العدد 119 - السنة الحادية عشرة – ذو الحجة 1417هـ – نيسان 1997م

خطة أمريكا المسار الفلسطيني ليس قبل المسار السوري

خطة أمريكا

المسار الفلسطيني ليس قبل المسار السوري

بقلم: محمد موسى

احتلّ المسار السوري البند الأول والمساحة الأوسع في مباحثات كلينتون – نتانياهو، فكان القضية المركزية، وما عداه كان قضايا هامشية يمكن التباحث فيها من غير ما حاجة لزيارة. وللتدليل على مركزية الموضوع أعلن الناطق باسم البيت الأبيض، مايك ماكوري، قبيل اجتماع الرجلين بساعات إن المباحثات سوف تتركز على المسار السوري – الإسرائيلي من عملية السلام، وأشار إلى أن أمريكا تدرك أهمية المسار السوري من عملية السلام، وبيّن أن هناك حواراً مستمراً مع دمشق عَبْر قنوات مختلفة.

وينطلق الاهتمام الأمريكي بالمسار السوري من اعتبارات سياسية واستراتيجية ترى في الدور السوري في المنطقة دوراً مركزياً وحيوياً، وترى أن تحجيم إسرائيل يحول دون أن تصبح إسرائيل دولة إقليمية كبرى تنافس أمريكا على النفوذ في المنطقة. من أجل هذا اشترطت أمريكا لدى انطلاق مفاوضات الصلح في مدريد وواشنطن على المسارات جميعها أن يتحقق الصلح الشامل بين أطراف النزاع فيما يسمى قضية الشرق الأوسط ومنها القضية الفلسطينية. وحتى يتحقق الصلح الشامل اشترطت أمريكا أن يكون التوقيع على اتفاقيات الصلح على المسارات المختلفة متزامناً، فلا يعقد صلح على مسار قبل المسارات الأخرى، بل إنها أبدت رغبة في أن يكون التقدم متوازياً. ونظراً لقلة القضايا الخلافية أو مواضيع البحث بين الأردن وإسرائيل توصل الطرفان إلى اتفاق إعلان مبادئ في فترة زمنية قياسية مما دفع أمريكا إلى تجميد المفاوضات على هذا المسار بجعلها تراوح مكانها انتظاراً لإحراز تقدم موازٍ على المسارين السوري والفلسطيني. ولما أخذت المفاوضات على المسار الفلسطيني تحرز تقدماً مضطرداً عمدت أمريكا إلى عرقلتها وتعقيدها انتظاراً لتقدم موازٍ على المسار السوري. وأمام هذه العرقلة عمد الفلسطينيون والإسرائيليون إلى مفاوضات سرية تمخضت عن اتفاق أوسلو. فتح اتفاق أوسلو الباب على مصراعيه أمام الأردن فكان اتفاق واشنطن لإعلان إنهاء حالة الحرب بين البلدين ثم إلى صلح وادي عربة فيما بعد. أوجد هذان الاتفاقان مأزقاً للسياسة الأمريكية وللمسار السوري. وللخروج من هذا المأزق استدعى الرئيس كلينتون إسحق رابين لزيارة واشنطن في شهر كانون ثاني 94 وأغدق عليه الوعود بجَزَر كثير إن هو وافق على الانسحاب الكامل من الجولان. وهكذا كان إذ أعطى رابين موافقة مبدئية إن تحققت شروط منها موافقة الكنيست أو موافقة شعبية باستفتاء عام، أي أنه رهن إرادته بإرادة غيره. وسواء كانت الموافقة حقيقية أو افتراضية، فإن الانسحاب الكامل من الجولان أصبح أمراً ممكناً بل وأصبح موضع بحث. لكن اغتيال إسحق رابين وجّه ضربة جديدة للمسار السوري. فمن جهة توارى عن المسرح الرجل الذي وعد بالانسحاب من الجولان، ومن جهة أخرى كشفت عملية الاغتيال عن تحول في الرأي العام اليهودي نحو اليمين ونحو التشدد مما يعيق أية تنازلات يهودية. وقد أعطى شمعون بيريز موافقة مبهمة على السير على خطا رابين في مسألة الجولان مما جعل أمريكا ترنو إلى فوزه في الانتخابات. لكن المسار السوري تعرض لضربة أخرى جديدة عندما فاز نتانياهو وأحزاب اليمين والأحزاب الدينية المتشددة، فوصل إلى الحكم وإلى الكنيست رئيس وزراء وأغلبية تعارض الانسحاب الكامل من الجولان. أنذرت هذه التطورات المتلاحقة باستثناء سوريا من عملية الصلح، على الأقل ما دام حزب الليكود وشركاؤه في الحكم، كما أوجد همّاً أمريكياً واحتمالاً لتعرض سوريا لعدوان عسكري إسرائيلي. ولمواجهة هذه التطورات دعا الرئيسان السوري والمصري من دمشق إلى مؤتمر قمة عربي. أوجد مؤتمر القمة توافقاً عربياً ظاهرياً بين الدول العربية، لكن عمليات الهرولة والتطبيع، من قِبل عملاء بريطانيا بقيت تشق طريقها إما بخطا أبطأ، وإما سراً أي علناً وسراً. وهذا التطبيع عزز احتمالات استثناء سوريا من عملية الصلح.

وحتى تكمل إسرائيل عزل سوريا، وللتخلص من استنزاف جنودها المستمر في جنوب لبنان طرحت المفاوضات مع لبنان تحت شعار «لبنان أولاً». وكان وزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية جيرمي هانلي، كشف في مقابلة صحفية في شهر تموز الماضي أن بريطانيا تجري منذ بداية العام الماضي اتصالات سياسية مع الأطراف المعنية لتحقيق الانسحاب من جنوب لبنان. وقد وصف كريستوفر ذلك المشروع بأنه يهدف إلى عزل سوريا. أما الرئيس الأمريكي فقال إنه لا سلام في المنطقة بدون سوريا. ولا زال المشروع يراوح مكانه بعد أن رفضته كل من سوريا ولبنان وأمريكا. وتعمل أمريكا على إحباط هذا المسعى الإسرائيلي البريطاني. وقد عكس هذا الموقف قول سفير أمريكا في إسرائيل، مارتن أنديك، عشية سفر نتانياهو إلى واشنطن إن أمريكا لا تدعم في هذا الوقت انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان. ولما سئل كلينتون في مؤتمره الصحفي مع نتانياهو قال في إجابة طويلة ملتوية عن الانسحاب من جنوب لبنان «… لقد سمعنا رئيس الوزراء يتحدث عن المشاكل على الحدود. أعتقد أننا جميعاً نفهم أنه سيكون أسهل كثيراً إذا كان هناك اتفاق مع سوريا… ومن المحزن لنا أن نرى العلاقات بين إسرائيل ولبنان في الوضع التي هي فيه»، وأضاف أنه «يجب النظر إلى هذه المسألة على المدى الطويل. لقد تحدثنا عن هذا صراحة وأجرينا محادثات عدة في شأنها. ينبغي أن نقوم بما هو ممكن، وعلى إسرائيل أن تقوم بما تعتقد أنه ممكن. إذا صار ممكناً عقد اتفاق حقيقي وذي معنى فهل أؤيد ذلك؟ بالطبع أؤيده. وهل يكون الآن؟ لا أعتقد ذلك».

ولا يختلف موقف أمريكا من الانسحاب من جنوب لبنان عن موقفها من اتفاق 425 بين لبنان وإسرائيل الذي نص على انسحاب إسرائيل من لبنان. ففي آخر لحظة قبل التوقيع على الاتفاق أضاف وزير خارجية أمريكا، شولتز، بنداً بخط يده يشترط تزامن الانسحاب الإسرائيلي مع الانسحاب السوري. ولما لم يكن الانسحاب السوري في ذلك الوقت موضع بحث من قبل سوريا أو لبنان، فإن إضافة الشرط الأمريكي كان يعني إبقاء الجيش الإسرائيلي في المستنقع اللبناني نهباً للاستنزاف العسكري والمعنوي.

ويشكل الموقفان السوري والإسرائيلي في عهد الليكود خطين متوازيين لا لقاء بينهما. وبينما تصرّ سوريا على الانسحاب الكامل من الجولان، يصرّ نتانياهو على عدم الانسحاب الكامل. ومما يزيد الوضع تعقيداً وجود أكثرية في الكنيست وأكثرية شعبية تعارض الانسحاب الكامل من الجولان. وقد دل استطلاع للرأي أجري في شهر شباط الحالي أن 75% من اليهود يعارضون الانسحاب الكامل. لذلك فإن كل ما يطمع به كلينتون هو إيجاد صيغة لجمع الطرفين على طاولة المفاوضات للإبقاء على مفاوضات الصلح بين البلدين حيّة، ولإبعاد شبح الحرب.

أحبط اتفاقا أوسلو ووادي عربة المسعى الأمريكي للتوقيع المتزامن وجعلا السلام الشامل موضع شك. لكن أمريكا لم تيأس. من أجل هذا لا تتوقف أمريكا عند حد تعطيل الانسحاب من جنوب لبنان، وإنما تتعداه لتعطيل السير في حل القضية الفلسطينية قبل الحل على المسار السوري. فحلّ القضية الفلسطينية يعطي إسرائيل بُعداً محلياً، وبُعداً إقليمياً وبُعداً دولياً. ويتمثل البُعد المحلي بتحقيق الأمن والاستقرار إذ تنتهي المخاوف من قيام انتفاضة جديدة أو من أعمال انتقامية فلسطينية. وتراهن أمريكا على المقاومة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية لاستنزاف التعنت الإسرائيلي عسكرياً ومعنوياً. ويتمثل البعد الإقليمي باتساع دائرة الاعتراف العربي بالكيان اليهودي والتطبيع معه فتنتهي قضية الشرق الأوسط كما انتهت القضية الفلسطينية. ومن شأن هذا أن يكرّس استثناء سورية من عملية السلام ويجعل من قضية الجولان قضية خاصة بين بلدين عوضاً عن أن تكون جزءاً من قضية تسمى بقضية الشرق الأوسط. أما البعد الدولي فيتمثل بانتهاء عزلة نتانياهو وانتهاء تعرّضه للضغط والنقد. وحتى لا يتحقق ذلك ستعمد أمريكا إلى عرقلة المفاوضات الإسرائيلية – الفلسطينية كلما أوشكت أن تحقق تقدماً.

بدت العرقلة الأمريكية واضحة في المفاوضات على الخليل. فقد مارست أمريكا في تلك المفاوضات حراسة مشددة ودائمة على طرفيها، فلم تكلهما لنفسيهما طرفة عين، كما مارست مع مصر دورين متكاملين. فبينما كانت أمريكا تدفع اليهود للتشدد، كانت مصر تدفع الفلسطينيين للتشدد لتبقى الهوة بين الطرفين واسعة. وقد أدت هذه السياسة إلى تبادل الاتهامات من قبل الأطراف المعنية، فوصف رئيس السلطة الفلسطينية، عرفات، المبعوث الأمريكي، دينيس روس بالانحياز إلى إسرائيل وطلب تغييره، بينما اتهم نتانياهو مصر بتحريض الفلسطينيين على التعنت. أما وزير خارجية مصر، عمرو موسى، فقد نعت محمود عباس أمام عرفات بأقذع الأوصاف لأنه كان يتفلت من الضغوط لإحراز اتفاق سري مع اليهود على غرار أوسلو. كما نُقل أن الرئيس مبارك اتصل بعرفات طالباً منه عدم التوقيع على اتفاق الخليل. لذلك لم يكن غريباً أن يشعر الرئيس المصري بالخيبة عندما نجح الملك حسين في دفع الطرفين لتوقيع الاتفاق. واتفاق الخليل يعتبر تعزيزاً للدور الأردني وثلماً للدور المصري – الذي يحرص حكام مصر على تكريسه. ومعلوم أن حرب الأدوار بين الدول العربية أخذت في التبلور منذ حرب الخليج الثانية وأخذت في التكرّس مع بدايات الصلح.

دشنت أمريكا عملية زرع الألغام في مرحلة ما بعد الخليل برسالة تطمينات ضمنتها إعطاء إسرائيل وحدها الحق في تحديد عمق انتشار جيشها في منطقة ب، وتحديد المراكز الحيوية التي يتمركز فيها. ومن شأن هذا الحق أن يعرقل المفاوضات الإسرائيلية – الفلسطينية في كل خطوة قادمة يتفاوض الطرفان عليها وتوجد مأزقاً كمأزق الخليل. وإذا ما تحقق المأزق فسيجر إلى مآزق جديدة في مسيرة التطبيع والهرولة، وستتولد ظروف مواتية لانتفاضة جديدة أو أعمال انتقامية. وتأمل أمريكا في أن تؤدي انتفاضة فلسطينية جديدة مع الاستنزاف القائم في جنوب لبنان إلى احتواء إسرائيل وإقناع اليهود أن الأمن لا يتحقق إلا بالسلام الشامل، وأن السلام الشامل هو أقصر السبل وأنجعها لتحقيق الأمن.

أدرك الرئيس السوري، حافظ الأسد، الباب الذي سيفتحه اتفاق الخليل أمام المهرولين والمطبعين، وما سيجره ذلك من انعكاسات سلبية على المسار السوري، فأوفد كبار مساعديه في جولات على الدول العربية لحثها على دعم الموقف السوري وعدم الانغماس في مستنقع التطبيع قبل أن تحقق سوريا صلحاً يعيد لها الجولان كاملة، ولجسّ نبض تلك الدول في عقد قمة عربية جديدة لرص الصف العربي وراء الموقف السوري.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *