العدد 82 - السنة السابعة شعبان ورمضان 1414هـ, شباط 1994م

تونُسُ الخضراء (قصيدة)

الشاعر: يوسف إبراهيم

في 24 من ربيع الأول 1414هـ 10/09/1993م

لقد زارني وهو يحمل عِطرَ التاريخ من تونس والجزائر والمغرب والقيروان، وأشعّةً من جبين الفجر الذي شهد ميلاد الفتح، وخُصلةً من معارف جواد عُقْبَةَ وهو يخوضُ المحيط، وجَذْوةً من اللهب المقدّس الذي أحرق سفن طارق، وشبّ في عزائم الأبطال فأحالها نوراً يجتاحُ ظلمات الأندلس، فكانت من وحيه هذه القصيدة:

أيّام تونسَ هل إليكِ مَعادُ
.

 

والفجرُ مُؤْتَلِقُ السَّنا وقّادُ
.

ومنَ البطولةِ فوق كلِّ مُنيفَةٍ
.

 

رُفِعتْ قِبابٌ للعُلا وعِمادُ
.

والقَيْروانُ وعقبةٌ من خَلْفِه
.

 

تَزهو الرماحُ وتَزأَرُ الآسادُ
.

والرايةُ الجَذْلى تَموجُ وطارقٌ
.

 

والفتحُ والتاريخُ والأمجادُ
.

و«الله أكبرُ» صيحةٌ شُقَّتْ لها
.

 

لُجَجُ البِحارِ ودُكّت الأطوادُ
.

فإذا الفضاءُ وأرضُها وسماؤها
.

 

عِطْرٌ يَضوعُ وعِزةٌ وجهادُ
.

 

 

 

يا تونسُ الخضراءُ يا دَرباً إلى
.

 

غِرناطةٍ، أين انتهى الرُّوادُ؟
.

عَبروا على سُفُنِ الضياء، وعزمُهُمْ
.

 

صَرْحٌ على هام النجوم يُشادُ
.

إنْ حرقوا سُفُنَ العبور فعندهمْ:
.

 

كلُّ الحياةِ وما حَوَتْهُ رَمادُ
.

إيمانُهم فُلْكٌ على لُجَجِ الرّدى
.

 

وفيالقٌ وصوارمٌ وجِيادُ
.

لانتْ لهم صُمُّ الرّواسي، وانطوت
.

 

لِخُطَاهم الآمادُ والأبعادُ
.

قادُوا على الأرضِ الحياةَ فأصبحت
.

 

شُهْبُ السماء بأمرهم تنقادُ
.

ومَشَوْا ونورُ اله في أيمانهمْ
.

 

للعالمين هدايةٌ ورشادُ
.

فانهار ليلُ الظْلمِ تحت نِعالهم
.

 

ومعابدُ الطاغوتِ والعُبَّادُ
.

يومٌ على الدنيا أطلَّ وفجرُهُ
.

 

للدّهر في رَكْبِ العُلا ميلادُ
.

وسيوفُهم غَرْسُ الحضارة، ما نَما
.

 

إلا عليها غصنُها الميّادُ
.

كم أينِعت جَنَّاتُها في زحفهم،
.

 

في كلّ ميدانٍ جَنّى وحَصادُ
.

هل بلسمُ الكون الجريحِ كأنّما
.

 

شَفَراتُها التُّرياقُ والعُوّادُ
.

 

 

 

يا تونسُ الخضراءُ يا نَبْعاً صفا،
.

 

تاقتْ لعذبِ نميرهِ الرُّوادُ
.

ما زال ميراثُ السّنا في سِفْرِها
.

 

تزهو به الأجدادُ والأحفادُ
.

ما زال في التاريخ من أمجادها
.

 

لِلأكرمينَ مَظَلّةٌ ومِهادُ
.

هذي الحقولُ الخُضْرُ من زيتونها
.

 

والتّينُ والأعنابُ والكَبَّادُ
.

هِيَ مِنْ دِماءِ الفاتحين صحائفٌ
.

 

منشورةٌ، ومَحَابِرٌ  ومِدادُ
.

جَنَّاتُها العَطِراتُ مِنْ أنْسامِها
.

 

عَبَقتْ هِضَابٌ بالشذى ووِهادُ
.

نَبْضُ الحياةِ بها فلا أحجارُها
.

 

صُمٌّ ولا قِمَمُ الجبال جَمادُ
.

نَطَقَتْ بآياتِ الخُلودِ وسِرِّهِ
.

 

فكأنها الأرواحُ والأجسادُ
.

 

 

 

يا تونُسُ الخضراءُ أينَ مسيرةُ الـ
.

 

إيمانِ أينَ حُماتُها الأمجادُ
.

بالعزْمِ شادُوا سَمْكَها فأَظلَّهمْ
.

 

سَبْعٌ، مِنَ النُّورِ العَليِّ، شِدادُ
.

طَوَتِ القُرونُ حياتَهمْ ورُفاتَهمْ
.

 

وكأنّهمْ ما بِيْنَنا أشهادُ
.

تاهَتْ على شُمِّ القصور لحودهُمْ
.

 

وتَسنّموا عرشَ الخلودِ وسادوا
.

فإذا تنادت للجهادِ كتيبةٌ
.

 

نَهضوا من الرَّمس المقيمِ وعادوا
.

وتَقَدَّمُوا زَحْفَ الجيوشِ أَعِزَّةً،
.

 

ولهم عِراكٌ في الوغى، وجِلادُ
.

مِنْ نورهم لِلسّائرين مشاعلٌ
.

 

مِنْ عَزْمِهم لِذوي العزائمِ زادُ
.

ومن الحِدَاد المُشْرِقاتِ تألّقتْ
.

 

هِمَمٌ، على ساحِ الجهادِ حِدادُ
.

وغُباؤُهم عِطْرٌ لكلِّ محاربٍ،
.

 

ولِكلِّ حربٍ عُدَّةٌ وعَتَادُ
.

 

 

 

يا فجرَ تونسَ كيف بُدِّلَ حُسْنُهُ
.

 

وكَسَا مُحيّاهُ الوَضيءَ رَمادُ
.

والشّمسُ لا إشراقَ في قَسَماتِها
.

 

خَجِلُ الضياءِ جبينُها الوقّادُ
.

والرَّوْضُ لا طيرٌ يُغَردُ شادياً
.

 

والظلُّ لا عَبِقٌ ولا مَدّادٌ
.

والتُّرْبُ جَفَّ فليسَ يُنْبِتُ زهرةً
.

 

والأُفْقُ لا بَرْقٌ. ولا إرعادُ
.

والشهْبُ في الأفلاكِ ماتَ بريقُها
.

 

فكأنَّ وَمْضَ النَيِّراتِ سَوَادُ
.

والأطلسيُّ تكسّرتْ أمواجُهُ
.

 

وهْناً، فلا صَخَبٌ ولا إزبادُ
.

وكأنَّ عُقْبَةَ لَمْ يَزُرْ شطآنَهُ
.

 

فَتحاً، ولا خاضَ المحيطَ جوادُ
.

 

 

 

أطلالُ تونسَ أين زهو شبابِها
.

 

في كلِّ فجٍّ مأتمٌ وحِدادُ
.

عاثت بها زُمَرُ العبيدِ وأفسدوا
.

 

وطغى الضَّلاَل وعَرْبَدَ الجلاّدُ
.

ما زال تمثالُ البَغيضِ يَقودهمْ
.

 

وتَسيرُ خَلْفَ رِكابِه الأوغادُ
.

ويَعُبُّ عِربيدُ السُّكارى كَأْسَهُ
.

 

عَقْلٌ يذوبُ بخمرِها وفؤادُ
.

يُدْعَى بـ (… العابـ…) ونَهجُهُ
.

 

وشِعارُه الطُّغيانُ والإلحادُ
.

 

  

 

يا تونُسُ الخضراءُ هل مِنْ رِجْعَةٍ
.

 

وصحائفُ الفَتحِ المجيد تُعادُ
.

ومَدارجٌ للمَجْدِ سامِقةُ الذُّرَى
.

 

زَهْواً، ورَكْبٌ للعُلا صَعَّادُ
.

وخيوطُ نَسْجِ العنكبوت بموطني
.

 

تُطْوَى، وأسرابُ الذباب تُبادُ
.

نٌحِرَ الظلامُ وقد تلاشى لَيلُهُ،
.

 

ومَعَ الصَّباحِ هنا لنا ميعادُ
.

ومواكبُ التحريرِ تهتِفُ عِزَّةً،
.

 

وتغرِّدُ الأفراحُ والأعيادُ
.

يزهو اللواءُ وللخلافة راية
.

 

تهفو لها الأرواحُ والأكبادُ
.

صَحْوٌ يَهُزُّ الأرضَ من سِنَةِ الكَرى
.

 

مُتَوثِّبٌ، لا يعتريه رُقادُ
.

ولنا على الأيامِ شَمْسُ حضارةٍ
.

 

وكُنوزُ مَجدٍ ما لهن نَفَادُ
.

 

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *