العدد 173 -

السنة الخامسة عشرة جمادى الآخرة 1422هـ – أيلول 2001م

الأسـواق المالية (2)

          وهذه التجمعات والمؤسسات يقوم عليها حفنة من القراصنة الخطرين، يدورون في حلبة الاقتصاد متكاتفين متعاضدين على اقتناص الفرائس، وإنزال البلاء والدمار في أية ساحة يحلون بها، ويتمكنون منها. فنجد أحدهم عضواً في مؤسسة، ومستشاراً في أخرى، ومديراً لثالثة، وشريكاً في رابعة، ومندوباً عن خامسة؛ وهكذا أيديهم متشابكة فكأنهم رجل واحد يتحرك بحركة واحدة ولمصلحة واحدة*.

          إن بناء الاقتصاد الرأسمالي بناء هرمي، يقوم على أرضية فكرية أنتجتها عقيدة فصل الدين عن الحياة، هذه الأرضية هي قاعدة الحريات العامة، فالحرية الاقتصادية هي الخط العريض، الذي أصبح أساساً لمختلف النظريات الاقتصادية، ابتداءً من آدم سميث وريكاردو إلى عمالقة المال الذين يمسكون اليوم بيد حديدية بأزمة مختلف القطاعات الاستثمارية، صناعية وتجارية، ومشاريع عمرانية وزراعية، كما يتحكمون في أسواق المال، يحركونها كما يشاءون، يتقنون فنون المضاربات في أسواق البورصات، هم صيادون مهرة يجيدون مطاردة الفرائس، ثم اقتناصها وامتصاص دمائها.

          وعندما وضع آدم سميث وريكاردو وغيرهما أسس النظريات الاقتصادية، تناولت هذه النظريات عقول مفكرة متخصصة في دنيا المال، وأخذت تطورها على أرض الواقع، ممتطية قوارب السياسة، فكانوا يكيفون الواقع السياسي كما تمليه مصلحة المال، وما تتطلبه حرية السوق، ولو أدى ذلك إلى حرب عالمية. وقد اتخذ الاستعمار طريقة تسهل لهم تحقيق ذلك، فنجحوا في ذلك إلى أبعد الحدود، وفرضوا السيطرة العسكرية، ثم استبدلوها بالسيطرة السياسية والاقتصادية والفكرية، فكان استعباد الشعوب، وإذلالها.

          كانت فترة ما بين الحربين، إلى نهاية الحرب الثانية، فترة مخاض، أنجبت عدة توائم، هذه التوائم كانت تشكل منهجاً معيناً أو مدرسة تخرج منها عمالقة المال أو قراصنة المال، الذين يتحكمون اليوم بمقدرات العالم بأسره.

          الحجم السياسي والعسكري للولايات المتحدة الأميركية، اقتضى وجود هذه التوائم، وفرضت أميركا الالتزام بقواعدها، والتقيد بشروطها، فلا يجوز الخروج عليها. ومن الذي تتملكه الجرأة ليتحداها؟

          حاول كارل ماركس وإنجلز تحدي أسس النظام الاقتصادي الرأسمالي، فوضع نظرياته الاشتراكية الخيالية، ثم جاء لينين وستالين، فحاولا كسر القيود وتجاوز الحدود التي وضعتها الرأسمالية، ولكن هيهات. فقاوم ستالين تأسيس صندوق النقد الدولي وباقي المؤسسات الاقتصادية، ولكن دون جدوى. وثبت العمالقة، ووجدت المؤسسات والتجمعات والنوادي والمؤتمرات الاقتصادية والمالية، وترعرع في ظلها عمالقة المال، وقراصنة المال، فكانوا هم المؤسسات بعينها.

          والآن،

          1 ـ  كيف تجري المضاربات المالية؟

          2 ـ  كيف تحدث الهزات في الأسواق المالية؟

          3 ـ  كيف يضرب اقتصاد دولة ما، وتصاب بالانهيار الاقتصادي؟

          4 ـ  كيف تعلن بعض المؤسسات إفلاسها؟

          هيكلية المال، والبناء الاقتصادي، وحركة الأسواق تقوم على تشابك بين عدة مؤسسات وتجمعات، تشكل كل واحدة منها ركيزة أساسية من ركائز هذا البناء الهرمي، الذي يبتدئ بصندوق النقد الدولي، ثم تأتي شركات المصارف الضخمة، سواء البنوك الفدرالية المركزية، أو البنوك الكبيرة المعتمدة، وكذلك التجمعات المالية كالنوادي المالية، وإدارات المؤسسات الاستثمارية.

          هذه الهيكلية الهرمية يقوم عليها أشخاص ذوو موهبة فذة في التخطيط لنصب الفخاخ بفتح أسواق للمال (بورصات) يقومون بمضاربات أي مزايدات تبتدئ من خط معين (مؤشر) فيرتفع الخط إذا شاءوا رفعه، وإلى حد يرون فيه التخمة، ثم يلجأون إلى لعبة مشروعة عندهم يفترضون عندها أمراً مباشراً أو غير مباشر، فينخفض سعر الفائدة عند أحد البنوك المعتبرة، أو يجري التخفيض في سعر عملة ما من عملات دول المجال، وفي الغالب يكون ذلك إما بإيعاز من صندوق النقد الدولي أو بتأثير منه. فتبتدئ الكارثة ويتعمق تأثيرها وتتسع وتتمدد، ويطال لهيبها مناطق عديدة، فتبتلع بضعة حيتان الملايين من الأسماك الصغيرة، وكأنها شريعة الغاب.

          وهكذا تتكون وتنعقد الأسواق على سلع أو خدمات وهمية، وتجري المضاربات والمزايدات فيها إما بإشارة باليد أو بمكالمة هاتفية، أو عبر فضائيات الإنترنت، وعلى مبالغ ضخمة تقدر بالمليارات.

          فهل هذه أسواق حقيقية؟ وما هي موجوداتها؟ إنها نوع من المقامرة الذكية الخادعة، إنها نوع من ممارسة البيع والشراء الوهمية، وعلى سلع وموجودات وهمية .

[يتبع]

ف. س.

ــــــــــــــ

* وقد بدت ظاهرة جديدة وهي دمج عدة مؤسسات في شركة واحدة لتكون أقوى على المنافسة التجارية والمالية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *