وأصبحت الأمة موجودة بعد أن كانت غائبة بل مغيّبة. وهذا ما جعل الجميع يطلق على الأمة بأنها في حال من الصحوة. ومن هنا صار الجميع يعمل حساباً لها ويتنبّه لوجودها، ويحاول أن يؤثر فيها، ويظهر أمامها بأنه يريد مصلحتها، ومن ثم يحاول أن يحركها لمصلحته…

هذه الأمة على هذه الحال، كثرت أمامها الطروحات التي تريد التجديد: منها السمين ومنها الغَثُّ الذي لا يسمن ولا يغني من جوع. منها الصادق ومنها الذي تَلبَّس بلبوس الإسلام. منها الجزئي ومنها الكلي. منها الجذري المبدئي ومنها الواقعي المنهجي. منها المتأثر بالواقع، والظروف والمصلحة ومنها الشرعي الملتزم بالنصوص ودلالاتها. منها العميل المرتبط الواضح بارتباطه، ومنها المخلص غير الواعي، ومنها الواعي غير المخلص، ومنها المخلص الواعي…

نعم، إن الأمة وصلت إلى حالة من النضج في الحكم على هذه الطروحات بحيث أن كثرتها لم تعد تضيعها على نفس الدرجة التي كانت في السابق، بل صارت تملك القدرة بشكل أفضل على إسقاط بعضها، وقد تحتاج لبعض الوقت لإسقاط البعض الآخر، ولكنها في النهاية ستشير بوصلتها باتجاه العمل الصحيح، وباتجاه القائمين به. ونحن نقتنع بأن الأمة، مع الوقت، تتحصن ضد الغرب، وضد الطروحات المتلائمة معه، وسيعينها ذلك في القيام بدورها المنشود والمنتظر.

وتأتي كتابتنا هذه لتساهم، إن شاء اللـه، بتسديد الفكر، واستقامة الطريق، وتقويم العمل، وترشيد الصحوة الإسلامية، ولتساعد الأمة في معرفة الحق والخروج من هذا الواقع بالشكل الذي يرضي اللـه وعباده، ولتوفر على الأمة عناء الاختيار والترجيح لمصلحة العمل الصادق.

فأيٌّ من هذه الطروحات يجب أن يمكث في الأرض؟ وأيٌّ منها يجب أن يذهبَ جُفاءً كغثاء السيل؟

الواقع الذي تعيشه الأمة:

والآن ما هو الواقع الذي استوجب مثل هذه الشعارات والطروحات؟

إن الواقع الأليم الذي يصطلي المسلمون بناره اليوم، وكثرة ما ألم بهم من خطوب، وما مر بهم من أحوال عصيبة، وما واجهوه من صدود عن دين اللـه، وما حاق بهم من مكر وكيد، وما أصابهم من ذل وهوان… جعلهم يؤوبون من جديد إلى دينهم، ويرون فيه ملاذهم وخلاصهم. فقد كفروا بالغرب وعملائه من الحكام والمثقفين، وأعرضوا عن الأفكار الدخيلة التي شرذمت الأمة وجعلتها دولاً تحارب وتعادي بعضها، دولاً ترتمي في أحضان أعدائها من غير ما مراعاة لحق اللـه والمسلمين…

لقد أعادت المعيشة الضنكُ المسلمين إلى اللـه من جديد، وصار الإسلام هو الحل لديهم، وصاروا يسألون عن الحكم الشرعي في كثير من مسائل حياتهم، وصارت نفوسهم تتوق إلى العودة الكاملة إلى الإسلام، إنْ على الصعيد الفردي، أم على صعيد الدولة.

فكيف تكون هذه العودة؟

وأيٌّ من هذه الطروحات أو القناعات الفكرية لازمٌ لمثل هذه المرحلة والتي يجب العمل على غرسها في نفوس المسلمين؟

وما هو سبيل العودة إلى اللـه على بصيرة للخروج من هذا الواقع السيء إلى الواقع الذي يرضى عنه رب العالمين؟

وما هو صراط اللـه المستقيم الذي يجب اتباعه، والابتعاد عن السبل حتى لا تتفرق سبيل المسلمين عن سبيل اللـه؟

وبعبارة موجزة: ما هو سبيل الرشد ليتخذه المسلمون سبيلاً؟

نعم، لهذا الواقع أتت مختلف الطروحات من مختلف الجهات ذات المصلحة وذات العلاقة  بالواقع.

موقف الغرب من الإسلام:

لقد كانت للمسلمين طروحات متعددة، منها ما هو قائم على الإسلام، ومنها ما ليس كذلك.. وكان للغرب، وعلى رأسه أميركا، جماعاته، وعلماؤه، وأنظمته. وهؤلاء كان لهم طرح إسلامي يتوافق تماماً مع مصلحة الغرب وأفكاره ووجهة نظره. وقد ألبسوا طرحهم لبوس الإسلام، وليس هو من الإسلام في شيء. وعلينا أن نعرف ما هي مصلحة الغرب، وما هي سياسته الدائمة نحو المنطقة والمسلمين لكي نفهم لماذا يحشر أنفه في أمور المسلمين، ولماذا يدفع الصحوة الإسلامية إلى الهاوية.

فالغرب له مصلحة دائمة وبالتالي سياسة واحدة تجاه المسلمين وتجاه المنطقة. فالاختلاف الفكري الذي يصل إلى حد التناقض يجعل الغرب لا يطمئن إلى واقعه ومستقبله إلا بالقضاء على الإسلام من النفوس، وإزالته من واقع الحياة… إنها سياسة أصبحت واضحة الأهداف وإن كانت مختلفة الوسائل والأساليب والأشكال.

والغرب النصراني منذ اعتناقه الفكر الرأسمالي أضاف إلى عدائه للمسلمين عداءً جديداً. فعداء الغرب للمسلمين له أصوله الفكرية الضاربة الجذور، وله صوره وأحكامه المنبثقة عن هذه الأصول والتي تختلف في معظمها باختلاف أساسها.

وباسـتـعـراض موقـف الغـرب مـن الإســلام والمسلمين، وخاصة بعد اعتناقه للفكر الرأسمالي تتضح صورة العلاقة معه جيداً، وتبنى النظرة على حقائق لا على أوهام، وتقوم الحجة على مريديه، فلا يعذرون بعدها في طروحاتهم الإسلامية، بل في طروحاته، وتنكشف أمام المسلمين صورة الذئب بعد أن يُجرّد من جلد الحمل.

إن الغرب يملك نظرة شاملة عن الإسلام، وعن الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها في الأرض، وعن دولته منذ قيامها: على ماذا قامت، وما الذي حققته، وما هي الإمكانيات التي تمتلكها من إيديولوجية ومادية وبشرية ومواقع استراتيجية، ما يجعلها تمثل الخطر الأكبر عليه. إن الغرب يعلم علماؤه ومفكروه ومستشرقوه خطر الإسلام وما يأمر به. يعلم أن ما يقوله بعض علماء المسلمين، وما تطرحه بعض الحركات الإسلامية من أفكار مغلوطة، ومفاهيم خاطئة ليست إسلاماً، يعلم أفكار الإسلام وتاريخ المسلمين بل تاريخ الدولة الإسلامية تماماً، وما حققته على أرض الواقع. ومن دلائل ذلك أنهم يعرفون مَنْ مِنَ المسلمين يطرح الطرح الإسلامي الصحيح (الخطِر عليهم) فيعادونه، ومَنْ منهم لا يطرح الطرح الصحيح فيسهلون عمله. يعلمون أن الدولة الإسلامية هي من أهم متطلبات الإسلام، ويعلمون أن الجهاد هو من أوجب الواجبات على المسلمين، ويعلمون أن في الإسلام تشريعاً، ويعرفون خصائص هذا التشريع. ومَنْ يَقُلْ إن الغرب غافل عن هذا فهو مغفل أو متغافل.

إن الغرب هو اللاعب الأكبر في المنطقة، وبيده مقاليد أمورها. ولمعرفة حقيقة دوره، وسبر عمـق موقفه لا بد من الغوص في أعماق التاريخ، والعودة إلى بدايات العلاقات بينه وبين الـمسـلمـيـن، وكيـف تطـورت حتـى يومنا هذا. ونـحن عندما نعود إلى بدايات الأمـور، فإنـمـا نبدأ مـن النـقـطتة التي يـجـب أن ينـطلـق منـها البحـث للوعـي علـى حقيقة موقف الغرب.                           [ يتبع ]

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *