العدد 85 - السنة الثامنة ذو الحجة 1414هـ, أيار 1994م

التزاحم بين حمل الدعوة وكسب العيش، ومعنى الاستطاعة

السؤال 1: التزاحم بين حمل الدعوة وكسب العيش، ومعنى الاستطاعة

العمل لإقامة الخلافة الإسلامية والحكم بما أنزل الله هو الآن فرض عين على كل مسلم، والعمل لكسب ضرورات العيش فرض عين أيضاً. فإذا استطاع المسلم أن يقوم بالفرضين فبها. وإذا تزاحم الفرضان بحيث إذا قام بأحدهما تعطّل الآخر، فأيهما أولى بالتقديم؟

الجواب 1:

نعم العمل لإقامة الخلافة هو فرض عين الآن. هو في الأصل فرض كفائي ولكن الكفاية غير متحققة بالذين يعملون فتحول العمل إلى فرض عيني ويبقى كذلك حتى تحصل الكفاية ويتم إنجاز العمل وإقامة الخلافة والحكم بما أنزل الله. والعمل لكسب ضرورات العيش هو فرض أيضاً (قد يكون فرض كفاية إذا وُجِد من يكفي المرء ويصبح فرض عليه إذا لم يوجد من يقدم له ويكفيه ويكفي من يَعُول) وسنعتبر فرض العين.

إذا تزاحم فرض عيني مع فرض كفائي فإن الفرض العيني يُقدّم على الفرض الكفائي. أما إذا تزاحمت الفروض العينية فإن الشرع هو الذي يقدر أيها يُقدّم وأيها يؤخر وليس الأمر متروكاً لرغبة الشخص أو هواه. وحين نقول إن الشرع هو الذي يقرر فذلك يعني أن أهل العلم والاجتهاد هم القادرون على استنباط ذلك أو فهمه من الشرع. وقد يتم تقديم فرض ما على فرض آخر في ظرفٍ ما، ويتم تقديم الآخر على الأول في ظرف آخر، «فعن ابن مسعود قال: سألتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها. قلتُ ثم أيّ؟ قال: بِرُّ الوالدين. قلت ثم أيّ؟ قال: الجهاد في سبيل الله، حدثني بهنّ، ولو استزدته لزادني» [متفق عليه]. «وعن قتادة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-أنه قام فيهم فذكر لهم أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال» [رواه أحمد ومسلم والترمذي والنسائي]. «وعن أبي هريرة قال: سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قال: ثم ماذا؟ قال: ثم الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: ثم حَجٌّ مبرور» [متفق عليه]. ففي كل مرة كان النبي عليه وآله الصلاة والسلام يضع سُلّماً للأولويات مختلفاً عن الآخر، وهذا متعلقٌ بحال السائل وبحال الظرف الذي يسأل فيه.

ونعود إلى عقد المقارنة بين العمل لإقامة الخلافة والعمل لكسب ضرورات العيش. كلاهما فرض عين مطلوبٌ على الفور، وهذا قد يوجد التزاحم بينهما.

وكلاهما حددته الشريعة بالكليات وليس بالجزئيات، وهذا يوجد مجالاً للتوفيق ويخفف من التزاحم بينهما.

العيش له مراتب، فهناك عيش الرفاهية الزائدة، وهناك العيش بالمعروف، أي عيش المِثْل، وهناك عيش الضرورات وهو اقل من مستوى عيش المثل، أي هو المستوى الذي يحصل فيه المرء على الضرورات الأساسية للعيش فقط (هناك تفصيل لحاجات العيش الأساسية في كتاب «السياسة الاقتصادية المثلى» لعبد الرحمن المالكي يمكن الاطلاع عليه لمن أراد). تحصيل الحاجات الأساسية للعيش (أي ضرورات العيش) مقدم على العمل لإقامة الخلافة. والعمل لإقامة الخلافة مقدم على العمل لتحصيل العيش بالمعروف، وبالطبع مقدم على تحصيل عيش الرفاهية.

في الغالب يمكن التوفيق بين حمل الدعوة الإسلامية والعمل لإقامة الخلافة من جهة والعمل لكسب العيش من جهة أخرى، لأن العمل لكسب العيش هو غالباً بين الناس ومع الناس، وحامل الدعوة بحاجة أن يكون بين الناس، ومن خلال اتصاله الطبيعي بالناس يستطيع أن يعمل لإقامة الخلافة. وبذلك فإنه من الممكن العمل لكسب عيش المثل أو أحسن دون أن يعرقل ذلك حمل الدعوة الإسلامية.

وحين نقول بأن العمل لتحصيل ضرورات العيش مقدم على حمل الدعوة الإسلامية فهذا لا يُتصوّر أن يكون بشكل دائم. أي لا يصح أن يتوقف المسلم توقفاً كاملاً عن حمل الدعوة الإسلامية والعمل لإقامة الخلافة الإسلامية بحجة أنه يعمل، مثلاً، في وظيفة وظروف هذه الوظيفة لا تسمح له بمثل هذا العمل، وإلا فإنه يطرد من وظيفته. هذا لا يعتبر عذراً شرعياً أبداً، لأنه لو طُرد من وظيفته يستطيع أن يعمل في غيرها ولو كان يتوقع أن يكون المدخول أقل. فلا يحل لمسلم أن يترك فرضاً عينياً لمجرد احتمال أنه سيفقد ضرورات العيش.

والأصل في المسلم أن لا يرتبط بعمل إذا كان يرى أن هذا العمل سيمنعه من أداء الفرائض التي فرضها الله عليه، وإذا فعل فإنه يكون عاصياً وظالماً لنفسه وينطبق عليه قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 97] فالمسلم الذي يعيش في بلد أو يعمل في عمل يمنعه من أداء ما فرض الله، عليه أن يتركه دون تردد ويبحث عن بلد آخر أو عمل آخر.

أما إذا كان المسلم مرتبطاً بعقد عمل وهذا العمل لا يمنعه من حمل الدعوة، كموظف في متجر أو مدرّس في مدرسة، فإذا أراد ترك عمله في قوت دوامه فإن عليه أن يستأذن من صاحب العمل، فإنّ أَذِنَ له وإلا فلا يجوز لن ترك العمل إلا إذا كان الأمر مهماً جداً.

وقد جاءت أهمية العمل لكسب ضرورات العيش من جملة أمور منها:

1- قوله -صلى الله عليه وسلم-: «كفى بالمرء إثماً أن يضيّع من يقوت».

2- إذا أعسر الرجل وصار لا يستطيع تقديم النفقة لزوجته فإنها يحق لها أن تطلب منه الطلاق وجمهور الأئمة يقولون بأنه يحق للقاضي أن يجبره على طلاقها لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «امرأتك ممن تعول تقول: أطعمني وإلا فارقني، جاريتك تقول: أطعمني واستعملني، ولدك يقول: إلى من تتركني».

3- جاءت آيات القرآن الكريم تبيح للمسلم أكل المحرمات من ميتة أو خنزير أو خمر عند الاضطرار في المخمصة. وهذا يشير إلى أهمية حصول المسلم على ضرورات عيشه.

وبناء على ذلك جاء قولنا بأن العمل من أجل تحصيل ضرورات العيش مقدم على العمل لإقامة الخلافة عند التزاحم الجزئي. أما التزاحم الدائم الذي يعطل حمل الدعوة والعمل لإقامة الخلافة فهو غير وارد

السؤال 2:

قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}. وجاء في الحكم الشرعي أنه يجب على المسلم أن يعمل بأقصى طاقته لإقامة الخلافة الإسلامية. فكيف يتم تحديد الاستطاعة أو الطاقة عند الإنسان؟

الجواب 2:

كلمات (الاستطاعة)، (الطاقة)، (القدرة)، (الوُسْع)، قد تستعمل في اصطلاحات بعض علوم الطبيعة بمعان مختلفة، أما هنا في البحث الفقهي فهي تستعمل كمترادفات. والاستطاعة قد  تكون جسدية أو مالية أو فكرية. فحين تقول الآية الكريمة: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} فسّر جمهور الأئمة الاستطاعة هنا بالزاد والراحلة والقدرة على الثبات على ظهر الراحلة. وفي هذه الأيام يضاف إليها سماح السلطات الحاكمة التي صارت تشترط سناً معينة وتسمح لكل بلد بنسبة محددة. وحين يقول -صلى الله عليه وسلم-: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» فإن الاستطاعة هنا هي تأمين المهر والنفقة من مسكن وملبس ومأكل. وحين يقول -صلى الله عليه وسلم-: «ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم» أو حين يقول تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} أو حين نقول في الحكم الشرعي: يجب على المسلم أن يعمل لإقامة الخلافة بأقصى طاقته، فإن الاستطاعة أو الطاقة هنا تشمل جميع أنواع الاستطاعة من مالية وجسدية وفكرية. وهي كل ما يملكه من قدرات حقيقية.

وهنا لا بد أن نستبعد ما يسميه بعضهم بالاستطاعة النفسية. فقد يكون المرء يملك الزاد والراحلة والإذن الحكومي ولكن نفسه تبخل ببذلك نفقات الحج أي هو لا يملك الاستطاعة النفسية، فهذه لا يعترف الشرع الإسلامي بها. وقد يكون المرء قادراً على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من ناحية فكرية وبلاغية ومالية ولكنه جبان أي لا يملك الجرأة (الاستطاعة النفسية) وهذا لا عذر له شرعاً إن تقاعس بسبب جبنه.

ولذلك فالاستطاعة تحددها الإمكانات المتوفرة حقيقة عند الشخص، ولا عبرة بمدى الجبن أو مدى البخل أو الخجل أو التردد أو اليأس الذي قد يكون عند الإنسان   

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *