العدد 81 - السنة السابعة رجب 1414هـ,كانون الثاني 1994م

روسيا تبدّل جلدها فقط

سيذكر التاريخ غورباتشوف على أنه ليس آخر الزعماء الشيوعيين وحسب، بل والزعيم الذي مهدت سياساته لانهيار الاتحاد السوفياتي وتوجيه ضربة قاضية للماركسية محلياً ودولياً.

أما الرجل الذي أطلق ما يمكن اعتبارها رصاصة الرحمة على الاتحاد السوفياتي والشيوعية فهو يلتسين، الزعيم الروسي الحالي، الذي استغل الظروف التي أوجدها غورباتشوف بدهاء لتحقيق هذا الهدف.

وبرع يلتسين في إطلاق الشعارات التي تروق للغرب الرأسمالي، وخاصة أميركا، من مثل الديمقراطية، والحريات، وحقوق الإنسان، ونظام السوق، وحق تقرير المصير.

ومع أنه لم يقطع حتى الآن شوطاً يذكر على صعيد تحويل بلاده إلى مجتمع رأسمالي، وما تزال أمامه مصاعب جمة وعقبات خطيرة، إلا أنه استوعب الأساليب الرأسمالية في التعاملات الدولية ونجح في تطبيقها أيما نجاح.

فهو حين اضطر لمنح جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق حق الانفصال عن روسيا والاستقلال والتمتع بالسيادة شكلاً، حتى لا يفقد مصداقيته لدى الغرب، حرص على أن لا تفلت هذه الجمهوريات من قبضة موسكو.

وهي لعبة قديمة ابتدعتها الدول الأوروبية الاستعمارية حين اضطرت للتخلي عن سيطرتها الظاهرة على المستعمرات تحت ضغط تطلع الشعوب للتحرر، والرأي العام العالمي الكاسح المناهض للاستعمار التقليدي. فقد استبدلت الدول المستعمرة بوجودها العسكري وحكمها المباشر معاهدات واتفاقات عسكرية واقتصادية وثقافية وغيرها، وتنصيب رجالها من أبناء المستعمرات حكاماً يحرسون لها مصالحها والأوضاع التي تريد الحفاظ عليها في الدول المستقلة حديثاً. ولعل بريطانيا كانت من أكثر الدول الأوروبية نجاحاً في هذا المضمار، حيث لا تزال معظم الأقطار التي خرجت منها ملحقة بها بشكل أو بآخر بفضل عملائها في هذه الأقطار، الأمر الذي حافظت بفضله على بقائها لاعباً رئيسياً في السياسة الدولية، ودولة ينعم شعبها بالرفاه على حساب الشعوب الأخرى.

ولروسيا منذ القديم مجالها الحيوي الذي لا تستطيع التفريط به، بغض النظر عن الشكل الذي تكون عليه سيطرتها على هذا المجال. والمقصود بذلك ما كانت تسمى بجمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق. فهذه الجمهوريات كانت ملحقة وخاضعة للسيطرة الروسية المباشرة أيام القياصرة، وظلت كذلك في العهد الاشتراكي، وإن كانت قد أصبحت شكلاً جمهوريات مكافئة لروسيا انسجاماً مع النظام الماركسي المعلن: وفي العهد الجديد، ومع انفصال هذه الجمهوريات واستقلالها، صار لابد لروسيا من إطار جديد تبسط من خلاله سيطرتها الفعلية على هذه الدول.

وعلى هذا الأساس أنشأت موسكو ما سمتها: «رابطة الدول المستقلة»، وجعلت الانضمام إليها طوعياً في الظاهر.

وفي يد سكان الكرملين أكثر من ورقة رابحة لجعل هذا الاختيار الطوعي قسرياً. ففي معظم الجمهوريات المستقلة حديثاً أقليات روسية تكاد تعادل في تعدادها أبناء البلاد الأصليين، كما أن القواعد العسكرية الروسية لا تزال موجودة في كل الجمهوريات وباعتبار موسكو كانت مركز الاتحاد السوفياتي الرسمي والفعلي، فإن لديها كل المعلومات اللازمة عن شؤون جمهورياته السابقة في كل الميادين، فضلاً عن كون رجال موسكو من الزعماء الشيوعيين في هذه الجمهوريات هم الذين كانوا مؤهلين لتولي السلطة فيها عند استقلالها. وإضافة لذلك فإن معظم هذه الجمهوريات مدينة لموسكو وتعتمد عليها في توريد الطاقة الضرورية.

ومع ذلك، فإن بعض هذه الجمهوريات عزفت في البداية عن الدخول في رابطة الدول المستقلة، ظناً من بعض حكامها أن انشغال روسيا بمصاعبها الداخلية سيلهيها أن الانهماك في مقارعتهم وإعادتهم وبلادهم لبيت الطاعة.

وتناسى هؤلاء أن روسيا لا تعتبر جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق شأناً خارجياً بل شأناً داخلياً. وكان آخر درس لقنته لهم موسكو في جورجيا.

فحين استقلت جوريا وتولى الزعامة فيها جساخورديا وجد المشاعر المعادية للروس عارمة، واعتبر الظروف ملائمة، في ضوء انشغال روسيا بمشاكلها الداخلية، للاستقلال فعلاً عن روسيا. ولذلك رفض الدخول في رابطة الدول المستقلة. فما كان من موسكو إلا أن حركت الأوضاع الجورجية الداخلية نحو التأزم، وما لبث هذا التأزم أن تحول لحرب دموية اضطر معها جساخورديا لمغادرة تفليس واللجوء إلى إحدى الجمهوريات المجاورة. وأوعزت موسكو لإدوارد شيفاردنادزه (وزير خارجيتها السابق) لدخول الحلبة والتوجه إلى العاصمة الجورجية حيث وجد الجو مهيئاً لتنصيبه رئيساً. ولكن شيفاردنادزه وجد المشاعر الجورجية المعادية للروس أقوى من أن يواجهها بالانضواء تحت لواء موسكو. فما كان من روسيا إلا أن هيأت الظروف لهذه العملية. فقد حرضت الابخازيين على التمرد على جوريا وخوض حرب طاحنة مع القوات الجورجية لتحرير بلادهم منها، ولم تبخل عليهم بالمعونة اللازمة للعب دورهم بنجاح. وبالفعل تمكن الابخاز من طرد الجورجيين من بلادهم. وفي نفس الوقت وجد جساخورديا الفرصة مواتية للنيل من خصمه شيفاردنادزه، وخاصة بعد تدهور معنويات القوات الحكومية الجورجية نتيجة لطردها من أبخازيا. ونجحت قوا جساخورديا باحتلال عدد من المدن والقرى الجورجية، وبدت وكأن وصولها إلى تفليس مسالة وقت.

وهنا أصبحت الفرصة سانحة لشيفاردنادزه لكي يواجه شعبه بالخيار الصعب. فإما أن تتمزق جوريا وتغرق في بحر من الدماء ويعمها الاضطراب، وإما أن تنضم لرابطة الدول المستقلة ولطلب نجدة هذه الدول لمنع الكارثة.

وما هي إلا أيام حتى ذهب شيفاردنادزه إلى موسكو، وأعلن انضمامه لرابطة الدول المستقلة، وعاد بوعود من يلتسين بالمعونة العسكرية للتغلب على الأزمة.

وهكذا أخذ الموقف العسكري يتحول لصالح حكومة تفليس، كما أخذ موقف شيفارنادزه يتعزز، الأمر الذي يعني أن المسألة مسألة وقت حتى تعود جوريا إلى الاستقرار الذي فقدته إبان فترة تمردها على موسكو.

فروسيا إذن وإن بدلت جلدها لكنها لا تفرط بمصالحها الحيوية ولا بمجالها الحيوي، الذي تعترف لها به الولايات المتحدة. إذ لو أن واشنطن لا تعترف لروسيا بمجالها الحيوي لكانت تدخلت عن طريق الأمم المتحدة، أو حولت المشاكل التي نشأت في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق إلى مشاكل دولية، ولكنها لم تفعل ذلك وسكتت على تدخل روسيا حين أعادت حيدر عليف إلى الحكم في أذربيجان، وحين لقنت جوريا درساً قاسياً، وحين أرسلت قواتها للدفاع عن النظام الطاجيكي المهدد من قبل الثوار المسلمين. فسكوت أميركا على كل هذه الأمور له معنى واحد، وهو الاعتراف بالمجال الحيوي لروسيا وإطلاق يدها فيه.

وبذلك تلحق روسيا في عهد يلتسين بالركب الرأسمالي وأساليبه وسياساته الملتوية ومن طبيعة النظام الرأسمالي أن تكون العلاقات بين الأفراد بعضهم ببعض وبين الدول بعضها ببعض قائمة على الاستغلال والنهم والسيطرة، تماماً مثلما أن الإنسان لا يمكن أن يخرج من جلده، كذلك فإن الرأسماليين أفراداً ودولاً لا يمكن أن تكون لديهم قيم غير القيمة المادية وغير النفعية. وهذا انحطاط بالبشر إلى درك الحيوانات التي لا تتحرك إلا لإشباع غرائزها البهيمية وحاجاتها العضوية. أما ما حبا الله به الإنسان من عقل يفترض أن يوجهه للقيم الرفيعة فيدرك أن الحياة فيها ما هو سوى القيم المادية والمتع الجسدية، فلا يتسنى للرأسمالي أن يستوعبه. ولك ما يتردد أحياناً على ألسنة الرأسماليين دولاً وأفراداً مما يشتم منه شيء غير مادي، كما هو الحال حين يتحدثون عن حقوق الإنسان وعن المعونات الإنسانية ما هو إلا هراء، وما هو إلا خداع لإخفاء حقيقة نوازعهم النفعية.

وإذا كان الروس لم يجدوا أمامهم من مهرب إلا إلى الرأسمالية للتخلص من كابوس الماركسية، فما عذر المسلمين الذين لا يزالون منساقين وراء هذا المبدأ المنحط، الذي لا يليق بالإنسان، وهم على الأقل يعرفون أن الخالق (وليس المخلوق) وضع للبشر نظاماً ضمن فيه إشباع حاجات الإنسان كلها وليست الحاجات المادية وحدها. وقد جربوا هذا النظام قروناً طويلة، كانوا خلالها مصدر النور للعالم كله، كما عاشوا كأرقى ما يكون العيش آمنين مطمئنين هانئين.

فهل يفطن المسلمون لحقيقة أن عليهم إنقاذ البشرية كلها بدينهم وتخليصها من هذه الرأسمالية التي تردت فيها؟

م. نافع

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *