العدد 82 - السنة السابعة شعبان ورمضان 1414هـ, شباط 1994م

الديمقراطية حقيقة أم خداع

صدر مؤخراً كتاب: تهافت «القراءة المعاصرة» تأليف د. محامي منير الشواف. وهذا الكتاب يتضمن عرضاً موجزاً لكتاب: «الكتاب والقرآن قراءة معاصرة» تأليف الدكتور محمد شحرور، وبعد العرض يتضمن نقضاً موجزاً لأفكار الدكتور محمد شحرور، ويصفها بالتهافت، ومن هنا جاءت تسمية الكتاب.

يقول الدكتور الشواف في مقدمة كتابه: «وحيث أنه (أي الدكتور شحرور) توصل إلى أن الماركسية سلطت الطريق العقلي الموضوعي الموصل إلى الله ولكنها لم تصل إليه، والمسلمون آمنوا بالله بدون أن يعرفوا الطريقة العملية للوصول إليه، والرأسمالية أطلقت الحريات التي أخرجت إبداعات الإنسان وعبقريته وأعطت ما لقيصر لقيصر وما لله لله، فكان في نظر المؤلف أنه لابد من نظرية جديدة لإنهاض العرب والمسلمين تقوم على تلبيس الإسلام طاقية الماركسية… وأن يغلف ذلك بالحريات التي أطلقها المبدأ الرأسمالي… وأن يُبَهّر الناتج بالعواطف الوطنية والقومية…».

مجلة «الوعي» كانت تفضل أن لا يأتي أحد من المفكرين والكتاب على ذكر الدكتور شحرور وكتابه، لأن التصدي لمثل هذه الكتب يجعل لها قيمة ويلفت نظر الناس إليها ويرغبهم في دراستها. والموقف الصحيح من مثل هذه الكتب هو الإهمال التام. ونحن ترددنا قبل أن نكتب هذه النبذة عن كتاب الدكتور الشواف. والذي دفعنا في النهاية إلى كتابتها هو ما حواه الكتاب من موضوعات أخرى قيّمة غير عرضه ونقضه لكتاب الدكتور شحرور. وقد اخترنا من الكتاب موضوع «الديمقراطية»، وها نحن ننشره فيما يلي:

أصل الديمقراطية ونشأتها:

حيث أنه التبس على الكاتب مفهوم الديمقراطية فكان لابد من توضيحه للأهمية.

الديمقراطية مصطلح إغريقي وجد كمفهوم نظري على أرض الواقع العملي إلا في منتصف القرن الثامن عشر. وتُعَرَّف الديمقراطية بأنها (حكم الشعب للشعب وبالشعب). ولقد أصبح هذا المفهوم متداولاً بين الطبقات المثقفة والمتنوِّرة في أوروبا على يد بعض المفكرين وأهمّهم المفكّر الفرنسي «مونتسكيو» في كتابه الشهير «روح القوانين»، والكاتب جان جاك روسّو في كتابه «العقد الاجتماعي». وأصبح لهذا المفهوم رأي عام في أوساط المفكرين والعلماء في أوروبا كرد فعل على التسلط الكنيسي (البابوي) الذي كان يسيطر على الحياة العامة والخاصة في أوروبا آنذاك. فقد كانت الكنيسة متمثلة بالبابا تملك سلطة روحية وسلطة زمنية على الناس من خلال اتفاق مصالح ملوك أوروبا وحكامها مع الكنيسة من أجل تسخير الشعوب لمصالح الأغنياء (الإقطاعيين).

ومع بداية عهد النهضة الأوروبية وإرهاصاتها وظهور علماء الطبيعة والفيزياء والكيمياء، أمثال نيوتين وغاليليو الذين قاموا بأبحاث تجريبية على المادة فإنّ الكنيسة وأصحاب المصالح ومعهم الغوغاء اتهموهم بالزندقة والخروج على التعاليم الإلهية، حتى أن غوغاء الشارع قاموا بقتل بعض العلماء وإحراقهم وهم أحياء بتحريض من الكنيسة والمتحالفين معها. ونتيجة لهذا الصراع بين رجال الدين والمفكرين الذي وضع حد له بالثورة الفرنسية الكبرى، تمّ اتفاق بين الكنيسة (رجال الدين) وبين المفكرين المتنورين والمتحالفين معهم من أهل النفوذ وأصحاب المصالح في الثورة الصناعية الذين يريدون أن يخرجوا من أوروبا إلى استعمار الشعوب على عقيدة جديدة هي (فصل الدين عن الحياة)، واستدلّوا بما نسبوه إلى الإنجيل «دَعْ ما لقيصر لقيصر وما لله لله». وبذلك تم تطويق الكنيسة والبابا في الفاتيكان، على أن يقتصر نفوذ رجال الدين على السلطة الروحية في الكنائس وأن يسيطر العلماء والمفكرون والمتنورون على مرافق الحياة. ومن هنا كانت البداية العملية لما عرف بعد ذلك بالديمقراطية التي بموجبها تمّ التحكم في مصائر الدول الغربية وشعوبها وتغيرت الطبقات الحاكمة وسقطت أكثر عروش ملوك أوروبا، ومن بقي منهم كملوك بريطانيا والسويد وهولندا بقوا مجرد رموز ملكية بدون صلاحيات حقيقية.

مفهوم الديمقراطية:

إذن الديمقراطية هي حكم الشعب بالشعب وللشعب، أي أن الأمة هي مصدر السلطات وتمتلك السيادة. فالشعب ينتخب حكامه وهو الذي يعين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، كما أن مبدأ فصل السلطات الثلاث هو أيضاً من أسس الديمقراطية، ومنحت الديمقراطية للشعب الحريات الثلاث المعروفة: حرية الاعتقاد، وحرية الرأي، وحرية التملك. فالديمقراطية بهذا المفهوم الذي وضعه أصحابها قد حررت الشعوب وجعلت السيادة والحاكمية لها، فهي تختار حكامها بالانتخاب الحر وهي التي تصنع الدستور والقوانين مباشرة أو عن طريق من تنتخبهم كممثلين لها.

مبررات الديمقراطية:

إن ممارسة كل فرد لحريته بشكل عشوائي وتغليب مصالح الفرد وأنانيته على مصالح الآخرين على اعتبار أن كل إنسان عنده غرائز تحتاج إلى إشباع، هذا سيؤدي حتماً إلى أن تصطدم رغباته وشهواته مع رغبات وشهوات الآخرين مما يجعلهم جميعاً يعيشون بموجب شريعة الغاب وهي أن يلتهم القوي الضعيف، هذا المنطق جعل نظرية العقد الاجتماعي تجعل كل إنسان يتنازل عن بعض حرياته وسلطاته إلى كيان معنوي اسمه الدولة الممثلة في الطبقة الحاكمة التي تنظم الحريات وتوزعها بالقسطاس المستقيم على الناس. فيأخذ كل ذي حق حقه بسلطات ملزمة على الناس جميعاً دون تفرقة. كما يشعر كل فرد بأنه ليس محكوماً فقط بل حاكماً أيضاً بمساهمته في تعيين الحكام وممثلي البرلمان أو الكونجرس وفي وضع القوانين أيضاً، وبذلك يكون له نوع من الكرامة والاحترام. وهذا هو أساس فلسفة الديمقراطية الغربية وجاذبيتها للشعوب.

التطبيق العمل للديمقراطية:

حيث إن الشعوب لا يمكن أن تحكم نفسها بنفسها بشكل مباشر فكان لابد من أن تنتخب ممثلين عنها ليكونوا السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية بموجب أحكام الدستور.

والسؤال: كيف يصل هؤلاء الممثلون إلى أن يكونوا حكاماً في البلاد التي تحكمها الديمقراطية؟ أن الظاهر يقول إنه في الديمقراطيات الغربية سواء أكان فيها الحكم رئاسياً كالولايات المتحدة، أو وزارياً كبريطانيا، أو مختلطاً بين الرئاسي والوزاري كما هو فرنسا، فإن الحكام يصلون فيها إلى سدة الحكم عن طريق الانتخابات بترشيح من أحزابهم السياسية. فالأحزاب السياسية هي التي ترشح أعضاء من قبلها ليكونوا ممثلين لها في السلطة التشريعية وهؤلاء الأعضاء ينتخبهم الشعب انتخاب نزيه حرّ مباشر. ولذا يقال إن الشعب يحكم نفسه من خلال اختيار من يراه صالحاً للحكم بواسطة الانتخابات الحرة. لكن الحقيقة والواقع يختلفان عن ذلك، فالشعب في الواقع لا يختار الحكام فعلاً بمجرد التصويت لمرشحين معيّنين، لأن رجال الأعمال في المجتمعات الغربية الديمقراطية من مصرفيين وصناعيين وأصحاب الثروات في الواقع هم الذين يمسكون بالقرار الحقيقي في الدولة وهم الذين يقومون بالتحكم في الأحزاب والمجالس التشريعية والنقابات، لا أفراد الشعب العاديين كما يقال. ولا يستطيع أحد غيرهم أن يصل إلى الحكم أو المجالس التشريعية أو التنفيذية أو القضائية إلا إذا كان رجلاً من رجالهم وبمباركتهم من أجل استكمال اللعبة الديمقراطية، فهؤلاء الذين يسيطرون على أجهزة الإعلام الخاصة، أو العامة، وهم الذين يسيطرون على رؤوس الأموال وعلى الشركات التي تصنع الحرب والسلم وتفتح الآفاق أمام دولهم ورعاياها أو تغلقها. ورؤوس الأموال هذه هي التي ـ بواسطة رجالها في الحكم ـ تثير الحروب التي تحرك عجلة التصنيع وهي التي توقفها فيكون الركود الاقتصادي، وتحرّك الاقتصاد كما تشاء بقوانين التجارة والضرائب وغيرها. ولذلك فإنّ سيطرة رؤوس الأموال في الديمقراطيات الغربية هي الأساس في كل شيء، فالناس في الغرب نظرياً هم أحرار ينتخبون من يشاؤون، لكن في الواقع هم ينتخبون من أرادت هذه القوى الرأسمالية له أن ينجح في الانتخابات. فالمواطن في الديمقراطيات الغربية هو حرّ بأن يفعل ما يريد لكن ضمن الدستور والقوانين التي وضعها هؤلاء الكبار، فالشعب يختار بإرادته ما يريده صُنّاع القرار في تلك البلاد. هذه هي الديكتاتورية العلمية الحديثة التي تجعل الناس بمحض إرادتهم يختارون ما اختاره صُنّاع القرار لهم. ولذلك تجد أن المجتمع الغربي يسخط على شخص دهس قطة في الطريق العام وتقوم عليه رابطة حقوق الحيوان، بينما لا يسخط لذبح الآلاف من الفلسطينيين ومسلمي البوسنة وغيرهم من المستضعفين في سائر أنحاء العالم، بل لا يسخط أيضاً لرؤية المشرّدين في شوارعه وهم يموتون جوعاً وبرداً من جرّاء الأمراض والمخدرات. والسبب في ذلك أن الرأسماليين لا تهمهم أرواح البشر بل عملوا على أن تسير الأمور هكذا لتحقيق أهدافهم ومنها خلق القلاقل والصراعات في العالم، وجعلوا شعوبهم تتلهّى بقضايا طبقة الأوزون ومايكل جاكسون ومادونا والإجهاض والممارسات الجنسية والإيدز… إلخ، بينما يستمرون في استغلال سذاجة شعوبهم وامتصاص خيرات العالم الثالث ـ كما يسمونه وتوضيحاً لذلك سنضرب مثلاً بالدولة التي يعتبرها العالم وتعتبر نفسها قمة الديمقراطية ألا وهي الولايات المتحدة.

الولايات المتحدة الأميركية والديمقراطية:

ينتخب الشعب الأميركي رئيسه مباشرة بموجب دستور البلاد الذي وضعه المؤسسون الأوائل من قادة الاستقلال. ويتم عادة انتخاب أحد مرشحي الحزبين الرئيسيين، الجمهوري والديمقراطي. وهذان الحزبان ليس لهما دستور مكتوب بل لكل منهما شعار، فشعار الحزب الجمهوري الفيل وشعار الحزب الديمقراطي الحمار. ويعتبر الحزب الجمهوري هو الحزب المحافظ، بينما يعتبر الحزب الديمقراطي أقل محافظة أي (ليبراليّاً). ويتناوب على الحكم في الولايات المتحدة رئيس من أحد هذين الحزبين، وهو الشخص الذي يكون قد اختير لتمثيل مصالح القوى الرأسمالية الكبرى في البلاد. فعند بداية الانتخابات يتم تسليط الأضواء على عدة أشخاص من الحزبيين الجمهوري والديمقراطي، وكل حزب يقوم بانتخابات أولية وفرعية ومحلية عن طريق مندوبي الحزب حتى يُنتقى من كل حزب شخص واحد يكون مرشحاً للرئاسة. ويتخلل الحملات الانتخابية مقابلات تلفزيونية وحفلات عشاء وتجمعات خطابية ومهرجانات في الهواء الطلق يتم فيها تقديم الطعام مجانّاً للناس حيث يكون هناك فِرقٌ موسيقية وفقرات ترفيهية، مما يجذب حضور الناس للاستمتاع بتلك المهرجانات ورؤية مرشحي الرئاسة. ويسمح الدستور الأميركي للمرشح أن يجمع تبرعات من قبل الشعب والمؤيدين له من أجل تغطية نفقات حملته التي تبلغ أحياناً 50 مليون دولار حسب بعض الإحصائيات وربما أكثر، وحيث أن الأفراد العاديين من المؤيدين لا يساهمون سوى بجزء يسير جداً من هذه المبالغ فإن رجال الأعمال من الرأسماليين أمثال رؤساء شركات الصناعات الثقيلة والعسكرية والمؤسسات البنكية وشركات النفط هم الذين يموّلون الحملة الانتخابية للرؤساء. فهذه الشركات في الحقيقة والواقع هي التي تقوم بعملية الانتخابات لا بسطاء الأميركيين الذين يعتبرونها مناسبة للتسلية والأكل والضحك. فرجال الأعمال هم الذين يوصلون الرئيس الأميركي لسدة الرئاسة وهم الذين يضعون له دفتر شروط مسبقة قبل تأييده ودفعه إلى البيض الأبيض. وإذا خالف الرئيس دفتر الشروط يستغنى عنه فوراً كما حصل لجون كنيدي، ولريتشارد نيكسون الذي خرج من البيت الأبيض وهو يبكي والذي سبق وأن استغنى عن نائبة سبيرو أغينيو الذي أرغم على الاستقالة فوصل للحكم الرئيس فورد بدون أي انتخاب من الشعب الأميركي، أي بدون إرادة الشعب.

فلا توجد في الواقع أي إرادة للشعب الأميركي إلا في القضايا الدعائية البسيطة التي يتصور فيها الشعب أنه قادر على حل مشاكله، كمشاكل البلديات والحدائق والمدارس والطرق وما إلى ذلك من الأمور التي ليست لها علاقة بالحكم. فواقع الأمر أن الناخب الأميركي حرٌّ فقط في وضع ورقة الانتخاب في الصندوق، وذلك بعد أن تكون قد تمّت برمجة تفكيره لاختيار الأشخاص الذين اختارهم صُنّاع القرار. ولا يقال كيف يعرف صُناع القرار من سيفوز حتى يؤيدوه، ولذا فإن هذا الوضع غير حقيقي، لا يقال ذلك لأن صنّاع القرار يدعمون كلا المرشحين بشروط مسبقة، ولابد من وجود كلا المرشحين حتى تكتمل اللعبة الديمقراطية. وإن لم يتعاون المرشح أو يقبل بالشروط يكن سقوطه وفشله في الانتخابات حتميّاً حيث تقوم تلك القوى الرأسمالية بإشعال الرأي العام ضده ومهاجمته وتحسين صورة المرشح الآخر، وإن لم يكن كفءً. وقد ظهر ذلك جليّاً في الانتخابات الأخيرة حيث سقط الرئيس جور بوش ذو الخبرة والحنكة والسجل القيادي أمام مرشح مغمور ليس لدية أي خبرة، وسجلّه أسود من الفضائح كمعاشرة الساقطات وشرب الحشيش والهروب من الجندية والتظاهر ضد بلده في الخارج والذهاب إلى موسكو حيث قيل أنه أراد التخلي عن جنسيته كما ذكرت ذلك بعض الصحف الأميركية. أما المجالس التشريعية: الكونجرس بمجلسيه (الشيوخ والنواب) فأعضاؤه هم جميعاً من رجال الأعمال البارزين أو من مؤيديهم ورثوا النيابة كابراً عن كابر منذ أيام جورج واشنطن حتى الآن. وما يقال من أن هناك رقابة من الكونجرس على الرئيس الأميركي فإن ذلك مجرد اختلاف ظاهري فكل قرار هام يمس الأمن ومصالح البلاد يتم التشاور فيه مسبقاً بين الرئيس ومعاونيه من طرف وبين رؤساء الأغلبية والأقلية في الكونجرس ولا يكون هناك خلاف ومعارضة عادة إلا في القرارات التي ليس لها أهمية كبرى. وعند اتخاذ القرارات في الأمور المصيرية يتولى الرئيس الأميركي بالتعاون مع مجلس الأمن القومي وبالتنسيق مع الكونجرس إخراجها إلى العلن على اعتبار أنها رأي الشعب ورأي الأكثرية. وتقوم أجهزة الإعلام التي سيطر عليها الكبار بإخراج الحديث بالصورة التي يريدها أصحاب القرار الملاك الحقيقيون لهذه الأجهزة، ويحتفظ ملاك القرار بملفّات فضائح يتم استخدامها للإطاحة بكل من لا يريدونه أن يصل أو يستمر في السلطة إما لأنه غير مؤهل لأن يفهم اللعبة الديمقراطية أو يمتنع عن الاستمرار فيها، أو لأنه غير قادر على أن يقوم بالدور الذي يريدونه.

الديمقراطية الغربية أكذوبة كبرى:

وهكذا فإنه في الواقع لا وجود للديمقراطية كما وضعها المفكرون وهي «حكم الشعب بالشعب وللشعب والأمة مصدر السلطات». ومع ذلك فإنه ليس هناك عيب في عدم التزام الأنظمة الغربية بالديمقراطية كما عرفها فلاسفتها النظريون، إنما الذي يعيب هذه الأنظمة هو أنها تكذب على الشعوب وتقول أنها تطبق الديمقراطية. ولو كان حكام الغرب صادقين لاعترفوا بالحقيقة العملية وهي أن الديمقراطية فكرة خيالية غير قابلة للتطبيق وأن الحكم لا يمكن أن يكون إلا للفرد. فقد ثبت من الناحية العملية والواقعية أن قرار الفرد أقوى وأسرع وأهم من قرار الجماعة. ولا يمنع بل يجب أن يكون للفرد الحاكم مجالس استشارية يصغي ويستمع لها ويناقشها في أمور البلاد وقضاياها لاستبعاد الآراء الهزيلة والمصلحية والخياليّة والنظر في الآراء القوية التي تعتمد على البيانات والنصوص الدستورية والحقائق والواقع المادي. ورأس الدولة الفرد هو الذي يبتنى القرار فيصبح قانوناً أو خطة أو أسلوباً، والسلطة التشريعية هي التي تحاسب الحاكم على أعماله، والسلطة التنفيذية هي التي تنفذ هذه القوانين والخطط بأحسن السبل والأساليب والأدوات. وتقوم اللجان التنفيذية والمستشارون الفنيون بتحويل القرارات التي تبناها الفرد الحاكم إلى واقع في السياسة الداخلية والخارجية في الدولة. وهذه الحقيقة هي التي تسير عليها كافة الدول في العام، فلا وجود للقيادة الجماعية إلا في الخيال، بل القيادة دوماً فردية، وهذا هو الشيء الصحيح والطبيعي الذي سارت عليه الدول وقياداتها منذ أوجد الله سبحانه وتعالى عالم البشر. وعلى الديمقراطيات الغربية أن لا تخجل من ذلك وأن تعلنه بصراحة وجرأة لأنه هو وحده الوضع الواقعي العملي الذي يمكن الدول الأمم والشعوب من النهوض والتقدم والرقي.

فالقيادة والقرار لا يمكن أن يكونا إلا لفردٍ واحد، لأنه إذا كان القرار بيد أكثر من فرد فلا بد من ظهور الصراع على السلطة الذي ينتهي أخيراً بإبقاء القرار بيد الفرد حتى تستقر الأمور في الأمة. واستكمالاً للحقيقة فإن قيادة الفرد لا تعني الديكتاتورية كما يتصور البعض، لأن الفرد ينتخب عن طريق الأمة انتخاباً حقيقياً، ويلتزم بدستور البلد الذي أقسم على عدم الخروج عنه والتقيد به. ويجوز للمحكمة الدستورية العليا التي تتابع دستورية التشريعات والتزام الرئيس بالدستور أن تحاكم الرئيس عندما يثبت خرقه للدستور، كما تستطيع أن تعزله، بينما الحاكم الديكتاتور لا يلتزم بدستور لأنه لم يصل للحكم عن طريق الأمة، فهو يحكم بالهوى ويتسلّط بالقوة. ولهذا ليس هناك أي مقارنة أو تشابه بين حكم الفرد الصحيح وبين الدكتاتور. فالفرد يحكم الأمة بموجب دستور والديكتاتور يحكم الأمة بالقوة والقهر والتسلّط. والحاكم الفرد تدافع عنه الأمة لأنها هي التي أتت به عن طريق الانتخابات وهي التي تحميه وتستطيع أن تعزله عندما يخالف الدستور. والديكتاتور هو الذي فرض نفسه بالقوة على الأمة، والأمة لا تحميه بل تنتظر الظروف للخلاص منه.

الديمقراطية والشورى:

الإسلام لا يخرج بأحكامه الشرعية العامة من حيث القيادة الفردية الصحيحة التي نوهنا عنها آنفاً، والإسلام لا يقر بالديمقراطية. إذ الديمقراطية الغربية ليست من الإسلام لا شكلاً و لا موضوعاً. فالإسلام يعتبر أن الحاكمية لله والسلطان للأمة، أي أن السيادة للشرع وهو الدستور الحاكم وأن الأمة تختار من يقبل أن يحكمها بشرع الله. والقيادة في الإسلام فردية وليست جماعية لقوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عمران الآية: 59]. فالحاكم المسلم يشاور أهل الرأي والحل والعقد، إنما هو الذي له صلاحية تبنّى الحكم الشرعي ليكون قانوناً سائداً. فالشورى حق من حقوق الأمة على الحاكم كما جاء في الآية الكريمة وكما روي عن النبي محمد –صلى الله عليه وسلم.

فقد شاور الرسول عليه الصلاة والسلام المهاجرين والأنصار في يوم الحديبية في أمر عودته عن مكة ذلك العام دون أن يعتمر، فأبدى الأكثرية انزعاجهم وظهرت مظاهر عدم القبول لما عزم عليه من العودة، لكن الرسول فيما بعد صمّم وقال لهم: «هذا عن أمر ربي…» رواه مسلم، أي أن هذا من التشريع، وبعد ذلك دخل على زوجته أم سلمة –رضي الله عنهما- وهو حزين فقالت له يا رسول الله إحلق فيحلق القوم، فخرج إليهم محلقاً فأطاعوه بعدما علموا أن هذا أمر تشريعي أي من الوحي.

أما يوم بدر فإن الرسول عليه الصلاة والسلام ألزم المسلمين جميعاً برأي شخص واحد من الصحابة هو الحباب بن المنذر –رضي الله عنه. فعندما نزل عليه الصلاة والسلام والصحابة عند ماء بدر قال له الحباب: يا رسول الله أمنْزِلٌ أنْزَلَكَهُ الله إيّاه فلا نتقدم ولا نتأخر؟ أم الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «بل الرأي والحرب والمكيدة»؟ فقال الحباب: هذا ليس بمنزل فلننزل عند أعلى ماء بدر ونحوطه بحائط فنشرب ولا يشرب المشركون، فأمر الرسول الجميع للنزول على رأي الحُباب. فهذا يدل على أن ما كان من قبيل الرأي والحرب والمكيدة يلزم به الحاكم ولو كان رأي فرد واحد لأنه رأي الخبير العالم باختصاصه، أي رأي صاحب الخبرة والاختصاص. فالحاكم لا يمكن أن يكون عالماً بالسياسة والرياضيات والطرق والدفاع والجغرافية، بل لا بد أن يكون لديه أجهزة استشارية فنية من أصحاب الاختصاص، ويتبنى الحاكم الرأي المناسب بعد التشاور مع هؤلاء المختصين ويصبح قراره نافذاً وسائداً. ولهذا يقتضي نظام الحكم في الإسلام أن يكون هناك مجلس شورى يحاسب الحاكم ومعاونيه وكافة أجهزة الدولة على أي تقصير واختراق للأحكام الشريعة. ويقوم المجلس ببحث ومناقشة أي أنظمة أو تشريعات تهم مصلحة الأمة وبعد ذلك يتم عرضها على الحاكم إمّا أن يوافق عليها فتصبح قانوناً أو يرفضها أو يعيدها للدراسة والبحث وذلك بعد التشاور مع مستشاريه المختصين.

الحريات:

إن دراسة واقع الإنسان، أي إنسان، سواء أكان من شعب الأسكيمو في ألاسكا، أو من قبائل أدغال أفريقيا أو من المرفهين الذين يعيشون في ناطحات السحاب بنيويورك أو عاش في كولخوزات خروتشوف في سيبيريا وأوكرونيا، أو عاش في مكة المكرّمة عند بعثة الرسول –صلى الله عليه وسلم، أينما كان هذا الإنسان فهو لا يعدو أن يكون كائناً اجتماعياً بفطرته ويملك ثلاثة غرائز كم ذكرنا في بحث الغرائز. وهذه الغرائز هي: غريزة حب البقاء ومن مظاهرها حب التملك والسيادة والخوف والإقدام، وغريزة النوع ومن مظاهرها الميل الجنسي والحنان والعطف والخؤولة والعمومة، وغريزة التديّن ومن مظاهرها التقديس والعبادة والاحترام. ولا يوجد إنسان أينما كان، لا يرغب في إشباع هذه الغرائز الثلاث بمظاهرها المتعددة. فكل إنسان يحب المال والنساء والجاه، وكل من يدعي خلاف ذلك يكون هذا على خلاف الفطرة إذ أنه إمّا كاذب أو شاذ مريض، والشاذ ليس له حكم فهو خلاف القاعدة، ومن هذه النقطة بالذات كان اتفاق الفلسفات والمذاهب واختلافها. فجميعها اتفق على وجود غرائز ولكنها اختلفت في تصنيف الغرائز وعددها، وهذا ليس مقصود في بحثنا هنا. فوجود الغرائز أمر محسوس ومدرك، عقلي وليس تصوّرياً، فالحكم على وجودها أمر عقلي وليس تصوّرياً. إذ هو ثابت ووضاح من خلال الإحساس فيها وبحاجتها إلى الإشباع. ولكن اختلاف الفلسفات والمذاهب كان في كيفية إشباع هذه الغرائز ووسائل إشباعها. وتحديد كيفية إشباع هذه الغرائز لدى المجتمعات في المناهج الرئيسية الثلاثة: الإسلام، الرأسمالية والماركسية. لذا حدد الإسلام بشكل واضح أن الإنسان عبدٌ لله ومخلوق لهن ومن يعتنق عقيدة الإسلام وهي ـ لا إله إلا الله محمد رسول الله ـ فقد ارتضى لنفسه أن يكون عبداً لله وأن يكون أساس حياته قائماً على التقيّد بأوامر الله ونواهيه. فوجهة نظر الإسلام في الحياة تقوم على أساس أن مَنْ خلق الإنسان وأودع فيه هذه الغرائز هو فقط القادر على تحديد كيفيات ووسائل إشباعها، وأن الأصل عند المسلم ـ بالأعمال ـ التقيد بالحكم الشرعي سواء أكان حراماً أم حلالاً مندوباً أو مكروهاً أم مباحاً، كما أن الأصل في ـ الأشياء ـ الإباحة ما لم يرد دليل يخالف ذلك.

فالمسلم مقيّد بالأحكام الشرعية وسلوكه في الحياة مرتبط بخطاب الشارع من أوامره ونواهٍ. فهو مثلاً يشبع غريزة التديّن بعبادة واحدٍ أحد فرد صمد آمن به وأدركه عقلاً. وهو يشبع حب التملك الذي هو مظهر من مظاهر غريزة البقاء بأحد أسباب التملك الشرعية. كما يشبع الميول الجنسية وهي من مظاهر غريزة النوع بالزواج الشرعي. أما الرأسمالية كمبدأ فقد فصلت الدين عن الحيان، وأعطت صلاحيات تحديد طريقة إشباع الغرائز للبشر عن طريق مجالس تشريعية. فالله سبحانه وتعالى عند الرأسمالية خلق البشر لكنه ترك لهم حرية التشريع لأمور حياتهم لأنهم أدرى باحتياجاتهم حسب ما يرون. أما الفلسفة الماركسية كمبدأ فقد اعتبرت أن الواقع سابق للفكر بما فيه التشريع، وأن الحالة العقلية في المجتمع هي انعكاس للحالة المادية. وكذلك فإن وسائل الإنتاج هي التي تحدد الحالة العقلية للمجتمع بما فيها التشريعات. وهذه الكيفيات للإشباع إجبارية وحتمية تفرضها الحالة الاجتماعية للمجتمع الناتجة عن الشروط المادية والتناقض الموجود في المادة الذي حدد كيفيات معيّنة للإشباع. من هنا اختلفت وجهات النظر في الحياة، أي من مبدأ تنظيم إشباعات غرائز الإنسان، سواء أكانت وجهات النظر من خارج الذات الإنسانية كما هو عند الرأسمالية وعقيدتها القائمة على فصل الدين عن الحياة، أو من تناقضات الطبيعة كما هو عند الفلسفة الماركسية. وعلى أساس هذه الفلسفات تم وضع الدساتير للدول والشعوب وانبثقت عنها الأنظمة وكافة التشريعات التي تعالج البشر والمجتمعات من حيث السلوك والمعاملة. وجاءت هذه التشريعات لتقييد سلوك البشر وتحديد وسائل وكيفية الاشباعات لديهم، ووضعت العقوبات المادية على من يتجاوز حدود هذه التشريعات سواء أكانت إلهية كما في الإسلام أو وضعية كما في المجتمعات الأخرى.

ولذلك يخطئ من يعتقد أن الأساس في سلوك البشر هو الحريات لأن ذلك غير صحيح حيث أن الأساس في سلوك البشر هو التقيّد بالأحكام الالتزام بالأنظمة والقوانين. ولكن الرأسمالية عن طريق المغالطة أفهمت شعوبها أن أساس حياتهم قائم على حرية الفرد كعادة المبدأ الرأسمالي في قلب الحقائق أو تزويرها. فالأساس في كل مجتمع هو التقيد بالضوابط المفروضة لا الحرية المطلقة، فالأميركي والأوروبي والياباني شاء أم أبى هو مقيد بالقوانين السائدة في بلاده، وإذا تجاوز هذه القوانين استحق العقاب من قتل أو سجن أو غرامة، فلو كان الأمر خلاف ذلك لكانت شريعة الغاب ولانتفت الحاجة إلى الدستور والقوانين والدولة ككل. وبالرغم من أن الفلسفات الغربية تُفهم الناس خلال ذلك، إلا أن هذه هي الحقيقة التي لا يستغنى عنها شعب من الشعوب ولا مجتمع من المجتمعات.

والإسلام كمبدأ للحياة أوضح وبمنتهى الصراحة، حقيقة أمر الحريات. فقد بيّن بشكل واضح أن الأساس هو العقيدة وما ينبثق عنها من أحكام شرعية لمعالجة مشاكل الحياة، ولا قيمة لرأي الناس كثروا أم قلّوا سواء كانوا متعلمين أم جهلة، إذا كان مطلبهم يخالف الأحكام الشرعية. فالحاكم يطبّق الشرع على الناس ويأتي لكل حكم بدليل شرعي من كتاب الله وسنة رسوله. والأمة تحاسبه على تقصيره مباشرة أو عن طريق مجلس الشورى. والحقيقة أنه كما ذكرنا، هذا لا يختص فيه الإسلام وحده، بل لكل دولة وشعب دستوره وقوانينه التي يطبقها الحاكم على الناس. ولا وجود لدولة بدون دستور وقوانين تطبق على الناس عنوة ومن يخالفها يعاقب سواء أكان من الحكام أم من المحكومين. والفرق بين المسلمين وغيرهم من كافة الشعوب غير المسلمة أن المسلمين لا يعملون على تغيير القوانين إلا بموجب أدلة شرعية مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله يتبنّاها الحاكم ويحولها إلى قوانين. أما غير المسلمين فيعملون على تغيير القوانين بموجب متطلبات غرائز البشر ليتمّ إشباعها بأي شكل يلائم رغبات المنتفعين وأصحاب رؤوس الأموال لتحقيق أكبر منفعة ممكنة بغض النظر عن الآثار المدمرة التي قد تنتج عن ذلك. ولهذا تكتظ أسواق ومجتمعات الغرب مثلاً بأفلام ومجلات الجنس والمخدرات بأنواعها ونوادي العُراة وبيوت الدعاة وحانات الخمر والمراقص والنوادي الليلية وما شابه ذلك، بحجة أنها تلبي رغبات عند الناس.

أما بحث الحريات عند الفلسفة الماركسية فقد أصبح بلا جدوى الآن بعدما اندثرت مؤخراً الشيوعية والماركسية بطريقة مسرحية عجيبة وذلك بعد مضي سبعين سنة على تطبيقها. فَكَبْتُ الماركسية الصارم للغرائز البشرية لم يغن حدوث الانفجار الأخير الذي أعاد شعوب ما كان يسمى بالاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية إلى طبيعتها البشرية واندفعت إلى إشباع غرائزها المكبوتة سنين طويلة. ونسأله تعالى أن تعود هذه الشعوب إلى الطريقة الصحيحة في الإشباع من خلال الإسلام وليس باتباع الطريقة الخاطئة أو الشاذة التي أدت إلى الانحلال الأخلاقي والتفكك الأُسَري وانتشار الجرائم والمخدرات والأمراض القاتلة في المجتمعات الغربية.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *