العدد 182 -

السنة السادسة عشرة – ربيع الأول 1423هـ – أيار وحزيران 2002م

قضية فلسطين والتضليل حولها

قضية فلسطين والتضليل حولها

يعتبر ضياع فلسطين من الأمة واستيلاء اليهود عليها بعد قتل وتشريد وإجلاء الشعب الفلسطيني منها من أكبر الكوارث التي تعرضت لها الأمة بعد سقوط الخلافة الإسلامية التي على هزالها في أواخر العهد العثماني استطاعت أن تقف سداً منيعاً أمام مخططات الصهيونية العالمية ومن ورائها الغرب الكافر للاستيلاء على فلسطين… ولقد قدمت الأمة الإسلامية على مدار نصف قرن تضحيات كبيرة وأعداداً ضخمة من الشهداء ما لم تقدمه في أهم قضية مصيرية لها ألا وهي عودة الحكم بالإسلام بإعادة الخلافة التي هدمها اليهودي الكافر مصطفى كمال بمعونة الإنجليز. ولقد عانت الأمة ما عانته من تضليل وخداع في هذه القضية ما لم تتعرض لتضليل مثله في غيرها من القضايا، بدءاً من التسميات وانخداعاً بزعامات زائفة تبنتها الأمة وسارت خلفها عقوداً طويلة، ثم ما لبثت أن أدركت الأمة بعد فوات الأوان أنها قد خُدعت.

=======================================

          ضُللت الأمة في التسميات عندما رددت ما رددته وسائل الإعلام في العالم ومن خلفها وسائل الإعلام في العالم العربي عن مشكلة «الصراع العربي – الإسرائيلي» وكأن القضية هي قضية تخص العرب وحدهم في مواجهة اليهود. ثم يتسع حجم التضليل فتتقزم قضية «الصراع العربي – الإسرائيلي» إلى «القضية الفلسطينية» التي تقزمت إلى حد المطالبة بالأراضي التي احتلت سنة 1967م. برغم أن ما يسمى بمنظمة التحرير الفلسطينية التي ساهم العرب في إنشائها في مؤتمر القمة العربي في القاهرة سنة 1964، أنشئت لتحرير فلسطين أي الأراضي التي احتلها اليهود سنة 1948، ويومها نبه المخلصون في الأمة على خطورة هذه المؤامرة التي ما هي إلا خطوة من سلسلة خطوات ستنتهي بتسليم فلسطين وليس لتحريرها.

          إن الذي يجب أن يدركه المسلمون اليوم أن قضية فلسطين ليست هي استجداء يهود في جزء من فلسطين تقام عليها دولة للفلسطينيين بعاصمة لها في جزء من القدس أو أطراف القدس، ولا هي في البحث في كيفية إيواء اللاجئين وتوزيعهم وكم يدخل إلى كيان يهود وتحت سلطانهم وكم يدخل إلى دولة السلطة ولا في البحث في السلطة التي تُعطى لهذه الدولة الناشئة أهي كاملة أم ناقصة أم فوق الناقصة، إن هذا كله ليس القضية ولا ينبغي أن يكون، بل إن القضية هي بلد إسلامي احتله عدو كافر حاقد أشد الناس عداوة للمؤمنين، لا حل لها إلا بالقضاء على هذا العدو اليهودي الكافر واجتثاث كيانه من جذوره، ومن ثم تعود فلسطين كاملة إلى ديار الإسلام، ويعود أهلها إليها مستظلين براية  لا إله إلا الله  محمد رسول الله  كما استظلوا بها عندما فتحها عمر رضي الله عنه وعندما حررها صلاح الدين من رجس الصليبيين وأعادها إلى ديار الإسلام.

          هذا هو الحل وهو ليس صعب المنال لولا هؤلاء الحكام العملاء الذين نصبهم المستعمر الكافر على رقاب المسلمين، يمنعون الجيوش من قتال يهود بل ويحرسون أمن كيانه، ويقومون هم والسلطة بالاعتراف بكيان يهود الغاصب لفلسطين، وتقزيم قضية فلسطين إلى مفاوضة يهود على جزء مما اغتصبه لعله يعيد جزءاً منه مهما كان واقع السيادة على هذا الجزء المستجدى من يهود.

          ليس هذا فحسب بل إنهم – الحكام والسلطة – يستغلون دماء الأبطال الذين يستشهدون في عملياتهم الاستشهادية ضد يهود، يستغلونها مدخلاً للتفاوض مع يهود والجلوس معه أذلاء له خانعين مستسلمين، دون أن يعبأوا بدماء المسلمين الزكية الطاهرة التي سفكت في سبيل الله، فهي ليست دماءهم، بل هم على عروشهم آمنون لم يمسهم اليهود بسوء، تقدم لهم ضمانات الحفاظ على حياتهم وتأمين سلامتهم، ومن ثم يحرسون يهود ويمنعون الجيوش من قتالهم، ولولا هؤلاء الحراس لأمن اليهود لتغير الحال منذ زمن بعيد.

          لقد رأينا بأم العين أن الحاجز الذي يقف بين المسلمين وبين تحرير أرضهم في فلسطين ليس هو قوة الآلة العسكرية اليهودية فقد بان وانكشف عوارها وهزالها أمام صدور الأطفال العارية وأمام هذه الروح الاستشهادية التي تفجرت في الأمة. إن الذي يقف سداً منيعاً أمام استعادة فلسطين هو هؤلاء الحكام الذين يمنعون المسلمين من تلبية دعوة الجهاد والقتال والذين اختاروا «السلام» خياراً استراتيجياً… والذين لم يهتز لهم جفن وهم يرون دماء أبناء أمتهم – إن كانوا من هذه الأمة – تهدر وتنتهك مقدساتهم، وهم لم يكتفوا بأن يقفوا موقفاً سلبياً مما يجري، بل قاموا بقمع المظاهرات التي خرجت في بلاد المسلمين تندد بالمجازر التي يرتكبها جيش العدو في فلسطين، وتندد بهذا الصمت المخزي من هؤلاء النواطير التوافه الرويبضات.

          ولذلك فالمطلوب اليوم من المسلمين ومن أمامهم الحركات الإسلامية العمل بأقصى سرعة وبأقصى طاقة لإزالة هؤلاء الحكام وتنصيب خليفة للمسلمين يحكمهم بما أنزل الله ويخلصهم من هذا الذل الذي أنزله بهم هؤلاء اليهود أذل شعوب الأرض على الله بالتواطؤ مع حكام المسلمين.

          وعلى الأمة أن ترتقي إلى مستوى الحدث وتمتلك القدرة على الإدراك السياسي فلا تنخدع كما انخدعت من قبل بالألاعيب السياسية التي يحيكها الكفار، فتسير خلف زعامات زائفة أبرزها الكافر لهم لتجرهم إلى الهلاك والضياع، فهذا زعيم الأمة العربية وذاك الأخ المناضل وذاك القائد الشجاع مشروع الشهادة… وما هم إلا أدوات في يد الغرب الكافر انحطوا بالأمة إلى الحضيض وتركوها تضيع في خرافات النصر الزائف، وما هي إلا هزائم وراءها هزائم صوروها لها انتصارات باهرة تحت شعارات منحطة لم تدرك الأمة واقعها كالحرية والوحدة والاشتراكية…

          إن ما تقوم به (إسرائيل) اليوم في فلسطين هو محاولة لقتل روح الشهادة في هذه الأمة، تساندها أميركا التي تخشى أن تصطلي بنار هذه الروح. ولهذا فيجب أن تتنبه الأمة لتلك الأبواق المأجورة التي تستعملها أميركا للهجوم على العمليات الاستشهادية بوصفها بالانتحارية… أو بالقول بأن هذا هو ما يريده شارون أو غير ذلك من التبريرات التي يحاول بعض علماء السلاطين البحث عنها لثني الأمة عن استعمال هذا السلاح الفتاك الذي لا تمتلكه أمة من الأمم، بهذا الزخم الموجود في الأمة الإسلامية التي لو تعرضت أمة غيرها له لتخلت عن عقيدتها، وحتى عن كل ما يجعلها أمة واحدة. لكن الأمة الإسلامية قادرة بعون الله أن تكشف هؤلاء الأبواق وتفضحهم وإن كانوا من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا.

          (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون) [يوسف]

شريف عبد الله – مصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *