العدد 81 - السنة السابعة رجب 1414هـ,كانون الثاني 1994م

{أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا}

قال تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [سورة الكهف: 103 ـ 104].

وقال تعالى: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا} [سورة فاطر: 8].

وقال تعالى: ]أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ[ [سورة محمّد: 14].

في هذه الآيات الثلاث معنىً مشترك هو أن الإنسان قد يعجبه فعله أو رأيه ويظن أنه محسن وأنه على حق، ومع ذلك تأتي هذه الآيات وتقول بأن ذلك لا يكفي لأن يتمسك الإنسان برأيه، ولا يكفي لأن يُبَرّىءَ ذمته عند الله وعند الناس. فكثيراً من يكون ظنه هذا نتيجة وهم، أو انسياقاً وراء هوى، أو نتيجة تضليل ووسوسة من شياطين الإنس والجن، ويحسَب أنه يحسن صنعاً.

{قُلْ} أي يا محمد -عليه الصلاة والسلام- للناس.

{هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً} نعلمكم بالذين يخسرون أعمالهم. وكلمة (الأخسرين) أبلغ من كلمة (الخاسرين).

{الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي ضاع عليهم سعيهم الذي سعوه في الحياة الدنيا لأنه كان على غير هدى. وهذه العبارة هي بدل (عطف بيان) من عبارة (الأخسرين أعمالاً).

{وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} أي يتوهمن أنهم يحسنون صنعاً. وجوب السؤال جاء في الآية التي تبعت: {أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا}.

والآية الثانية:

{أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ} أي أرأيتم أيها المؤمنون إلى الذي زُيّن له عمله السيئ، {فَرَآهُ حَسَنًا} فكانت نتيجة هذا التزيين الخادع أنه رأى السيئ حسناً. وكم هناك من المضلَّلين المخدوعين الذين يرون القبيح حَسَناً والحَسَنَ قبيحاً. وجواب الاستفهام جاء في بقية الآية: {فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ}.

والآية الثالثة:

{كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ} هنا جاءت العبارة بمقابلة الأولى. أي أن الناس قسمان: قسم يبحث عن الدليل الشرعي ليميز به بين الحلال والحرام وبين الحسن والقبيح وبين الحق والباطل وبين الخير والشر. وقسم لا يبحث عن الدليل الشرعي بل يبحث عن الشهوة أو المصلحة أو الشهرة أو غير ذلك، دون أن يبحث عن رأي الشرع في ذلك، وهذا يتوهم أنه مصيب. وفي الحقيقة هو ضال، وهو في الآخرة من الخاسرين.

{وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} أي أن هؤلاء الذين ليسوا على بينةٍ من ربهم وزُيِّن لهم سوء عملهم هم قد اتبعوا أهواءهم.

إن هذه الآية الكريمة هي أصل عظيم من أصول الدين الإسلامي. ولنلاحظ كيف أنها حددت أن البيّنة هي من الله وليس من أحد سواه وليس من العقل:

{أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ}

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *