العدد 83 - السنة السابعة شوال 1414هـ, اذار 1994م

العمل لإقامة الخلافة الإسلامية فرض عين،بأقصى طاقة، وبأقصى سرعة

العمل لإقامة الدولة الإسلامية التي تحكم بما أنزل الله هو في الأصل فرض على الكفاية. ولكن بما أن الكفاية غير حاصلة بعمل الذين يعملون فإن الوجوب يتوسع حتى يعم كل مسلم. وهذا هو شأن كل فرضٍ من فروض الكفاية.

والدليل على فرضية العمل لإقامة الدولة الإسلامية هو دليل قطعي في ثبوته ودلالته. ولذلك فإن منكره كافر، أما من يقرّ به ويقصرّ في العمل فإنه عاص لله ورسوله. هذا الدليل هو النصوص التي جاءت تأمر بالتزام شريعة الإسلام والاحتكام إليها، وتنهي عن الاحتكام إلى غيرها، مثل قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا}، وقوله:      {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ}، وقوله: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ}، وقوله: {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ}، وقوله: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} …إلى غير ذلك من نصوص كثيرة. فالقسم الأكبر من أحكام الشريعة يتعطل من دون وجود دولة إسلامية. والأمة مسؤولة عن ذلك.

أما أن هذا العمل يجب أن يكون من كل مسلم بأقصى طاقته فهذا أيضاً قطعي الثبوت قطعي الدلالة منكره كافر، والمقصّر فيه عاص لله ورسوله. والدليل مأخوذ من النصوص التي جاءت تحتّم هذا المعنى، مثل قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ{ وقوله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا{. فحين يقول سبحانه: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا{ فهذا يعني أنه يكلفها وسعها، والوُسْعُ هو أقصى الطاقة وليس أدنى الطاقة أو أوسطها. وكذلك قوله سبحانه: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ{ أي بقدر كل استطاعتكم وليس بقدر نصفها أو ثلاثة أرباعها. وحين يرى المسلم المنكرات حوله عامّة وطامّة وهو مأمور بتغييرها بقدر استطاعته وليس بجزءٍ من استطاعته، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكراً فلغيره بيده، فن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع بقلبه وذلك أضعف الإيمان». وعبارة «فإن لم يستطع» تدل على أنه إذا استعمل أقصى استطاعته ولم يستطع.

وهنا يقع الخطأ من بعضهم في الفهم فيخلط بين العمل لإقامة الدولة الإسلامية وبين إقامتها مباشرة، فيقول: نحن لا نستطيع إسقاط النظام القائم لنقيم دولة الخلافة مكانه، وبما أننا لا نستطيع فنحن غير مكلفين بذلك لأن الله لا يكلف نفس إلا وسعها. وهذا الكلام ناتج إمّا عن جهل وإمّا عن خبث وتضليل. ولتبديد هذا الخطأ نقول: إذا كانت الجماعة التي تعمل لإقامة الخلافة تستطيع إقامتها فوراً فلا يجوز لها الإبطاء. وإذا كانت لا تستطيع ذلك فوراً فإن عليها أن تعمل وتهيئ وتزيد من قوتها لإنجاز هذا العمل ولو بعد حين. فالذي لا يستطيع إنجاز الغرض فوراً يجب عليه أن يعمل بأقصى طاقته لإنجازه حين يستطيع.

ثم لماذا نقول: لا نستطيع؟ فهذا الأمر ليس مطلوباً من شخص واحدٍ فقط، وليس مطلوباً من حزب واحدٍ فقط، وليس مطلوباً من جماعة واحدةٍ أو من قطر واحد فقط. إنه مطلوب شرعاً من كل الأمة الإسلامية عرباً وغير عرب، وهو الآن فرض عين على كل مسلم. فهل الأمة الإسلامية فعلاً عاجزة، أو أنها متخاذلة ومقصّرة وعاصية جرّاء تأثير الثقافة الغربية وجرّاء تأثير فتاوى علماء السلاطين المنافقين؟!

وحين نقول بأن المسلم يجب عليه الآن وجوباً عينياً أن يعمل لإقامة الدولة الإسلامية بأقصى طاقته فهذا يعني أن عليه أن يترك كثيراً من الأعمال المباحة وكثيراً من الأعمال المندوبة إذا كانت تشغله عن القيام بهذه الفريضة. فالمسلم عليه أن يعمل لكسب عيشه وعيش من يعول، وهذا فرض عين عليه، وحمل الدعوة لإقامة الخلافة فرض عين عليه (الآن). فأي هذين الفرضين يقدم على الآخر؟ والشرع يطلب من المسلم أن يقوم بكل الفروض، ولكن حين تتزاحم هذه الفروض بحيث إذا قام ببعضها لا يبقى لديه متسع للقيام بالفروض الأخرى. ففي مثل هذه الحال فإن الشرع نفسه هو الذي يقرر أيَّ الفروض يقدَّم وأيها يؤخِّر. فالمسألة شرعية وليست مسألة هوىً ومزاج. وأهل العلم والاجتهاد هم القديرون على فهم الأولويات. وفي المسألة التي ذكرناها فإن العمل لكسب العيش مقدم على العمل لإقامة الخلافة عند التزاحم. ولكن كسب العيش الذي يقدم على العمل في حمل الدعوة للخلافة هو كسب الضروريات وليس كسب الكماليات. فإذا كان المسلم يعجل ويكسب الضروريات، فلا يجوز له بعد ذلك أن يعمل عملاً إضافياً لكسب الكماليات إذا كان هذا العمل يؤخره عن حمل الدعوة لإقامة الخلافة.

وفي الغالب فإن الأعمال لا تمنع المسلم من القيام بحمل الدعوة، فما دام يعمل بين الناس فهو يستطيع أن يحمل لهم الدعوة أثناء عمله.

وليس من الأعذار الشرعية أن يقول المسلم: أنا لا أستطيع العمل لإقامة الخلافة لأن هذا يعرضني للطرد من وظيفتي أو يعرضني للسجن، لأن الوظيفة التي توقعه في المعصية لا يجوز أن يستمر فيها، فكما أنه لا يجوز للمسلم أن يكسب من الخمر أو الربا أو الرشوة أو الغش، فكذلك لا يجوز له أن يكسب من تأييده لنظام الكفر أو سكوته على نظام الكفر.

وأما العمل لإقامة الخلافة بأقصى سرعة، فإن هذا أيضاً قطعي الثبوت قطعي الدلالة.

ذلك أن الأحكام الشرعية التي أنزلها الله تصبح مطلوبة التنفيذ منذ تبليغها، وحين نزل حكم تحويل القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام تحوّل المصلون حين بلغهم الأمر فوراً وهم في الصلاة. فالأصل في تنفيذ الأحكام أنه على الفور وليس على التراخي إلا إذا دل الدليل على ذلك.

فحين يقول الله: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ{ أو يقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ} أو يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «من رأي منكم منكراً فليغيره» فكل هذا مطلوب فوراً. وكذلك النصوص التي جاءت متعلقة بعمل الدولة من إقامة الحدود، والقضاء بين الناس، وحمل الدعوة للعالم بالجهاد، وحماية الثغور، وتنفيذ أحكام الشرع على الرعية كلها مطلوبة فوراً. أضف إلى ذلك أن المسلمين لا يجوز أن يظلوا فوق ثلاثة أيام بدون خليفة يطبق الشرع. والرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: «ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية».

ولذلك ليس هناك من عذر لمن يقول مثلاً: (أنا سأعمل لإقامة الدولة الإسلامية ولكن ليس الآن بل بعد أن أتخرج من الجامعة). أو يقول: (بعد إنهاء المشروع الذي أنا فيه) أو ما شاكل ذلك. لأن العمل عند الاستطاعة واجب فوراً، وتركه هو معصية.

ومن أهم الأعمال لإقامة الخلافة شرح هذا المفهوم للمسلمين وتفهيمهم إياه حتى يصبح من البديهيات المعلومة من الدين بالضرورة، ومع شرحه للمسلمين وتفهيمهم إياه لا بدّ من شحن نفوسهم بالمشاعر الإسلامية التي تدفع للعمل والصبر والتضحية. {وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} .   

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *